آخر الأخبار

مذكّرة التفاهم: التداعيات وإعادة تشكّل التوازنات

2d5a0e85-40b2-4aa8-8ee3-6d2855304e65

معين الرفاعي

لا يمكن قراءة مذكّرة التفاهم الأميركية–الإيرانية بمعزل عن الميدان الذي أنتجها. فما جرى على طاولة التفاوض هو ترجمة سياسية لصمود راكمته جبهات المقاومة خلال أشهر الحرب، ودفعت ثمنه الشعوب في إيران وغزة وجنوب لبنان واليمن والعراق من دمائها وأمنها. المذكّرة لم تنهِ الحرب، بل التقطت حدود ما يمكن فرضه بالقوة، وأرست واقعاً جديداً يعترف بفشل المشروع العدواني في تحقيق أيّ من أهدافه المُعلنة.

لحظة التحوّل الأميركي الحاسمة حدثت حين خرج الرئيس ترامب ليقول إن «الشرق الأوسط يحتاج إلى استقرار لا إلى حروب لا تنتهي». هذه الجملة، في توقيتها وسياقها، اعتراف بأن الضربات الموجّهة إلى إيران لم تغيّر موقعها الجيوسياسي، ولم تنزع أوراق قوتها. سبق هذا الاعترافَ تصريحٌ أكثر وضوحاً من نائب الرئيس جيه دي فانس، حين أقرّ بأن أي حرب مفتوحة مع إيران ستجرّ الولايات المتحدة إلى «مستنقع» جديد، وهو كلام يعكس إدراكاً بأن الردع الإيراني صمد، وأن قدرة طهران وحلفائها على إدارة المعركة الطويلة تجاوزت التوقعات الأميركية.

تكشف بنود المذكّرة انزياحاً عميقاً في المقاربة الأميركية. فالمطالب التي افتُتحت بها المواجهة، من تفكيك البرنامج النووي، وإخراج اليورانيوم المخصّب، والبرنامج الصاروخي وعلاقة إيران بحلفائها على طاولة التفاوض – اختُزلت في صيغة مغايرة تماماً: إبقاء التخصيب داخل إيران مع رقابة دولية على المستويات العالية، ورفع تدريجي للعقوبات، وتحرير الأموال المُجمّدة، وإنشاء آليات مالية جديدة، مع الاعتراف العلني للرئيس ترامب بحق إيران في امتلاك صواريخ باليستية، ومع إقرار مذكّرة التفاهم بحلفاء إيران. يعكس هذا التحوّل اعترافاً عملياً بأن تطويع إيران أو إنهاء قدرات المقاومة لم يعد خياراً قابلاً للتحقّق.

خرجت إيران من الحرب بخسائر عسكرية حقيقية على صعيد البنى والقادة، لكنها استثمرت هذه التضحيات في تثبيت موقعها كطرف لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المنطقة. تربط المذكّرة فتح مضيق هرمز بتوقيع الاتفاق، وتمنح طهران اعترافاً عملياً بدورها في أمن الخليج. كما أن اشتراط وقف إطلاق النار في لبنان وربطه بمسار قد ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، يعكس قدرة إيران على توظيف نفوذها الإقليمي كأداة تفاوض لا يمكن عزلها عن الملف النووي. وبهذا، انتقل موقف طهران المتكرر بأن «أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى من دون إيران» من كونه خطاباً سياسياً إلى حقيقة تترجمها بنود المذكّرة.

يضع التفاهم الأميركي–الإيراني حركات المقاومة الفلسطينية ضمن شبكة إقليمية مُعترف بها، ويمنحها هامشاً سياسياً، حتى وإن بقيت تواجه ضغوطاً عربية ودولية لإعادة صياغة دورها

وفي الإطار نفسه، لا يمكن فهم نتيجة المفاوضات بمعزل عن أداء باقي أطراف محور المقاومة. ففي اليمن، نجحت قوات «أنصار الله» في فرض معادلة بحرية غير مسبوقة عبر البحر الأحمر وباب المندب، وأثبتت أن الجغرافيا اليمنية قادرة على التأثير في التجارة العالمية وأمن الكيان، وهو ما مثّل ورقة ضغط مركزية على واشنطن. وفي العراق، واصلت فصائل المقاومة إسنادها الميداني، ووجّهت ضربات نوعية إلى العمق الإسرائيلي، مؤكدة أن الجغرافيا العراقية تحوّلت إلى جبهة فاعلة ضمن استراتيجية الردع المتكاملة. هذا التكامل بين الساحات هو الذي فوّت على العدو فرصة عزل أي جبهة، وجعل من وقف الحرب مطلباً أميركياً مُلحّاً.

وفي لبنان، خرج حزب الله من المواجهة مُثبِتاً موقعه كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص الحدود الجنوبية. ورغم حجم الاستهداف الذي طاول قياداته وبيئته الحاضنة، احتفظ الحزب بقدرته على فرض معادلات الاشتباك، وانتقل من دور القوة الميدانية إلى دور القوة الضامنة لأي اتفاق. وهذا الانتقال يعني أن نزع السلاح لم يعد مطروحاً كشرط أميركي، وأن أقصى ما يمكن لواشنطن المطالبة به هو تنظيم استخدامه. والأهم، أن هذا السلاح لم يعد مسألة لبنانية داخلية، بل أصبح جزءاً من إطار إقليمي أوسع. صحيح أن الثمن الذي دفعته البيئة الشعبية في الجنوب والبقاع والضاحية كان باهظاً، لكنه أثمر تثبيت موقع يجعل أي خرق إسرائيلي تجاوزاً لاتفاق دولي–إقليمي لا يمكن للمقاومة السكوت عنه.

أمّا حركات المقاومة في غزة وفصائل المقاومة الفلسطينية، فقد خاضت حرباً وجودية دمّر فيها العدو جزءاً كبيراً من البنى التحتية والعسكرية، لكنها نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد أن حاولت مسارات التطبيع تغييبها. فصمود أهالي غزة تحت القصف، وثباتهم على أرضهم رغم محاولات التهجير، وفشل العدو في تحقيق أي إنجاز استراتيجي، كلها عوامل جعلت أي ترتيبات خاصة في غزة غير قابلة للتمرير دون التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض. يضع التفاهم الأميركي–الإيراني حركات المقاومة الفلسطينية ضمن شبكة إقليمية مُعترف بها، ويمنحها هامشاً سياسياً، حتى وإن بقيت تواجه ضغوطاً عربية ودولية لإعادة صياغة دورها.

تدرك دول الخليج أن المذكّرة تفتح نافذة لإعادة تعريف أمنها. الاعتراف بدور إيران في أمن المضائق يمنح العواصم الخليجية فرصة للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التوازن، ومن الاعتماد الأُحادي على واشنطن إلى تنويع الشراكات، والأهم أنه يرسي معادلة أن أمن المنطقة يُبنى من داخلها، بالتعاون بين شعوبها وحكوماتها، ولا يُفرض من الخارج. كما أن الربط القسري بين أمن الخليج واستقرار فلسطين، الذي فرضته وقائع الحرب، يعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها في قلب معادلة الأمن الإقليمي، وهو ما يمنح الدول العربية أوراق ضغط جديدة لتحسّن به موقفها في مواجهة إسرائيل لو أرادت ذلك.

في هذا السياق، أثبتت نتائج الحرب أنه لم يعد ممكناً التعامل مع التطبيع كخيار تقني أو اقتصادي منفصل عن القضية الفلسطينية وعن التوازنات الجديدة التي أرستها المقاومة. فتصريح ترامب بأن «أي اتفاق في الشرق الأوسط يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف» يعني ضمناً أن تجاوز الفلسطينيين لم يعد خياراً. وكذلك اعتراف نتنياهو بأن «إسرائيل لن تقدّم تنازلات تحت الضغط» يعكس قلقاً من بيئة إقليمية لم تعد تضمن استمرار التطبيع بشروطه القديمة. عملياً، لم تدفن المذكّرة التطبيع، لكنها أخرجته من مساره السريع غير المشروط، وجعلته مرتبطاً بمسار سياسي يعالج جوهر الصراع لا قشوره.

في المحصّلة، لم تُنهِ مذكرة التفاهم الصراع، بل أعادت تعريفه. لقد ثبّتت إيران كقوة إقليمية مُعترف بها، وكرّست فشل إسرائيل في فرض شروطها، وأجبرت الولايات المتحدة على مقاربة أكثر واقعية. والأهم أنها أثبتت أن مسار المقاومة بصبرها وتضحياتها قادر على تغيير قواعد اللعبة. يدخل المشهد الإقليمي اليوم مرحلة تنظيم توازنات القوى وفق معادلات يكتبها صمود الشعوب ونيران الميدان، لا إملاءات الغرف المُغلقة. عادت فلسطين، التي حاول البعض تهميشها إلى القلب. هذه هي الثمرة الإستراتيجية الكبرى التي ستُبنى عليها المرحلة المقبلة.

* سياسي وباحث فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة