آخر الأخبار

نقاش مع محمد رعد: من الالتباس الوطني إلى أزمة الكيان

a09abd0e-0fd2-4683-8fb5-a92999a545ad

طنوس شلهوب

أستاذ جامعي مقيم في كندا

في مقالته «حول الهوية الوطنية والسلطة والمواطنة» المنشورة في «الأخبار» (الخميس 18 حزيران)، ينطلق رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد من تشخيص يعتبر أن لبنان يواجه أزمة عميقة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية لتطاول مفهوم الهوية الوطنية نفسه. ويرى أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما رافقها من انقسامات داخلية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الانتماء الوطني والسيادة والموقف من العدو الإسرائيلي وحدود العلاقة مع الخارج. ويعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في تراجع الالتزام بالثوابت الوطنية الجامعة، وفي تصاعد نزعات الاستقواء بالقوى الخارجية والتشكيك بخيار المقاومة، الأمر الذي يهدّد وحدة اللبنانيين ويضعف قدرتهم على الدفاع عن وطنهم وسيادتهم.

تستند هذه المقاربة إلى عناصر واقعية ومهمة، أبرزها استمرار الخطر الإسرائيلي على لبنان، وواقع التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية، إضافة إلى الثغرات التي رافقت مسار بناء الدولة منذ اتفاق الطائف. غير أن معالجة أزمة الهوية الوطنية اللبنانية تقتضي الذهاب أبعد من مستوى الخلاف السياسي الراهن، والبحث في الجذور التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي حالت دون تشكّل هوية وطنية جامعة طوال أكثر من قرن على قيام الكيان اللبناني.

فعندما يتحدّث النائب رعد عن “التباس الهوية الوطنية”، فإنه يلامس مشكلة حقيقية، لكن تفسيرها يبقى جزئياً إذا اقتصر على الانقسام حول المقاومة أو العلاقة مع إسرائيل. فالسؤال الأعمق هو: لماذا فشل لبنان، بعد أكثر من مئة عام على تأسيسه، في إنتاج هوية وطنية جامعة ومستقرة؟

من منظور تاريخي مادّي، لا يعود السبب الأساسي إلى اختلاف اللبنانيين حول المقاومة أو السيادة فحسب، بل إلى طبيعة الكيان الذي أنشئ عام 1920 في ظل الانتداب الفرنسي. فقد جاء “لبنان الكبير” نتيجة تسوية كولونيالية جمعت مناطق وجماعات ذات مسارات اقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة، من دون أن يرافق ذلك مشروع وطني اندماجي حقيقي أو عملية تطوّر اقتصادي توحّد المصالح الاجتماعية للسكّان.

لم يتشكّل الكيان بوصفه أداة لبناء سوق وطنية متكاملة أو اقتصاد مُنتِج مستقل، بل نشأ كوسيط بين الرأسمال الغربي والمنطقة العربية. ومنذ البداية برزت طبقة بورجوازية تجارية ومالية كمبرادورية ارتبطت مصالحها بالمراكز الرأسمالية الخارجية أكثر مما ارتبطت بتطوير الداخل اللبناني. لذلك لم تكن هذه الطبقة بحاجة إلى هوية وطنية صلبة بقدر حاجتها إلى استقرار يسمح لها بأداء دور الوسيط المالي والتجاري بين الخارج والداخل.

في ظل هذه الشروط، لم تعد الطائفية مجرّد ظاهرة ثقافية أو دينية، بل تحوّلت إلى آلية سياسية لإدارة المجتمع وتوزيع السلطة والثروة. فالطبقات المهيمنة لم تعمل على تجاوز الانقسامات الطائفية، بل أعادت إنتاجها لأنها كانت الأداة الأكثر فعالية للحفاظ على نفوذها ومنع تشكّل حركة وطنية شعبية عابرة للطوائف.

ما هو مطروح اليوم، يتعلّق بربط مشروع التحرّر الوطني بمشروع التحرّر الاجتماعي، وربط مقاومة العدوان بمقاومة البنى الداخلية التي تعيد إنتاج التبعيّة والانقسام

وهكذا، بينما نجحت بعض الدول في بناء هوية وطنية من خلال التصنيع والتحديث وقيام دولة مركزية قوية، بقي لبنان محكوماً بتحالف زعماء الطوائف والبورجوازية الكمبرادورية، ما حال دون نشوء مواطنة بالمعنى البورجوازي المعاصر للكلمة. فالمواطن لم يرتبط بالدولة عبر منظومة حقوق اجتماعية واقتصادية متساوية، بل بقي مرتبطاً بالطائفة التي تؤمّن له الحماية والعمل والخدمات، في ظل هيمنة طائفية للنخب المسيحية على باقي النخب لحين انفجار الأزمة في حرب أهلية استمرّت 15 عاماً. وجاء اتفاق الطائف ليكرّس مجدداً الحل الطائفي بعد تقليص نفوذ “المارونية السياسية” لمصلحة السنية والشيعية السياسية. وعندما تغيب الدولة كمصدر للحقوق، تصبح الطائفة هي الوطن الفعلي للكثيرين.

في هذه الظروف، فإن الصراعات الإقليمية كانت تساهم بتعميق هذا الواقع. فشرائح واسعة من البورجوازية اللبنانية نسجت علاقاتها الخاصة مع مراكز النفوذ الخارجية التي تضمن استمرار مصالحها، فتحوّل الانقسام الداخلي إلى انعكاس لصراعات إقليمية ودولية تتجاوز الحدود اللبنانية.

غير أن هذه العوامل الداخلية لا تكفي وحدها لتفسير المأزق اللبناني. فأزمة الهوية الوطنية لا يمكن فصلها عن السياق العربي الأوسع، حيث لعب المشروع الصهيوني، منذ نشأته، دوراً يتجاوز كونه عدواً للبنان أو طرفاً في نزاع حدودي. فقد شكّل رأس حربة للمشروع الإمبريالي في المنطقة وأداة دائمة لإعادة إنتاج التجزئة والتبعية ومنع تطور البلدان العربية نحو الاستقلال الاقتصادي والسياسي الكامل. ومن خلال الحروب المتكررة والتهديد المستمر والتدخل في التوازنات الإقليمية، ساهم في إضعاف إمكانات بناء دول وطنية مستقلة وفي تعزيز ارتباط قطاعات من النخب العربية بالمراكز الغربية المهيمنة.

في هذا السياق، تبدو المقاومة ظاهرة تاريخية ذات بعدين متلازمين. فمن جهة، أسهمت في إنتاج شعور وطني واسع من خلال مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأرض والدفاع عن السيادة الوطنية. ومن جهة أخرى، لم تستطع وحدها حل المعضلة البنيوية المتمثّلة في استمرار النظام الطائفي والاقتصاد الريعي والعلاقات الكومبرادورية التي تعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي والسياسي.
لذلك فإن اختزال أزمة الهوية الوطنية في موقف بعض اللبنانيين من إسرائيل أو من المقاومة لا يكفي لتفسير المشكلة. فهذه المواقف نفسها تعكس أزمة أعمق تعود إلى فشل الطبقات الحاكمة، منذ تأسيس الكيان، في بناء دولة وطنية حديثة واقتصاد مُنتِج ومواطنة متساوية.

ومن هنا، فإن الالتباس الذي يتحدّث عنه النائب رعد ليس مجرّد نتيجة خلاف سياسي راهن حول المقاومة أو حول العلاقات الخارجية، بل هو حصيلة تفاعل تاريخي مُعقّد بين التجزئة الكولونيالية التي رافقت نشوء الكيان اللبناني، وهيمنة البنية الطائفية والبرجوازية الكمبرادورية في الداخل، واستمرار الضغط الإمبريالي – الصهيوني في الإقليم.
إنّ تجاوز هذا الالتباس لا يمرّ فقط عبر التوافق على خيار المقاومة أو رفض التطبيع مع إسرائيل، بل يقتضي أيضاً مواجهة البنية الاقتصادية والسياسية التي كرّست التبعيّة والانقسام، والعمل على بناء دولة مواطنين متساوين لا رعايا طوائف، واقتصاد وطني مُنتِج ومستقل لا اقتصاد ريعي تابع، وسيادة فعليّة لا تقتصر على مقاومة العدوان الخارجي بل تشمل التحرّر من التبعيّة الاقتصادية والسياسية للمراكز الإمبريالية.

بهذا المعنى، لا تكون أزمة الهوية اللبنانية مجرّد أزمة وعي أو ثقافة سياسية، بل نتيجة تاريخية لبنية كولونيالية – كمبرادورية عمرها أكثر من قرن، ما زالت تحدّد حدود السياسة والانتماء والصراع داخل لبنان حتى اليوم. وعندها فقط يصبح ممكناً الانتقال من وطن تتنازعه الهويات والانتماءات المتنافسة إلى وطن يؤسّس وحدته على المواطنة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.

غير أن الخروج من هذا المأزق التاريخي يطرح تحدّيات أساسية أمام المقاومة نفسها. فإذا كانت قد نجحت في إنجاز مهمة الدفاع عن الأرض والسيادة الوطنية ومواجهة المشروع الصهيوني، فإن المرحلة الراهنة تفرض عليها المساهمة في إنجاز مهمة لا تقل أهمية: بناء مشروع وطني جامع يتجاوز حدود الانقسام الطائفي ويؤسّس لقيام دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.
فالتجربة التاريخية أثبتت أن المقاومة العسكرية، مهما بلغت إنجازاتها، لا تكفي وحدها لحل أزمة الكيان أو لتأسيس هوية وطنية مستقرة. فهذه الهوية لا تتشكّل فقط في ساحات المواجهة مع العدو (على أهمية الإنجاز العسكري كعنصر أساسي)، بل تتشكّل أيضاً في المدرسة والجامعة ومكان العمل ومؤسسات الدولة وعبر الشعور بالمساواة والعدالة والانتماء المشترك.

من هنا، فإنّ المهمّة التاريخية المطروحة اليوم تتمثّل في الربط بين مشروع التحرّر الوطني ومشروع التحرّر الاجتماعي، وبين مقاومة العدوان الخارجي ومقاومة البنى الداخلية التي تعيد إنتاج التبعيّة والانقسام. وعندها فقط يمكن أن تتحوّل المقاومة من قوة دفاع وطني إلى رافعة لمشروع نهضوي ديمقراطي قادر على إخراج لبنان من أزمته التاريخية المزمنة، والمساهمة في بناء هوية وطنية جامعة تستند إلى المواطنة والعدالة والسيادة الفعلية.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة