سيف الدين موعد
كان يمكن أن تُقرأ الدعوة إلى انتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني، نهاية تشرين الثاني المقبل، كاستجابة متأخّرة لحق الناس في اختيار ممثليهم، ومحاسبة السلطة الفلسطينية التي حكمتهم قرابة عشرين عاماً من دون مجلس. غير أن توقيت الدعوة والسياق المُعقّد الذي تتحرك داخله يضعانها في إطار أوسع من موضوع الانتخابات.
فالدعوة تأتي بعد حرب الإبادة على غزة، ووسط ضغوط دولية وإقليمية مزدوجة تضغط في غزة لتمرير ترتيبات أمنية كشرط لإعادة الإعمار، وفي الضفة لتنفيذ «إصلاحات هيكلية» في جسم السلطة، كشرط لتجاوز أزمتها المالية الحادّة وترميم شرعيتها المتآكلة في الداخل والخارج. ويتزامن ذلك مع تصاعد التجاذبات التنظيمية داخل حركة «فتح» حول ملف خلافة محمود عباس، وما يترتّب عن ذلك من استحقاقات تمسّ مستقبل السلطة والمنظّمة، فيما تواصل إسرائيل عدوانها على غزة، وتمضي بخطوات حثيثة في الضفة باتجاه تنفيذ مشروع الضمّ عبر القوة العسكرية والإجراءات القانونية والإدارية المُمنهجة.
تحاول السلطة تصوير الانتخابات كمخرج لمعالجة أزمة الشرعية التي نتجت من طول فترة التعطيل، وهذا تشخيص لا يقول كل شيء، فتعطيل الانتخابات عرض لأزمة الشرعية وليس سبباً مباشراً لها. فالأزمة نشأت في الأساس من انحسار السياسة الفلسطينية، أو لنقل تقويضها على يد السلطة المؤقتة، التي قامت بموجب اتفاقية أوسلو لإدارة مرحلة انتقالية في الضفة وغزة إلى أن تتضح نتيجة التسوية. لكنّ هذه التسوية تبخّرت مع الوقت، ولم يتبقَّ منها سوى الجهاز البيروقراطي الذي ربط وجوده وبقاءه بالتنسيق الأمني وأموال المانحين والاعتراف الدولي، بعدما تمّ تحويل المنظّمة صاحبة التفويض الأصلي إلى عالة تعتاش على السلطة وتستمدّ بقاءها من مواردها وقراراتها.
وهذا الخلط بين المنظّمة والسلطة تعزّز أكثر بعد الانقسام، إذ أصبحت السلطة، التي تحكم الضفة، المتحدّث الوحيد باسم الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده؛ فهي من تحدّد شروط العضوية في مؤسساتها، والبرنامج السياسي المسموح به، وأصبحت تتصرّف وكأنها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في مستقبل كل الحركة الوطنية.
لذلك، فاستعجال الدعوة إلى الانتخابات قبل معالجة شروط الأزمة وأسبابها، سيفضي إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها، بل وتعقيد ظروفها، لأن أي مجلس مُنتخب سيظل رهينة ثالوث السلطة المقدّس، أي الأجهزة الأمنية والمال واحتكار التمثيل، ومن فوق ذلك وقبله القوة القائمة بالاحتلال. كما أن بقاء البرنامج السياسي محكوماً بسقف أوسلو واستبعاد أي تغيير في المنظمة سيحولان دون إعادة تأسيس السياسة الفلسطينية، ما يعني تجاوز أي مراجعة لمعنى وجود السلطة نفسها، وعلاقتها بمشروع التحرّر، وسلب الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها حقّه في تقرير المشروع والبرنامج الذي يعمل باسمه.
وبالعودة إلى توقيت الدعوة، وبالنظر إلى عدم تغيّر الأسباب المُعلنة التي دفعت السلطة قبل خمس سنوات إلى إلغاء الانتخابات، عندما قرّرت أن لا انتخابات من دون القدس، يمكن فهم هذه الخطوة داخل سياق النتائج التي أفضت إليها حرب الإبادة على غزة، وما حكي عن شروط و«إصلاحات» مُلزِمة وضعتها الولايات المتحدة والدول المموّلة قبل السماح للسلطة بالاضطلاع بأي دور لاحق في غزة.
