آخر الأخبار

من أسوأ مسار إلى أسوأ مصير!

7d906c34-bef6-4af1-9a17-5cce025bf9c8-roymxis71ryaiy1e58uoretqia4ovn7osmcnvzkn00
سعد الله مزرعاني

منذ «معاهدة» أنور السادات، إلى «اتفاق 17 أيار»، إلى «أوسلو»، إلى «خطة ترامب» لغزّة، إلى «اتفاق واشنطن» (الرئيسين جوزيف ونواف)… المسار نفسه. كيف سارت الأمور سابقاً، وكيف تسير في الحلقة اللبنانية؟

بإشراف وزير خارجية أميركا آنذاك هنري كيسنجر، تمّت عملية التحوّل من «الناصرية المتمرّدة» إلى «الساداتية المستسلمة». جوهر ذلك التحوّل/المعادلة أن 99% من أوراق القوة والتأثير هي في يد واشنطن. تفريغ الشحنة التعبوية والمعنوية للجيش المصري تجسّدت في «عملية العبور» المبتورة عسكرياً والانقلابية سياسياً: تمّ منع الجيش المصري من التصدّي لـ«دفرسوار» شارون. تمّ وقف التنسيق مع الجيش السوري. تقرّر إعلان وقف القتال. سبق ذلك قطع العلاقة مع السوفيات عبر إعلان «وقفة مع الصديق». مهّد ذلك وسواه لـ«عبور» من نوع آخر: نحو المعسكر الغربي، مُمثّلاً بقائدته واشنطن.

النظر في الوقائع الراهنة، يشير، بسهولة، إلى أن ما يحصل اليوم هو تكرار، شبه كامل، للمسار الذي ارتبط، منذ نحو خمسين سنة ولا يزال، باسم الرئيس المصري الراحل أنور السادات. أطراف الصراع هم دائماً، أنفسهم. العرب (مبدئياً)، وخصوصاً الفلسطينيين، من جهة، والكيان الصهيوني وداعموه المستعمرون الغربيون، القدماء والجدد بقيادة أميركية، من ناحية ثانية. بين هؤلاء الداعمين، استأثرت واشنطن، تباعاً وغالباً، بدور الخصم والحكم في الوقت نفسه. هكذا كان الأمر دائماً: من «اتفاقية كامب دايفيد» (المنتجع الرئاسي الأميركي) عام 1978، إلى «اتفاق واشنطن» بين ممثّلين عن لبنان والكيان الصهيوني، الذي وُقِّع في 26/6/2026، في مبنى الخارجية الأميركية، بحضور وزيرها، وبمباركة رئيس الولايات المتحدة شخصياً.

في مجرى الصراع الذي تسابقت كل الدول الغربية على تبنّي أهدافه الإسرائيلية المُقترنة بأبشع الأساليب (وسط تواطؤ وصمت رسميَّيْن عربيَّيْن)، حصل رجحان لمصلحة الفريق الصهيوني الأميركي، ما انعكس، بين أمور مهمة أخرى، في لبنان (عبر ضغوط ومناورات ومهازل) بإحلال مرشحَين مدعومَين من واشنطن وحلفائها في منصبَي رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية.

شكّلت السيطرة الأميركية على الموقعين التنفيذيين الرئيسيين في السلطة اللبنانية، إيذاناً بإطلاق مسار انعطافي حادّ في توجهها وتموضعها بشكل عام. خلال 15 شهراً من إشراف واشنطن، عبر دورها «الوسيط» في لبنان، غطّت تحويل «اتفاق وقف الأعمال العدائية» إلى حرب من طرف واحد إسرائيل فقط. تخلّل ذلك العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران سعياً لتدمير برنامجها النووي ضمن خطة لإطاحة نظامها السياسي والهيمنة الكاملة على المنطقة. لم تحرّك المقاومة في لبنان ساكناً إزاء المرحلة الأولى من العدوان في أواسط صيف العام الماضي. لكن عدم تدخلها لم يغيّر شيئاً في خطة استهدافها الشاملة، من قبل إسرائيل، بتواطؤ وصمت من الحكومة اللبنانية. مع تجدّد العدوان على طهران في آخر شباط الماضي (بعد خداع واستعدادات) حزمت المقاومة أمرها: تنفيذاً لواجب التضامن، واستغلالاً لسانحةٍ من شأنها تصويب المسار ووضع حدّ لسياسة الانتظار والاستنزاف!

في تلك المرحلة، واستباقاً لتطورات كانت بشائرها قد بدأت بالظهور، لجهة صمود النظام الإيراني ونجاح المقاومة في إدارة تصدٍّ مؤلم للعدو، أطلق الرئيس جوزيف عون «مبادرة» الدعوة إلى إجراء «مفاوضات مباشرة» مع المحتل الصهيوني. تمّت مواكبة المبادرة بذرائع وتبريرات ما زالت تتكرّر اليوم: تَعب الشعب اللبناني من حروب الآخرين. لا بديل من المفاوضات. واشنطن هي الوحيدة القادرة على التوسّط، وعلى «صداقتها» للبنان ينعقد الأمل في الانسحاب.

جرى تزيين ذلك بوعد الإصرار على وقف إطلاق النار كمدخل إلى المفاوضات. تمّ اتخاذ سلسلة تدابير وسياسات استفزازية حيال إيران وسفارتها وسفيرها ودورها في دعم المقاومة. وُضع كل ذلك تحت عنوان استعادة «السيادة» و«حصر التفاوض بالسلطة»، إلى قرارات «حصر السلاح» وتجريم الجناح العسكري لـ«حزب الله» واستهداف كل مؤسساته من قبل السلطتين الأميركية واللبنانية… بذلك حضر المشهد الساداتي، في خطوطه الأساسية، عبر المحطة اللبنانية الراهنة! لا يغيّر من ذلك كثيراً ما يبرز حالياً من تباينات، في الأساليب، بين ترامب ونتنياهو.

في مجرى ذلك تمّ تجاوز الدستور في نصوصه الانتقالية والثابتة. «المبادرة» الرئاسية لم تراعِ أن لبنان في حالة حرب مع إسرائيل، وأن شكل التفاوض الممكن هو فقط غير المباشر (الذي اعتمد في كل حالات التفاوض السابقة وآخرها ما تناول ترسيم الحقوق والحدود البحرية بـ«رعاية» أميركية دائمة وأزلية!).

ينيط الدستور في المادة 52 منه برئيس الجمهورية «المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة». لكنها، «لا تصبح مُبرمة إلاّ بعد موافقة مجلس الوزراء»… أمّا المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فـ«لا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب» (نهاية المادة 52). يتصل بذلك أن رئيس الجمهورية هو رئيس «المجلس الأعلى للدفاع» (دور استشاري). و«هو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي (هي بدورها) تخضع لسلطة مجلس الوزراء» (المادة 49).

الذي يحصل هو عملية تهرّب وتهريب متواصليْن: من مبدأ التفاوض المباشر (والمجاني) مع دولة عدوّة، إلى مجريات التفاوض والتوقيع، إلى المباشرة في التنفيذ «التجريبي»! في عملية تنطوي على الكثير من الاستخفاف بعقول اللبنانيين. الرئيس جوزيف عون معذور (نسبياً) فيما يمارسه من تهرّب من النصوص الدستورية المُلزِمة حيث إن انتخابه قد انطوى، أيضاً، على مخالفة دستورية (كموظف في الخدمة من الفئة الأولى). ماذا عن رئيس الحكومة المُستهدفة صلاحياته، والقادم من «محكمة العدل الدولية»: رئيساً بالتناوب حتى نضجت إمكانية رئاسة الحكومة في مسار مُدار أميركياً، بدأ باستغلال انتفاضة تشرين 2019، وانتهى باتصالات «أبو عمر»!

تقليدياً، السلطة في لبنان أمّارة بالفساد وبتجاوز القانون والدستور والبديهيات… فكيف إذا كانت تحرّك معظم أقطابها (في الحقول كافة) أصابعُ «العم سام»، ما أطلق أسوأ مسار من شأن المضي فيه، كما يصر الثنائي عون/سلام، تعريض لبنان لأسوأ مصير!

* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة