آخر الأخبار

ما أخذته «إسرائيل» في عام 2026 ولم تحصل عليه في عام 2024

0e5111b1-c7d7-428b-b023-a389da09cd46

محمد حسن سويدان

بمعزل عن النقاش السياسي والقانوني الدائر في لبنان بشأن المفاوضات المباشرة والإطار الثلاثي لعام 2026، وبصرف النظر عن أي موقف من الاتفاق أو من مسار التفاوض نفسه، يتعامل هذا المقال مع نصَّيْ عامَي 2024 و2026 بوصفهما نصّين قائمين بذاتهما، ويقرأ ما تقوله صياغتهما وكيف توزّع الحقوق والالتزامات بين الأطراف.

اختير هذان النصان للمقارنة لأنهما يتناولان النزاع نفسه خلال مرحلتين متقاربتين، لكنهما يقترحان طريقتين مختلفتين لمعالجته. فقد صيغ ترتيب عام 2024 لمعالجة مواجهة عسكرية قائمة وتنظيم وقف الأعمال العدائية والانسحاب وانتشار الجيش، بينما يوسّع إطار عام 2026 نطاق المعالجة ليشمل قضايا أمنية وسياسية واقتصادية ودبلوماسية تتجاوز وقف القتال المباشر. وتمّ الاعتماد على النصوص المنشورة في مصادرها الرسمية، ترتيب عام 2024 كما ورد في وثيقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم S/2024/870، والإطار الثلاثي لعام 2026 كما نشرته وزارة الخارجية الأميركية في 26 حزيران/يونيو 2026، بعيداً عن الملخّصات الإعلامية أو القراءات المنقولة عنهما.

كما تستند المقارنة إلى التحليل النقدي للخطاب، وهو منهج علمي يدرس كيف يمكن للكلمات وطريقة ترتيب الجمل والالتزامات أن تعكس علاقات القوة، وأن تمنح بعض الأطراف أدواراً وحقوقاً أوسع من غيرها. لذلك لا يقتصر التحليل على مضمون البنود، بل يتناول المفردات والأفعال المُستخدمة، والجهة التي تظهر بوصفها فاعلاً والجهة التي تُخفى مسؤوليتها، وتسلسل الالتزامات زمنياً، والصيغ الشرطية، ودرجة الإلزام، وطريقة تسمية الأطراف، ومفاهيم مثل السيادة والأمن والانسحاب والإعمار والعودة. كما يقرأ كيف تنتظم هذه العناصر داخل رواية سياسية أوسع تحدّد موقع لبنان و«إسرائيل» والولايات المتحدة في عملية التنفيذ.

الفارق الجوهري بين النصين يظهر منذ البداية. ما كان في عام 2024 ترتيباً لوقف مواجهة عسكرية، صار في عام 2026 مدخلاً لإعادة صياغة الدولة اللبنانية. فيستخدم نص 2024 بصورة أساسية خطاباً عسكرياً وإجرائياً يشمل وقف العمليات، انتشار الجيش اللبناني، انسحاب القوات الإسرائيلية، وتنظيم آلية مراقبة مرتبطة بتنفيذ القرار 1701. وتدور أفعاله حول معالجة حالة عسكرية قائمة والانتقال منها إلى وقف للأعمال العدائية ضمن مسار زمني محدّد.

أمّا إطار 2026 فيجمع الأمن والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية داخل بنية واحدة. فهو يتحدّث عن نزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية واستعادة سلطة الدولة، لكنه يربط بذلك أيضاً التمويل وإعادة الإعمار وعودة المدنيين والمساعدات والعلاقات المباشرة. وعندما توضع هذه الملفات كلها داخل الإطار الأمني نفسه، تصبح مرتبطة بدرجة إنجاز الشروط الأمنية والاعتراف الخارجي بنجاحها.

تظهر الأفعال الأساسية في ترتيب 2024 موزّعة نسبياً بين الطرفين، فيما تتركّز الأفعال البنيوية في إطار 2026 في
الجانب اللبناني

لذلك لا يقتصر التحوّل على كون النص الثاني أطول أو أكثر شمولاً. فاتفاق 2024 يتعامل مع النزاع بوصفه مواجهة عسكرية ينبغي احتواؤها، بينما يعيد إطار 2026 بناءه بوصفه خللاً في بنية الدولة اللبنانية يجب إصلاحه. وتظهر هذه الرؤية بوضوح عندما ينسب النص الأعمال العسكرية الإسرائيلية إلى هجمات «الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة» والتهديدات التي تمثّلها، فيجعل المقاومة مصدر الفعل الأول ويقدّم «إسرائيل» بوصفها طرفاً يستجيب للخطر.

هذا البناء لا يفسّر الماضي فقط، بل قد يوفّر إطاراً جاهزاً لتبرير أي عمل عسكري إسرائيلي لاحق. فإذا وقع الهجوم، يمكن أن يُقرأ بوصفه نتيجة إخفاق لبناني في إزالة التهديد، بدلاً من قراءته باعتباره قراراً إسرائيلياً باستخدام القوة. وبهذا ينتقل مركز المسؤولية من الطرف الذي ينفّذ الفعل العسكري إلى الطرف المطالب بمنع أسبابه وفق التعريف الإسرائيلي للأمن.
لبنان ينفّذ أولاً…

و«إسرائيل» تقرّر لاحقاً

يكفي تتبّع الأفعال وترتيبها لمعرفة من يدفع الكلفة أولاً، ومن يحتفظ بحق الانتظار والتقييم. وتكشف دراسة الأفعال عن تفاوت واضح بين النصين. ففي ترتيب 2024 تظهر الأفعال الأساسية موزّعة نسبياً بين الطرفين، بحيث يتخذ لبنان إجراءات لمنع العمليات المسلحة، وتوقف «إسرائيل» عملياتها العسكرية، وينتشر الجيش اللبناني، وتنسحب القوات الإسرائيلية. ورغم عدم التكافؤ في مضمون الالتزامات، تقدّم البنية اللغوية الطرفين بوصفهما فاعلين داخل العملية نفسها.

أمّا في إطار 2026، فتتركّز الأفعال البنيوية في الجانب اللبناني. فيستعيد الجيش السيطرة، ويُنزع سلاح «الجماعات غير التابعة للدولة»، وتُفكّك البنى العسكرية، وتخضع المؤسسات اللبنانية لمعايير الأداء والتحقق. في المقابل، يظهر الفعل الإسرائيلي بصيغ أكثر مرونة، مثل «إعادة الانتشار التدريجي» أو إنهاء الحاجة إلى الوجود العسكري بعد تحقّق شروط معينة.

والفرق بين «ينزع» و«يفكك» و«يضبط» و«يستعيد السيطرة» من جهة، و«يعيد الانتشار تدريجياً» من جهة أخرى، ليس فرقاً أسلوبياً فقط. فالأفعال المُسندة إلى لبنان تُنتِج تغييراً بنيوياً واضحاً يصعب الرجوع عنه، بينما تُصاغ الالتزامات الإسرائيلية بوصفها تدريجية ومرتبطة بتقييم سابق. وهكذا يُبنى لبنان بوصفه الطرف الذي يجب أن يغيّر واقعه، فيما تُبنى «إسرائيل» بوصفها الطرف الذي يعدّل سلوكه استجابة لنجاح هذا التغيير.

يتعزز هذا التفاوت من خلال ترتيب التنفيذ. ففي اتفاق 2024 يقوم المسار على قدر من التزامن، إذ يتوقف القتال، وينتشر الجيش، وتبدأ القوات الإسرائيلية الانسحاب ضمن مهلة زمنية محدّدة. أمّا إطار 2026 فيبدأ بالفعل اللبناني، ثم التحقق منه، ثم الانتقال إلى مراحل لاحقة تتصل بالانسحاب أو الإعمار أو العودة. وتؤدي عبارات مثل «بعد»، و«عند التحقق»، و«استناداً إلى الأداء»، و«عند إثبات النتائج» وظيفة سياسية هدفها تثبيت أن لبنان مُطالب بالفعل أولاً، بينما يصبح الفعل الإسرائيلي نتيجة لاحقة ومشروطة.

ورغم أن مفردات «التحقّق» و«الأداء» و«النتائج المُثبتة» و«المحطات القابلة للقياس» قد تبدو تقنية ومحايدة، لكنها تتضمن علاقة بين طرف يجري تقييمه وطرف يملك سلطة التقييم. وتزداد هذه العلاقة اختلالاً عندما يستطيع المقيّم ربط حكمه بالانسحاب أو التمويل أو الإعمار. ومع غياب تعريفات دقيقة لكيفية التحقق، قد تعتبر الدولة اللبنانية أن التنفيذ اكتمل، بينما ترى الولايات المتحدة أو «إسرائيل» أن شروطاً إضافية لا تزال غير مستوفاة. عندها تتحوّل السيادة من ممارسة وطنية إلى أداء يحتاج إلى تصديق خارجي.

سيادة لبنان في ميزان الأمن الإسرائيلي

لا يكتفي إطار 2026 بفرض التزامات على لبنان، بل يعيد تعريف سيادته وحقوق مواطنيه انطلاقاً من «أمن إسرائيل». فتظهر كلمة «السيادة» بكثافة في إطار 2026، وترتبط باحتكار الدولة للسلاح وسيطرتها على جميع الأراضي اللبنانية. لكن النص لا يجعل الانسحاب الإسرائيلي نتيجة مباشرة للاعتراف بسيادة لبنان على أرضه، بل يربط استعادة السيادة بقدرة الدولة على إزالة ما يُعرّف بوصفه تهديداً موجهاً إلى «إسرائيل». وبذلك تُعرّف السيادة بوصفها القدرة على أداء وظيفة أمنية محدّدة. فيثبت لبنان أنه قادر على ضبط أرضه بطريقة تضمن أمن الطرف الآخر، ثم يصبح الانسحاب ممكناً.

في المقابل، لا يقدّم النص تعريفاً موازياً ومفصّلاً لأمن لبنان. فالغارات والاغتيالات والخروقات واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي لا تخضع للدرجة نفسها من القياس، ولا يرتّب عدم الامتثال الإسرائيلي آلية مقابلة تسمح بتعليق الالتزامات اللبنانية. ويضع هذا الاختلال أمن «إسرائيل» في مركز تعريف السيادة اللبنانية، من دون أن يجعل الأمن اللبناني قيداً مكافئاً على السلوك الإسرائيلي.
يظهر الأثر نفسه في تعبير «المناطق التجريبية»، الذي يقدّم التنفيذ المرحلي بوصفه اختباراً محدوداً قبل تعميم النموذج. غير أن استخدامه في سياق السيادة والانسحاب والعودة يجعل كل منطقة وحدة منفصلة تخضع للتقييم، ولا تنتقل إلى الوضع الطبيعي إلا بعد الاعتراف بنجاحها. وقد يسمح ذلك بانسحاب وإعمار في منطقة، بينما تبقى منطقة أخرى مُعلّقة بسبب خلاف على التنفيذ، فتتحوّل وحدة السيادة الوطنية إلى سلسلة من الملفات الأمنية المحلية.

بالإضافة، تظهر عودة المدنيين، في اتفاق 2024، نتيجة لوقف القتال والانسحاب وانتشار الجيش. أمّا في إطار 2026، فتأتي العودة وإعادة الإعمار بعد تنفيذ المراحل الأمنية والتحقّق منها. ويتغير بذلك موقع السكان داخل النص، من أصحاب حق يفترض أن يمكّنهم وقف الأعمال العدائية من ممارسته، إلى مستفيدين ينتظرون نجاح برنامج أمني لا يملكون التحكّم بمعاييره.
كما أن الصيغ المجرّدة، مثل «بدء العودة» أو «إطلاق إعادة الإعمار»، تقلّل من وضوح المسؤولية عن التأخير. فبدلاً من تحديد الجهة التي علّقت الإعمار أو منعت العودة، تتحوّل القرارات السياسية إلى عمليات إجرائية تبدو بلا فاعل. وعندها تُقدّم معاناة المدنيين كنتيجة تقنية لعدم تحقق المعايير، وهو ما يُعفي المحتل والمعتدي من مسؤوليته.

الكلمات التي تمنح الشرعية وتسلبها

في الاتفاقات السياسية، لا تكون التسمية وصفاً بريئاً، فكلمة واحدة قد تمنح طرفاً الشرعية وتسلبها من طرف آخر. وفي أي نص، تبني التسميات والصفات المُستخدمة مواقع الأطراف المذكورة. يستخدم إطار 2026 تعبيرات مثل «الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة»، و«التهديدات»، و«النوايا العدائية». وتضع هذه المصطلحات المقاومة داخل حقل دلالي يجمع غياب الشرعية والخطر والعداء. في المقابل، تظهر الأعمال الإسرائيلية ضمن مفردات «الرد» و«الحاجة الأمنية» و«إعادة الانتشار»، ولا توصف «إسرائيل» بتسميات مقابلة مثل «القوة المحتلة» أو «الطرف المنتهك» أو «مصدر التهديد».

واختيار «جماعات مسلحة» بدلاً من «مقاومة» يزيل السياق السياسي للفاعل، بينما يمنح استخدام «احتياجات أمنية» أو «رد» للسلوك الإسرائيلي سياقاً تبريرياً. ولا يعني ذلك أن التسمية وحدها تحسم شرعية كل طرف، لكنها تحدّد نقطة البداية التي يريد النص من القارئ والمطبّق أن ينظر منها إلى النزاع.

يتداخل هذا التفاوت مع مساحة واسعة من الغموض. فمصطلح «التهديد» قد يُفسّر على أنه السلاح القائم، أو القدرة المحتملة، أو النية، أو الخطاب السياسي. كما قد يُفهم «الارتباط بالجماعات المسلحة» بصورة تنظيمية ضيقة، أو يُوسّع ليشمل مؤسسات وأفراداً ينتمون إلى بيئة سياسية واجتماعية معينة. وقد يفتح وصف «الأعمال الضارة» في المحافل الدولية الباب لاعتبار بعض التحرّكات القانونية أو الدبلوماسية عملاً يعرقل الاتفاق.

لا يمكن القول إن هذه نتائج حتمية للنص، لكنها احتمالات يتيحها غياب التعريفات الدقيقة. والطرف الأقوى سياسياً وعسكرياً يملك عادة قدرة أكبر على فرض تفسيره. وبدلاً من أن يبقى الخلاف حول عدم الانسحاب أو تأخر الإعمار، يمكن أن ينتقل إلى نقاش مفتوح حول مدى إزالة لبنان لجميع أشكال التهديد، أو طبيعة علاقة الجهة المستفيدة من الإعمار بالمقاومة.

حين يصبح الوسيط مديراً للاتفاق

في اتفاق 2024 تظهر الولايات المتحدة وفرنسا ضمن آلية متابعة مرتبطة باليونيفل، مع بقاء مجلس الأمن قناة مُتاحة للطرفين. أمّا في إطار 2026، فتظهر الولايات المتحدة وسيطاً في المفاوضات، ومشاركاً في التنسيق العسكري، وداعماً للتحقق، وقائداً لحشد المساعدات، وميسّراً للعلاقات المباشرة ومسار السلام.
تمنح هذه الأدوار واشنطن هوية مؤسساتية واسعة داخل الاتفاق. فأصبحت بموجب الاتفاق مرجعية تربط المسارات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ويمنحها وصف «الوسيط» شرعية الحياد، بينما تمنحها أدوار التحقق والتمويل والتنسيق سلطة فعلية على التنفيذ، رغم موقعها بوصفها الحليف السياسي والعسكري الأساسي لـ«إسرائيل».
ينقل هذا البناء مركز الثقل من المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف إلى إدارة أميركية للعملية. ويصبح لبنان أمام جهة تستطيع المشاركة في تفسير النص، وتقييم الأداء، وحشد الموارد، من دون أن تكون خارج شبكة التحالفات المرتبطة بالنزاع (كونها حليفاً أساسياً لإسرائيل). كما يضع الإطار تكلفة سياسية على اللجوء إلى المؤسسات الدولية عندما يطلب وقف الأعمال «العدائية أو الضارة» في المحافل السياسية والقانونية.

ورغم أن النص لا يمنع صراحة التحرك القانوني، لكن إدخاله ضمن حقل «الضرر» و«العدائية» قد يجعل شرعيته مرتبطة بمدى توافقه مع روح الاتفاق كما تفسّرها الجهة الراعية. وبهذا يمكن أن ينتقل النزاع من إطار متعدد الأطراف يستطيع لبنان فيه الاستناد إلى القانون الدولي، إلى تفاوض ثنائي برعاية أميركية تكون فيه موازين القوة المادية أكثر حضوراً.

التسوية كمرحلة… لا كنهاية

لا يمكن قراءة هذا التفاوت بين التزامات لبنانية حاسمة وأفعال إسرائيلية أكثر مرونة بمعزل عن تاريخ إسرائيلي أطول في التعامل مع التسويات بوصفها مراحل لا نهايات نهائية للنزاع. فالتاريخ يُثبِت أن «إسرائيل» لا تتعامل مع أي اتفاق إلا بأنه جزء من مرحلة عليها تجاوزها لا أكثر، وفي اللحظة المناسبة تتحرّر من أي التزام لا يتناسب مع مصالحها. والأمر هنا يعود حتى إلى ما قبل تأسيس ما يُسمّى بـ«إسرائيل».
ففي رسالة وجّهها ديفيد بن غوريون إلى ابنه عاموس في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1937، في سياق مناقشة مقترح لجنة بيل لتقسيم فلسطين، كتب أن «دولة يهودية في جزء من فلسطين ليست نهاية، بل بداية». الرسالة، المحفوظ أصلها في الأرشيف العسكري الإسرائيلي والمنشورة لاحقاً في ترجمات ودراسات تاريخية، تكشف تصوراً مبكراً يرى التسوية الجزئية محطة لبناء القوة وتوسيع الإمكانات.

التأثير في بنية الأمن الداخلي
للبنان وأدواته القانونية والدبلوماسية واتجاه علاقاته المستقبلية مكاسب حصلت عليها إسرائيل في إطار 2026

لا تكفي هذه العبارة وحدها للقول إن كل اتفاق إسرائيلي صُمّم مسبقاً ليُنقض، كما أنها سبقت قيام «إسرائيل». لكنها عبارة ليست يتيمة بل يوجد مثلها الكثير على مر العقود الماضية. ولذلك هي تساعد على فهم منطق سياسي متكرر يقوم على قبول الترتيبات المحدودة بوصفها مراحل قابلة لإعادة التفسير عندما يتغير ميزان القوة. وضمن هذا المنطق، لا تكون قيمة الاتفاق في إغلاق النزاع نهائياً، بل في ما يتيحه من تحسين الموقع العسكري والسياسي، وتأجيل الالتزامات الأبعد، والإبقاء على مساحة للتحرك اللاحق.
ويقدّم التاريخ اللبناني مثالًا أكثر مباشرة على الفجوة بين النص والزمن التنفيذي. فقد دعا قرار مجلس الأمن 425 الصادر في 19 آذار/مارس 1978 إلى وقف العمل العسكري الإسرائيلي والانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية. ومع أن «إسرائيل» سحبت جزءاً من قواتها في العام نفسه، استمر حضورها العسكري ونفوذها في الجنوب، ثم أعادت اجتياح لبنان عام 1982 وأقامت ما سُمّي «الحزام الأمني». ولم يقرّ مجلس الأمن اكتمال الانسحاب وفق القرار 425 إلا في 16 حزيران/يونيو 2000، أي بعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً على صدور القرار. والأهم أن السبب لم يكن التزام «إسرائيل» بالقرارات الدولية، بل نتيجة استمرار عمليات المقاومة على قوات العدو المحتلّة.
ما ربحته «إسرائيل» وما خسره لبنان
في المحصّلة، لم يتغيّر حجم الاتفاق فقط، بل تغيّر ما يُطلب من لبنان أن يدفعه، وما تحصل عليه «إسرائيل» في المقابل. تكشف المقارنة أن الفارق بين النصين يتعلّق بالوظيفة السياسية لكل منهما. فقد صيغ ترتيب 2024 لمعالجة مشكلة محدّدة هي المواجهة العسكرية، عبر وقف الأعمال العدائية، انتشار الجيش اللبناني، انسحاب القوات الإسرائيلية، وتهيئة الظروف لعودة السكان. ولم يكن على لبنان، في مقابل هذه النتائج، أن يقدّم تنازلات سياسية أو اقتصادية تمس شكل دولته أو خياراته الخارجية أو موقعه في الصراع.
أمّا إطار 2026 فيحوّل وقف الاعتداءات والانسحاب والإعمار والعودة من نتائج يُفترض أن تترتب على إنهاء الحرب إلى مكافآت مرحلية مشروطة بإعادة تشكيل الواقع اللبناني. فالمطلوب بات يشمل نزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية، وإخضاع مؤسسات الدولة للتحقّق الخارجي، وربط التمويل والإعمار بالأداء، ووضع قيود سياسية ودبلوماسية أوسع، وفتح مسار للعلاقات المباشرة والسلام يمكن أن يدفع الاتفاق من وقف لإطلاق النار إلى مسار تطبيع سياسي.
بهذا المعنى، يمنح إطار 2026 الجانب الإسرائيلي حزمة من المكاسب التي لم يحصل عليها في ترتيب 2024، هي التأثير في بنية الأمن الداخلي اللبناني، وفي تعريف السيادة وحدودها، وفي أدوات لبنان القانونية والدبلوماسية، وفي اتجاه علاقاته المستقبلية. وفي المقابل، لا يحصل لبنان على ضمانات أشد صرامة لوقف الهجمات أو الانسحاب أو العودة والإعمار، بل تصبح الحقوق التي كانت أوضح وأقرب إلى التزام متبادل في عام 2024 أكثر غموضاً وتدرّجاً، وخاضعة لتقييم تشارك فيه «إسرائيل» وحليفها الأميركي. من هنا يمكن القول إن تجربة التفاوض غير المباشر الذي أخذ في الاعتبار نقاط القوة اللبنانية في تلك المرحلة استطاعت أن تولّد اتفاقاً أنجع للبنان من اتفاق وُلد من تفاوض مباشر مع العدو لا يراعي نقاط قوة لبنان.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة