آخر الأخبار

اتّفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي [3]: هل يصبح لبنان مستعمرةً إسرائيلية؟

f4595535-f03d-414e-8018-aabe63f40138

أسعد أبو خليل

النصُّ المشؤوم

إنّ الحديثَ عن النصّ وعن سقطات الوفد اللّبناني في واشنطن وتقصيره وأخطائه لا يعني أبداً -أو لا يجب أن يعني- أنّ المشكلة في المفاوضات هي تقنيّة بحت، أو أنّ غياب المتخصّصين ذوي الكفاءة هو المشكلة. ياسر عرفات أهمل المتخصّصين لأنّه اتّخذ قراراً سياسيّاً بالتعاون مع إسرائيل تماماً كما فعل السادات قبله: كان السادات في مفاوضات كامب ديفيد وما بعدها يسخر من المتخصّصين في القانون الدولي ويصفهم بالعجز عن تفكيره الاستراتيجي.

لبنان في 17 أيّار، قبِلَ بأكثر ممّا طالبه به الوفد الأميركي إزاء إسرائيل. قد يعود ذلك إلى صفات المضيافيّة التي يتمتّع بها الشعب اللّبناني أو إلى إيمان لبنان العميق باحترام حُسن الجوار، وبخاصّة جنوباً. لكن في هذه الحالة اليوم، المشكلة سياسيّة بالكامل. اتّخذَ رئيس الجمهوريّة -وماشاه رئيس حكومته المُطيع- قراراً بتنفيذ الأوامر الأميركيّة بالنسبة إلى العلاقة مع إسرائيل ومن دون التركيز على مضمون الاتّفاق أو على صيغة تحفظ ما يمكن أن يتبقّى من ماء الوجه بعد أن سلّم لبنان بالكامل لسيادة إسرائيل على لبنان.

إن تعيينَ شخصَين لا خبرة أو علم أو معرفة لهما في المفاوضات هو من باب الاستهانة بضرورات المفاوضات مع عدوّ شرس (عندما كان سيمون كرم محافظاً على البقاع، أخبر البطريرك صفير أنّ سوريا لا تتدخّل في البقاع، راجِع محاضر البطريرك المنشورة في كتاب «حارس الذاكرة»، ج 7، ص 224). والثناء الذي تلقّته سفيرة المصرفي الصحناوي في واشنطن من السفير الإسرائيلي والإشادة بصلابتها عادة صهيونيّة قديمة: يلجأ الصهاينة دوماً إلى دعْم المنبطحين والمطيعين من المفاوضين العرب عبر تصويرهم كمتشدّدين حريصين على مصالح بلادهم. عندما سمعتُ بإشادة السفير الإسرائيلي بصلابتها في التفاوض، تذكّرتُ إشادة مفاوضي العدوّ بصائب عريقات.

المادة الأولى من الاتّفاق تعلن، باسم لبنان وإسرائيل (أصبحا ثنائيّاً قانونيّاً هنا)، حقَّ كلّ دولة في العيش بسلام وعن رغبتهما «في العيش بأمن كدولتَين سياديّتَين متجاورتَين». هنا إعلان الجيرة والودّ فيما دولة تقوم بقصْف الدولة الأخرى وتحتلّ أجزاء من أراضيها فيما يعلن إسرائيليون (مسؤولون) عن النية ببقاء الاحتلال. هذه سابقة قانونيّة دوليّة. كما أعلن الجانبان نيتهما في «إنهاء النزاع بشكل قاطع». لا مزاح هذه المرّة. وتريد الدولتان إعلان «إنهاء أيّ حال حرب بينهما». لكنّ موافقة لبنان على إنهاء حال الحرب وإعلان الرغبة بالسلام لم تتزامن مع تحقيق أيّ تنازل إسرائيلي بالمقابل. إنّ العنوان الحقيقي لهذه الاتّفاق الرديء (من ناحية لبنان) هو: تنازلات بالجملة من طرف واحد.

ويريد الاتّفاق «البناء على اتّفاقات وتفاهمات ناجحة سابقة». هنا الإشارة مبهمة: نفهم أنّ هناك بناءً على اتّفاق 17 أيّار (النجاح هنا في تصويت المجلس النيابي بصرْف النظر عن الرشاوى التي اعتاد مجلس 1972 على تلقّيها في الاقتراع) وعلى تفاهمات سرّية غير مُعلَنة (هل يقصدون تجربة سعد حداد وأنطوان لحد أم الاتّفاق السرّي بين البطريركيّة المارونيّة والوكالة اليهوديّة؟ لا نعلم بالتأكيد). وفي صياغة إنكليزيّة ركيكة، يعيد الطرفان إعلان النية في «حلّ كل هذه القضايا كدولتَين مستقلّتَين عبر مفاوضات مباشرة وثنائيّة بوساطة ودعْم من الولايات المتّحدة». هنا، نعلم أنّ جوزيف عون قرّرَ أنّ ترامب هو صديق عزيز له ولدولة لبنان ولهذا يأمل (كما أمل أمين الجميّل من قبل والسادات من قبله) أن تؤدّي أميركا دور الوسيط المنحاز إلى الطرف العربي (لبنان عند جوزيف عون ونواف سلام فينيقي حتماً، أو عربي فقط بالمعنى الخليجي الاستبدادي).

الطريف أنّ المادة هذه تذكر وساطة الحكومة الأميركيّة ودعْمها. لكن، الحكومة الأميركيّة: مَن تدعم بين الطرفَين؟ بحسب المحلّل الجديد في العلاقات الدوليّة، رئيس جمهوريّة لبنان، فإنّ الرئيس الأميركي مهتمّ بصورة غير مسبوقة بلبنان. لكن ماذا يعني هذا؟ اهتمامه ينطلق من حبِّه لنا أو من حبِّه لإسرائيل؟ لم تتدخّل أميركا يوماً في لبنان إلّا من أجل إسرائيل، وهذا يسري على تدخّل 1958 لأنّ أميركا لم تكن تريد أن يقوى النظام الناصري الذي أذلَّ إسرائيل بصموده في عام 1956.

المادة الثانية تتحدّث عن مسار «متبادل ومتدرِّج بشروط». طبعاً، لم يكترث الوفد اللّبناني القليل المعرفة والحكمة لحقيقة أنّ الشروط تسري فقط على طرف واحد. لم يتضمّن الاتّفاق، كما سنرى، أيّ شرط على إسرائيل. كلّ التنازلات مطلوبة من طرف واحد فقط. الاتّفاق لا يعزّز سيادة لبنان لكنّه يأمر الجيش اللّبناني بـ«استعادة السلطة السياديّة على كلّ الأراضي اللّبنانيّة». والسيادة بالمفهوم الإسرائيلي (منذ الستينيّات) تعني أن تقوم الدولة بقمْع الحركات اليساريّة (يومها) وكلّ تجلّيات معارضة إسرائيل ومقاومتها. وتأمر إسرائيل لبنان بنزْع سلاح «مُثبت للمجموعات المسلّحة خارج الدولة». تصوّر أو تصوّري لو أنّ لبنان طالب في الاتّفاق، من باب التبادليّة المُخادعة، بنزْع سلاح المستوطنين في الضفّة الغربيّة لأنّهم يمارسون سيادة مسلّحة خارج نطاق القوات الإسرائيليّة المسلّحة.

ويتحدّث الاتّفاق عن «تفكيك البنى التحتيّة المُرتبطة» بالمجموعات المسلّحة، وهذا بالتعريف الإسرائيلي يعني: هدم البيوت وتفكيك شبكات هاتف وتعطيل أسلاك الكهرباء ونزع الأشجار. إسرائيل تمارس يومياً هذا التعريف لتفكيك البنى التحتيّة للإرهابيّين، إنْ في غزّة أو في لبنان. وتنفيذ هذه الشروط «سيتيح لجيش الدفاع الإسرائيلي أن يعيد تموضعه باطّراد خارج الأراضي اللّبنانيّة». هذه المادة أثارت إشكاليّة لأنّ رئيس الحكومة اللّبنانيّة (المُعيّن في الدبلوماسيّة من قِبل فؤاد السنيورة والمُعيّن إدارياً في محكمة العدل الدوليّة في لاهاي من قِبل السنيورة أيضاً، وبرضى أميركي لأنّه في مجلس الأمن لم يزعج إسرائيل مرّة واحدة) الذي ابتدع فكرة أنّ إعادة التموضع تعني الانسحاب. حسناً، إذا كانت هي تعني الأمر عينه، فلماذا لم يصرّ الفقيه الدستوري المُفترَض على استعمال مصطلح انسحاب كي لا يكون هناك مجال للشك أو التشكيك أو اللّبس؟

كانت إسرائيل في الماضي تطرح فكرة السلام مقابل لا شيء، فيما كان الطرف العربي (حسب مشروع السلام السعودي) يطرح فكرة السلام مقابل الانسحاب من بعض الأراضي العربيّة. هذا الاتّفاق أدخل إلى التداول فكرة السلام المشروط

إنّ الذي يسمع رئيس الحكومة يخال أنّه (أو أنّ الفريق اللّبناني) شارك في صياغة النصّ الذي أتاهم بعد طبْخه من قِبل حكومة إسرائيل واللّوبي الإسرائيلي في واشنطن. هؤلاء تسلّموا النصّ وترجموه خطأً لخداع الناس ووافقوا عليه وأطلقوا وصْف الإنجاز على الاتّفاق. إذا كانت صلابة السفيرة اللّبنانيّة أنتجت هذا الاتفاق، فإنّ هذا يعني أنّ مرونتها ولينها كانا ليكونا أفضل بكثير.

لكنّ إسرائيل، حتّى في بند إعادة التموضع، تعود وتجعله مشروطاً بحُسن السلوك اللّبناني، ما يضفي شكوكاً أكبر على نياتها ويجعل من كلام رئيس الحكومة التبريري باطلاً، كالعادة. يقول البند المذكور: «إنّ مكوّنات المسار ستُفصَّل في ملحق أمني، وهو مُعدّ بدعم كامل من الحكومة الأميركيّة». هذا هو الدعم الأميركي الذي استُهلّ ذِكره في الاتّفاق. هو دعم لكلّ ما تريده إسرائيل. ويضيف البند: إنّ الإطار «سيطرح الإجراءات المطلوبة والترتيبات الأمنيّة وآليّات التحقّق لإحراز تقدّم في هذا المسار». نجد أنّ مصطلح إعادة تموضع مُسيّج بكلام وشروط ومطالب تطمسه بالكامل وتجعل من إسرائيل وأميركا الحَكم في النزاع (بالرغم من موافقة الفريق اللّبناني على نسْف فكرة النزاع في العلاقة بين لبنان وإسرائيل وبخاصّة أنّ رئيس الجمهوريّة يرغب في سلام «أبدي» مع إسرائيل). ويضيف البند أنّ «تطبيق الإطار بنجاح (أي حسب التفسير الإسرائيلي) سيمهّد الطريق لإقامة علاقة مستقرّة وسلميّة بين البلدَين من أجل إتاحة المجال لجيش الدفاع الإسرائيلي لإعادة التموضع خارج الأراضي اللّبنانيّة».

كانت إسرائيل في الماضي تطرح فكرة السلام مقابل لا شيء، فيما كان الطرف العربي (حسب مشروع السلام السعودي) يطرح فكرة السلام مقابل الانسحاب من بعض الأراضي العربيّة. هذا الاتّفاق أدخل إلى التداول فكرة السلام المشروط. أي إنّ إسرائيل تقول للبنان المتلهِّف للسلام والتطبيع معها (نواف سلام قال إنّه يريد التطبيع والسلام مع إسرائيل الأمس قبل اليوم) إنّها تقبل بالسلام معه لكن بشروط تحرص هي على مراقبة تطبيق الطرف اللّبناني لها، وإلّا لا سلامَ معه. الطرف اللّبناني تعامل مع إسرائيل على أساس أنّ السلام هو مِنحة من إسرائيل إليه، لا العكس. وهو لهذا لم يكترث لتقديم كلّ التنازلات الممكنة قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات (المتنقّلة جغرافياً، بإرادة إسرائيل. إسرائيل نقلت آخر جولة إلى روما من دون أن تُعلِم الجانب اللّبناني الذي هرع إلى روما تنفيذاً للامتثال لطلب بيت الطاعة).

في البند الثالث، ترِد فكرة «احتكار الدولة للسلاح والسيطرة السياديّة على الأرض». وهذه الفكرة انطلقت يوم تسلّمت أميركا مقدّرات 14 آذار والحرب على المقاومة بعد اغتيال الحريري. والمُضحِك أنّ العبارة المنسوبة إلى عالم الاجتماع، ماكس فيبر، أصبحت في التداول السياسي بمنزلة القانون الدولي كأنّها مفروضة على كلّ بلد. والمُضحِك أكثر أنّه ما مِن دولة في العالم كسرت احتكار الدول للسلاح عبر تسليح ميليشيات وعصابات وفرق أكثر من أميركا وتليها إسرائيل في منطقتنا. لكنّهم لا يعنون بالاحتكار أنّه يشمل عصابات إرهابيّة مُموّلة ومدعومة من أميركا أو إسرائيل (مثل عصابات «الموساد» الكرديّة في شمال العراق). الأهم: إذا كنا نتحدّث في السيادة، فلا رأي أو موقف من دولة خارج لبنان في مسألة تعنيها سيادياً.

الحكومة العراقية والسلطة الدينيّة هناك قرّرتا في لحظة مواجهة «داعش»، مثلاً، أن تدعما تسليح ميليشيات تؤازر الدولة، وتدرّب هذه الميليشيات وتنظّمها. هل يُسمح لإسرائيل أن تعطي رأيها في ذلك؟ هل نعارض الفكرة من منظور تعريف (فقط تعريف) سيادة الدولة فيبرياً؟ أميركا وافقت على تشكيل ميليشيات تحارب «داعش»، لكنّها طالبت بحلّها عندما أعلنت النية في المشاركة في مقاومة إسرائيل. كان على الوفد اللّبناني أن ينتفض ردّاً على تعليق إسرائيل وأميركا على سيادة لبنان وبخاصّة أن لا ذِكر هنا لعصابات إرهابيّة تدعمها وتسلّحها إسرائيل على أراضي فلسطين (وأراضينا في مرحلة ليست غابرة).

وتضيف المادة الثالثة أنّ «الجيش اللبناني سيتسلّم تدريجيّاً (لاحظ الصياغة، أي إنّ إسرائيل تأمر الجيش اللّبناني للقيام بمهامها هي في لبنان) مسؤولية أمنيّة كاملة فعّالة تدريجيّاً في مناطق تجربة» والأخيرة ستكون «آليّة لإعادة تموضع مرحلي ومُحقّق لجيش الدفاع الإسرائيلي وتموضع للجيش اللبناني». أمّا تحديد مناطق التجربة «فسيكون مُتّفقاً عليها بالموافقة المُشتركة». هذه الصياغة تعني، مرّة أخرى، أنّ حقّ التقرير والتحديد والتنفيذ سيكون في يد إسرائيل وحدها. تقرأ هذه المادة وتتيقّن أنّ سبب إطلاق وصْف اللّبوة على سفيرة لبنان من قِبل السفير الإسرائيلي لم يكن إلّا من باب السخرية منها.

(ملاحظة: اعتمدت في الاستشهاد بنصّ الاتّفاق على ترجمتي العربيّة عن الإنكليزيّة لا على الترجمة المنشورة).

(يتبع)

* كاتب عربي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة