آخر الأخبار

حوارات القاهرة: الفصائل وزفّة الوسطاء!

f807cd37-75e4-46ab-b61b-8c8e95aa82c2

حمزة البشتاوي

في إدراك واعٍ للأحداث، لبّت الفصائل الفلسطينية دعوة مصرية للحوار فيما بينها ومع الوسطاء. وهذا ليس جديداً، بل مشهد مكرّر يعود بعده كل فصيل من حيث أتى وكأن شيئاً لم يكن. وهذه المرة ناقشت الفصائل الفلسطينية جملة من القضايا تتعلّق بوقف إطلاق النار المترنّح والهشّ في قطاع غزة، ودخول لجنة التكنوقراط التي سبق تعيينها من أجل إدارة قطاع غزة، واستكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه في العاشر من تشرين الأول 2025، والاتفاق حول آلية الدخول في المرحلة الثانية.

إنّ ما حدث في القاهرة كان نقاشاً حول خطة ملادينوف التي تتضمّن 15 نقطة، الأولوية فيها لنزع السلاح وليس لإنهاء الاحتلال، ووقف العمل العسكري والسياسي مقابل بعض التسهيلات والمساعدات. لم تتمكّن الفصائل الفلسطينية من مواجهة الضغوط سوى باستبدال عبارة نزع السلاح بعبارة حصر السلاح بيد جهة أو سلطة فلسطينية متّفق عليها، وهذا يعني تجريد الشعب الفلسطيني من عناصر القوّة، والذهاب نحو ترتيبات سياسية وإدارية للمرحلة الثانية، وترك التفاصيل الأمنيّة لاجتماعات لاحقة بلا إجابة، كموعد وكيفية سحب أو حصر السلاح، وهل سيجري قبل أو بعد تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى وتفكيك المليشيات التي شكّلها وسلّحها الاحتلال، وهل ستشمل عمليات سحب السلاح إضافة للصواريخ والرشاشات والبنادق والمسدسات سكاكين المطبخ؟! وهل سيتم الانسحاب من الخط البرتقالي المستحدث أم من الخط الأصفر الذي منح الاحتلال السيطرة على نحو 53٪ من مجمل مساحة قطاع غزة البالغة 365 كم2، والتي ارتفعت مع المنطقة البرتقالية إلى نحو 64٪ من مساحة قطاع غزة.

وهذا يشير إلى إصرار حكومة نتنياهو على المضي بمشروع التهجير القسري لأهلنا الصامدين في قطاع غزة، وسط حال من اليأس والإحباط والتشاؤم، حيث يعيش حوالي 2,1 مليون نسمة على مساحة أقل من 30٪ من مساحة القطاع، وحيث 70 – 80% من مبانيها مدمرة إمّا كلياً أو جزئياً، لتبقى المساحات الأخرى عبارة عن غابة خيام.

منذ اتفاق وقف إطلاق النار حتى نهاية الشهر الماضي، بلغ عدد الشهداء نحو 939 شهيداً و2889 مصاباً، و82 معتقلاً، فضلاً عن المزيد من الدمار الذي يطاول كل منطقة تقصف تحت ذرائع مختلفة. عدا عن عدم اليقين بإمكانية تنفيذ المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية.
وهذا ما دفع الوسطاء إلى بحث وتقديم مقترح جديد استناداً إلى التحدّيات التي يفرضها الاحتلال المتفلت من أي تعهّد أو التزام، والذي يفاقم المعاناة الإنسانية لأهالي قطاع غزة الذين يعيشون أزمة بقاء حقيقية، ضمنها خطر العطش والجوع وسط التقييد الإسرائيلي لحركة المساعدات.

ولكن الحاجة اليوم هي لموقف فلسطيني أكثر صلابة مما هو عليه الآن، حيث تذهب الفصائل الفلسطينية إلى مصر وكأن مهمتها الأساسية تبادل الخطابات والشعارات من دون القدرة على ترجمتها أو تطبيقها، وهذا ما يجعلها مجرّد بيانات لا تعيق الزفة التي يحضرها الوسطاء، وما قد تحمله من مؤشرات قد تزيد من عوامل الإحباط أو ما قد يرفع من منسوب الأمل لدى البسطاء.

لم تخبرنا الفصائل بما حدث كي نقول إننا لسنا أمام خيبة جديدة تضاف إلى السجل الطويل من الخيبات؛ وفي مجلسهم أو في مجلس الوسطاء، يبدؤون كما العادة بمونولوغ عن المسؤولية الوطنية والمرحلة الحساسة، وضرورة الوحدة والتمسّك بالمقاومة وبشرعيتها وجدواها، من دون أن يعرفوا ما في جعبة الوسطاء، من حديث حول ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية دون تنفيذ المرحلة الأولى، وسط حديث عن مخاطر العدوان الأميركي الإسرائيلي الفاشل على إيران واستمرار العدوان على لبنان وضرورة كسر الجمود الحاصل وإيجاد المخارج وإبداء المرونة لإنجاح المفاوضات حول المرحلة الثانية، رغم عدم انسحاب جيش الاحتلال من غزة وعدم عودة النازحين إلى مناطقهم خاصة في شمال قطاع غزة، واستمرار الاحتلال بإغلاق المعابر وإعاقة دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية وفق بنود المرحلة الأولى التي لم تنفّذ. وفي حال رحّلت هذة البنود إلى المرحلة الثانية التي فيها الكثير من الاستحقاقات، ستبدو الفصائل وكأنها محكوم عليها دائماً بالحضور الشكلي، وليس كطرف أساسي وفاعل، والذي يجب أن يكون له رؤية واحدة وموقف موحّد يحمل أوجاع وهموم الناس التي وصلت إلى حدّ لا يطاق من الجراح المفتوحة على قلق وموت لا ينتهي بسبب الاحتلال.

فهل تمتلك الفصائل رؤية واضحة للمرحلة الأولى والثانية وما بعدها؟ وهل سينجحون في ربط الانتقال بين المراحل بتنفيذ الالتزامات المتّفق عليها؟ وهذا الموقف لا يتعارض أبداً مع هدف وتفويت الفرص وسحب الذرائع الإسرائيلية التي تريد عرقلة تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.

إنّ ما ينتظره الفلسطينيون من الفصائل التي اجتمعت في القاهرة، أن تسمع صوتهم وألّا تكون «مثل الأطرش بالزفة» كما يقول المثل الشعبي في اللقاءات التي عُقدت مع الوسطاء، المصريين والقطريين والأتراك. وألّا تذهب بعيداً في المرونة في ما يتعلّق بتطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة