إسراء عبد الحافظ
لم تكن النسوية يوماً خطاباً واحداً، بل ساحة معركة دائمة حول هوية المتحدثة ومن تخاطب. وحين هيمنت الموجة الثانية بصوت المرأة البيضاء المنتمية إلى الطبقة الوسطى، جاءت التقاطعية كزلزال معرفي قلب مفاهيم العدالة. لكن السؤال الذي يلحّ اليوم، بعد أربعة عقود من صياغة المحامية كيمبرلي كرينشو لمصطلحها، يبقى مفتوحاً على جروحه: هل أصبحت التقاطعية أداة تحرر أم سلعة سياسية في أسواق الهويات؟ بل هل تحولت إلى عائق أمام العدالة الجوهرية؟
يحاول هذا المقال الغوص في طبقات هذه الإشكالية، من جذورها القانونية إلى تداعياتها العربية، مروراً بمعضلاتها الفلسفية.
من التشخيص القانوني إلى سوق الهويات
في منشئها النظري، لم تكن التقاطعية مجرد إضافة للعرق أو الطبقة إلى الجندر، بل مثّلت نقلة نوعية في فلسفة القانون. فعندما حللت كرينشو قضية «جنرال موتورز»، لم تكتشف تمييزاً مضاعفاً فحسب، بل كشفت فراغاً قانونياً؛ إذ إن المرأة السوداء لم تكن موجودة أصلاً في تصورات النظام، الذي كان يرى الرجال السود والنساء البيض فئات جامدة ومنفصلة. وهكذا، أصبحت التقاطعية أداة تشريحية دقيقة لتفكيك آليات الإقصاء المؤسساتي.
لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن هذه الأداة الجراحية، حين انتقلت من المحاكم الأميركية إلى الجامعات ومنصات التواصل، تحولت إلى رأس مال ثقافي يُتداول في أسواق الهويات. وتحت وطأة الرأسمالية المتأخرة، صار التهميش هوية قابلة للعرض والطلب، وتحول السباق نحو تحديد «الأكثر اضطهاداً» إلى منافسة على شرعية الكلام، بدلاً من أن يكون مدخلاً لتفكيك أنظمة الاستغلال المادية.
هنا وقعت التقاطعية في فخ «أسر الاعتراف» ــوهو مصطلح مستعار من أكسل هونيث ونانسي فريزرــ إذ أصبح همّ المرأة التقاطعية هو الاعتراف بها داخل الخطاب، لا إعادة توزيع السلطة والثروة، ما أضعف قدرتها على نقد الرأسمالية ذاتها التي تمنحها هذا الاعتراف السلعي.
سياسات الهوية بين التحرر والانغلاق الطائفي
مع أن التقاطعية وُلدت لكسر الأحادية، فإنها سرعان ما أنتجت، في ممارساتها الشعبوية، تجميعاً هوياتياً صارماً. فبدلاً من أن تكون الهويات متقاطعة وديناميكية، تحولت إلى قوالب ثابتة يحدد الانتماء إليها صوابية الرأي أو خطأه.
يحمل هذا التحول نقيض ما بشّرت به كرينشو؛ فبدلاً من كشف التعقيد، صار الخطاب مبسطاً إلى درجة اختُزلت معها التجربة الإنسانية في قائمة من الهويات: الجنس، والعرق، والجندر، والميل الجنسي، وكأن الظلم قابل للقياس الرياضي.
وفي هذا السياق، تبرز معضلة فلسفية أساسية: هل يمكن لأداة وُضعت لكشف عجز القانون أن تصلح لتفسير كل تعقيدات الوعي الإنساني؟ فعندما نطالب باعتراف الآخر بهويتنا التقاطعية، فإننا نعيد إنتاج ذات علائقية لا تستقل إلا في عين الآخر، وهو ما يسمى في الفلسفة الألمانية بـ«وعي العبد»، كما في جدلية السيد والعبد عند هيغل؛ إذ يصبح المضطهد معرّفاً باضطهاده، ولا يتحرر إلا حين يتوقف عن انتظار اعتراف السيد به.
المجتمعات العربية ورفاهية النظرية في مواجهة غياب الأساسيات
هنا تصل الكتابة إلى أخطر منعطف: كيف تُقرأ هذه الأدوات في مجتمعاتنا التي تفتقر إلى أبسط الضمانات الاجتماعية للنساء، بل وتفتقر، في أحيان كثيرة، إلى دولة القانون ذاتها؟
في سياق عربي تعاني فيه النساء من عدم المساواة في قوانين الأحوال الشخصية، ومن التمييز والعنف المؤسسي الذي يصل إلى حد الإفلات من العقاب، ومن غياب الحماية الاجتماعية في سوق العمل، يصبح الحديث عن تمييز متقاطع بين كون المرأة سمراء أو مثلية أو من أصول أمازيغية أشبه بمناقشة ديكور المنزل في لحظة احتراقه.
والمشكلة ليست في نظرية التقاطعية ذاتها، بل في استيرادها بوصفها موضة أكاديمية تُلهي النخب عن المعركة الجوهرية.
الطبقة قبل الهوية
في مصر، تواجه الفلاحة في الصعيد أو الريف عنفاً بنيوياً قائماً على حرمانها من المياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم الجيد وفرص العمل، قبل أن تواجه تمييزاً لغوياً أو رمزياً. لذلك، فإن تطبيق المنظور التقاطعي الغربي عليها، حين يركز على التمثيل الإعلامي والخطاب، قد يحجب عنها صراعها الطبقي الأكثر إلحاحاً ضد الإقطاع الزراعي وسياسات التكيف الهيكلي.
التنوع الطائفي بوصفه فخاً
في لبنان والعراق وسوريا، حيث تقوم السياسة على المحاصصة الطائفية، قد يؤدي استيراد خطاب الهويات التقاطعية، الذي يركز على الفروق الداخلية، إلى إعادة إنتاج الانقسامات تحت مسمى التنوع، بما يضعف الجبهة الوطنية المطلوبة لكسر النظام الأبوي الطائفي.
فالمرأة هناك لا تحتاج إلى خطاب يعمّق انتماءها الطائفي، بقدر ما تحتاج إلى خطاب يوحدها مع نساء الطوائف الأخرى حول مطالب مشتركة، مثل حق منح الجنسية لأبنائها، والحماية من الزواج المبكر.
صراع البقاء في مواجهة صراع الاعتراف
في فلسطين واليمن والسودان، حيث تحتل الحرب مع الاستعمار والإفقار مواقع الأولوية، تصبح النساء ضحايا مباشرة لانهيار الدولة. لذلك يبدو الحديث عن سياسات الهوية في هذه السياقات صارخاً في عدم ملاءمته.
فالمرأة هناك تواجه تقاطعاً بين القصف والجوع والتشرد والنزوح. وأي قراءة تقاطعية لا تضع غياب الدولة وعنف الاحتلال والاستعمار في صلب تحليلها تظل قراءة مستوردة لا تلامس الواقع، بل تنقل الصراع من ساحة التحرر الوطني إلى ساحة الاعتراف بالجروح النفسية الفردية.
نحو تأصيل عربي مادي للتقاطعية
لا يمكن نبذ التقاطعية كلياً؛ فهي تظل أداة تحليلية ثاقبة إذا ما جرى تفريغها من هوس الاعتراف وإعادة تعبئتها بمضامين مادية تتناسب مع واقعنا.
المطلوب، إذاً، هو «مادية التقاطعية»، وإعادة طرح الأسئلة الماركسية الأساسية: من يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يسيطر على مؤسسات الدولة؟ وكيف تتقاطع الأبوية مع الإقطاع والرأسمالية الريعية والاستبداد السياسي؟
في سياقنا العربي، لا تتمثل نقطة التقاطع الأهم في العلاقة بين الجندر والعرق، بل في العلاقة بين الجندر والطبقة والسلطة السياسية. فالمرأة العربية الفقيرة تعاني من تهميش ثلاثي: كامرأة، وكفقيرة، وكرعية في دولة لا ترى فيها مواطنة كاملة الحقوق.
ومن هنا، تبدأ العدالة الجوهرية من تأمين الحماية الاجتماعية الأساسية، والتأمين الصحي الشامل، وتجريم العنف الأسري بصرامة، والمساواة في الأجور، وإقرار قوانين مدنية للأحوال الشخصية تضمن حقوق النساء في الزواج والطلاق والحضانة.
وبدلاً من تسليع الهوية، ينبغي تسليط الضوء على الكيفية التي يصبح فيها غياب الدولة الاجتماعية أداة القمع الأولى. فحين تنشغل النخب بالتمييز الخطابي فيما ينهار النظام الصحي، فإنها تمارس شكلاً من أشكال التواطؤ مع الأنظمة السلطوية التي تتغذى على تفكك الجماهير إلى هويات متناحرة.
وهم الاعتراف حين يخنق إعادة التوزيع
لا يمكن الخوض في هذا الجدل دون العودة إلى نانسي فريزر، التي وجهت نقداً حاداً إلى أكسل هونيث. ففي حين يرى هونيث أن الظلم الاجتماعي ينبع من غياب الاعتراف، ذهبت فريزر إلى أن التركيز المفرط على الاعتراف الثقافي -مثل حقوق المثليين وتمثيل الأقليات والحجاب- غالباً ما يأتي بوصفه بديلاً رخيصاً عن معالجة الجذور المادية للهيمنة.
فقد نناضل من أجل إدراج النساء المحجبات في الإعلام، أو لإضافة فصول عن التنوع في المناهج الدراسية، فيما تُسحب الخدمات الصحية من الأحياء الفقيرة وتُفكك قوانين العمل التي تحمي الفئات الأكثر هشاشة.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: فالرأسمالية المتأخرة لم تكن يوماً معادية للتنوع الثقافي، بل وجدت فيه سوقاً جديدة وأسلوباً للإدارة. ففي عالم التنوع المؤسسي، تستطيع شركة كبرى أن تعيّن مديرة تنفيذية سوداء ومثلية، وفي الوقت نفسه تضغط لتخفيض أجور العاملات في مصانع بنغلاديش.
إنها معادلة جديدة تقول: «اعترف بثقافتي، لكن لا تمسّ ثروتي». وهذا هو سر قبول النخب لها؛ لأن رأس المال الرمزي -المناصب والصور والشهادات- قابل للتوزيع من دون المساس برأس المال المادي في المصانع والأراضي وأسواق المال.
لماذا لا تصلح التقاطعية وحدها؟
قفزت التقاطعية بوصفها منقذاً نظرياً لهذه الإشكالية، مؤكدة أن الفرد يتعرض لتمييز متشابك لا يمكن فصله. لكن الحقيقة أن التقاطعية نجحت بوصفها أداة تشخيصية، وفشلت بوصفها استراتيجية تحررية متكاملة. فهي تخبرنا بأن الهويات متداخلة، لكنها لا تخبرنا كيف يمكن لهذا التداخل أن ينتج قوة مادية تهدد هيكل الملكية. بل إن التطبيق العملي للتقاطعية أوصلنا إلى مفارقة أكثر سخرية، يمكن تسميتها بـ«اقتصاد المظلومية» أو «تسلسل الألم». فبدلاً من توحيد الحركات، أصبح السؤال الضمني: من الأكثر تضرراً؟ هل المرأة السوداء المثلية المنتمية إلى الطبقة العاملة تتفوق في سلّم الألم على المرأة البيضاء الفقيرة؟ وكيف يمكن قياس ذلك أصلاً؟
هذا التسابق على بطولة الضحية يخلق انقسامات حادة داخل الحركات التحررية، كما حدث بين تيارات النسوية الأميركية المختلفة. فاتهمت النسويات السود النسويات البيض بالاستعمار المعرفي، بينما رأت النسويات اللاتينيات أن الحركة لا تراعي خصوصية المهاجرات.
والنتيجة أن النضال يتحول من مواجهة النظام إلى مواجهة الآخر القريب في دائرة التهميش، فيما تبقى السلطة الأبوية والرأسمالية المتوحشة بمنأى عن المساءلة.
هل من مخرج من هذا المأزق؟
لا تكمن الإجابة في اختيار أحد القطبين على حساب الآخر، بل في تجاوز ثنائية الاعتراف وإعادة التوزيع نحو تركيب جدلي جديد. فلا يمكن إلغاء المطالب الثقافية والهوياتية؛ إذ إنها ليست زينة، بل جزء من الكرامة الإنسانية. لكن إعادة التوزيع الاقتصادي تبقى الشرط المسبق لإمكانية الاعتراف الحقيقي. فالجائع لا يهمه أن تعترف به الدولة ثقافياً بقدر ما يهمه أن يأكل، وأن يحصل أطفاله على التعليم والمستقبل. الاعتراف بلا خبز استهزاء، والخبز بلا كرامة استعباد.
لقد أصبحت التقاطعية، في كثير من الأحيان، ماركة ثقافية للطبقات الوسطى والعليا في المدن الكبرى. وحين تفقد الأداة قدرتها على إزعاج السلطة، ويصفق لها الرأسماليون بدلاً من أن يخشَوها، فهذا يعني أن شيئاً جوهرياً قد مات فيها