لذلك قد تكون السلطة معنية بإعادة إنتاج مجلس تشريعي يضم ممثّلين عن غزة، على اعتبار أن ذلك قد يقوّي موقعها، ويسهّل عودتها إلى حكم القطاع. فما يهمّ السلطة هو احتكار ملف إدارة غزة، وتحديداً ملف الإعمار، مع أن ذلك أمر غير مضمون، لأن إسرائيل ترفض صراحة عودة السلطة إلى غزة وتسعى إلى عزلها عن الضفة بل وعن كل الجسم الوطني.
كما أن الحديث عن انتخابات تُنفّذ في القطاع في هذه الظروف ينطوي على مفارقة غريبة، فالناس موزّعون في الخيام وأماكن النزوح وفوق أطلال بيوتهم المُهدّمة، بينما لا تتيسّر لديهم الخدمات الأساسية التي تستقيم بها حياتهم، وجزء كبير منهم فقد أوراقه الثبوتية. لذا قد تكون خيارات الناخب وأولوياته، محكومة بظروف تجبره على المفاضلة بين القوى والقوائم انطلاقاً من القدرة على جلب التمويل وفتح المعابر وإعادة الخدمات. فقد يعاقب بعض الناس حركة «حماس» بسبب تجربة الحكم أو كلفة الحرب، وقد يرفض البعض الآخر السلطة بسبب دورها السياسي أو الأمني، دون أن يعني ذلك تحويل التصويت إلى تفويض أكبر من الظروف التي أنتجته.
وهذه النقطة ينبغي الانتباه إليها، لأن مستقبل غزة وملف الإعمار امتداد للصراع على نتيجة الحرب، وقد توظّف الانتخابات التشريعية -إن حصلت- للادّعاء بالحصول على تفويض بتقرير مصير غزة وسلاح مقاومتها أو القبول بترتيبات أمنية أو هندسة اجتماعية، وربما عزل غزة عن سؤال السياسة والمشروع الوطني الفلسطيني.
وهذه المفارقة لا تتوقّف عند حدود غزة، فالمسألة تتصل أيضاً بتعريف الفلسطيني الذي تستدعيه السلطة وتتحدّث باسمه. فقد أعادت اتفاقية أوسلو تنظيم السياسة حول سكان الضفة والقطاع، بينما بقي اللاجئ الفلسطيني المطرود من أرضه والفلسطينيون الذين يعيشون في الأراضي المحتلة عام 1948 خارج الجسم السياسي الفلسطيني، أمّا القدس فبقيت مشاركتها السياسية مُعلّقة على موافقة إسرائيل من عدمها. وبذلك تكرّس السلطة التفكيك والتصنيفات التي صنعها الاحتلال والنكبة المستمرة، والتي تعامل الشعب الفلسطيني كمجموعات سكانية لا يربطها مشروع أو قضية واحدة.
كان يمكن للمجلس الوطني أن يواجه هذا التفتيت، لو أنه سُمح له باستعادة موقعه باعتباره مؤسّسة الشعب كله، لكن ما تريده السلطة من المجلس الوطني لا يتعدّى محاولة إنتاج نسخة كربونية عن المجلس التشريعي، بحيث تتمثل بقية التجمعات والكتل الفلسطينية الأخرى من خلال التعيين والمحاصصة الفصائلية الضيقة.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن الحديث عن الاستحقاق الانتخابي، وتجاهل دور إسرائيل وتأثيرها، فإسرائيل تتحكّم بمختلف جوانب حياة الفلسطينيين، وتسيطر على كل شيء تقريباً، ويمكنها اعتقال المرشحين ومنع الاقتراع في القدس أو في غزة أو تعطيل الحركة بين مدن الضفة، كما تستطيع منع أي مجلس مُنتخب من ممارسة مهامه كما حصل في انتخابات عام 2006، والأمر لا يتوقف عند إسرائيل، فالولايات المتحدة وأطراف دولية وإقليمية أخرى فرضت حصاراً على حكومة «حماس» المُنتخبة وقتها، لأنها لم تقبل بالنتيجة وعدّتها تجاوزاً للسقف السياسي الذي تعتبره مقبولاً.
وحتى لا نحمّل الخارج كل إخفاقات السياسة الفلسطينية، فقد أثبتت التجربة أيضاً أن القوى الفلسطينية لم تنجح في الاتفاق على قواعد تحمي التداول وتنظّم العلاقة في ما بينها، وهذا من الأسباب التي أدّت بعد الانتخابات الأخيرة إلى انفجار الصراع الداخلي على الأجهزة والصلاحيات وحتى على البرنامج السياسي، وانتهى الأمر إلى الانقسام المشؤوم.
لكنّ هذه القيود والتعقيدات لا تفسّر وحدها تعطيل السلطة للانتخابات على مدار عشرين عاماً، ولا تبرّر إصرارها على التنسيق الأمني والاعتقالات السياسية أو احتكار الإعلام والأجهزة، فضلاً عن اختطاف قرار المنظّمة وإذابتها في جسم السلطة. فقيادة السلطة تتحرّك أيضاً داخل مصالح سياسية وأمنية واقتصادية وتستفيد من الوضع القائم، ولذلك ترفض أي مراجعة لمسارها وتخشى من أي عملية بناء وطنية تنهي احتكارها للقرار والمال.
أيضاً لا يمكن عزل الدعوة إلى الانتخابات عن التجاذبات التي تحيط بملف خلافة محمود عباس، فالرجل يجمع بين رئاسة السلطة وقيادة المنظّمة وحركة «فتح»، وهذا الأمر، إذا لم يُحسم سريعاً، قد يفتح الباب أمام أزمة متراكبة تمسّ المؤسسات الثلاث، خصوصاً أن مؤتمر «فتح» الأخير لم يفض إلى نتائج تؤشّر إلى تجاوز هذه الأزمة، إذ يرى البعض أن المؤتمر صُمّم لتثبيت مواقع داخل اللجنة المركزية وإدخال شخصيات مرتبطة بالأجهزة وبقيادة السلطة، في وقت ما زالت فيه هوية الخليفة أو الخلفاء وترتيبات انتقال المواقع موضع تنافس أو صراع محتمل.
ومع ذلك، من المهم أن لا يتم اختزال حركة «فتح» في القيادة التي تدير السلطة، ففي داخل الحركة تيارات وكوادر وأسرى وقطاعات اجتماعية تحمل تاريخاً وطنياً أوسع من تجربة أوسلو، ولديها قلق جدّي من أن يؤدّي انصهار الحركة داخل السلطة إلى فقدان هويتها الوطنية. وهناك أيضاً شرائح واسعة داخل المجتمع الفلسطيني ارتبطت مصالحها بمؤسسات السلطة وتخشى من سيناريو انهيارها، ومع ذلك، ليس بالضرورة أن تكون لها مصلحة في استمرار الوضع الراهن.
هذا التمييز مهم، فنقد السلطة أو المُطالبة بالتغيير ومراجعة المشروع الوطني لا يجب أن يُفهم وكأنه استهداف لحركة «فتح» أو تهديد لدورها، وليس من مصلحة أي حركة تغييرية أن تُستدرج إلى المربع الذي تريده السلطة، بحيث يربط مصيرها بمصير حركة «فتح»، فالواقع الفلسطيني لا يحتمل أي استقطابات جديدة.
أمّا حركة «حماس» فتحمل مأزقاً تولّد في الأساس من الجمع بين المقاومة والحكم. فتبنّيها لخيار مقاومة إسرائيل أكسبها شرعية واسعة، لكن انخراطها في السلطة وتولّيها إدارة القطاع بعد الانقسام، ولاحقاً خلال فترة الحصار، خلقا دينامية ولّدت فرصاً للمقاومة بالتوازي مع تحدّيات أثقلت حياة الغزيين، كما أن تجربة إدارتها للقطاع لم تكن نموذجية. وبعد السابع من أكتوبر دفع مجتمع غزة ثمناً هائلاً في حرب الإبادة التي استهدفت المقاومة والحاضنة المدنية معاً، وهو ما يتطلب مراجعات تفرضها طبيعة التجربة ومآلاتها، وانطلاقاً من الواقع الفلسطيني الذي يتجاوز غزة ويتصل بشكل أوسع بالمشروع الوطني.
وحركة الجهاد الإسلامي تواجه الأسئلة ذاتها، لكن من موقعها خارج السلطة والمنظّمة، إذ يتطلّب حضورها داخل ساحة المقاومة بناء تصوّر للمرجعية الوطنية التي تنظّم علاقة الحركة بالمجتمع وبقية القوى. أمّا قوى اليسار الفلسطيني، فلم يعد يكفي الاستمرار في تدوير الإرث التاريخي، فنقد التسوية لا ينسجم مع تقديم أولوية الحضور داخل جسم السلطة على حساب القدرة التنظيمية والحضور الاجتماعي أو الجماهيري. وفي المساحات التي غابت عنها الفصائل ظهرت قوى جديدة داخل الجامعات والأطر المحلية وشبكات الإغاثة والمبادرات والمؤتمرات ومؤسسات الشتات، غير أن هذه الطاقات بقيت موزّعة، ولم تنجح في تنظيم نفسها في إطار يحوّلها إلى قوة سياسية قادرة على التغيير.
انطلاقاً من كل ما سبق، يحتاج الفلسطينيون إلى حوار داخلي جادّ وسابق لأي عملية انتخابية، حوار يتجاوز حدود الاجتماعات والتقاط الصور، ويتعداه إلى المراجعة الحقيقية لكل المسار الذي أوصلنا إلى المأزق الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.
الخيار قد يكون في تكوين كتلة وطنية واسعة تضم القوى والفصائل الفلسطينية الموجودة داخل المنظمة وخارجها، مع الاستناد إلى ثقل الحركة الأسيرة ورمزيتها، إضافة إلى قوى المجتمع المدني والاتحادات والمؤتمرات والمبادرات ومؤسسات الشتات، وفتح المجال للتيارات المعترضة داخل «فتح» والسلطة. ولا تطرح هذه الكتلة نفسها كتحالف انتخابي، لأن مهمتها الأولى تتعلّق بالضغط والدفع لصياغة موقف فلسطيني يمنع أي طرف من احتكار السياسة أو فرض مشروعه على الآخرين.
ويكتسب هذا الضغط معناه العملي من القدرة على سحب الغطاء الفلسطيني عن أي مسار يحاول تجاوز الثوابت الوطنية. فهذه القوى تستطيع أن تربط مشاركتها في الانتخابات بالحوار المُسبق حول المشروع الوطني وطبيعة المنظّمة وموقعها، وشروط تمثيلها للفلسطينيين وكيفية ممارسة دورها. كذلك تعمل هذه القوى على مراجعة دور السلطة وحدود وظيفتها، وتتفق على مسار وطني يحمي مستقبل غزة.
وإذا رفضت قيادة السلطة هذا الحوار، يمكن ممارسة الضغط عليها عبر الامتناع المنظّم عن المشاركة أو منح العملية الانتخابية شرعية شاملة، شريطة ألا يقتصر الأمر على المقاطعة السلبية التي تترك الساحة للفراغ، إذ يتطلب ذلك خطاباً سياسياً موحّداً، يطرح مساراً سياسياً بديلاً وقابلاً للاستمرار، وقد يحتاج الأمر في وقت لاحق إلى حراك جماهيري مُنظّم ومُتدرّج في الداخل والخارج.
ونزع الشرعية عن السلطة لا يعني بالضرورة الدعوة إلى إسقاط حقها في إدارة المرافق أو دفع المجتمع نحو الفراغ، فالمقصود سحب ادّعاء السلطة تمثيل الشعب الفلسطيني كله، والطعن سياسياً في أي التزامات توقّعها من دون مؤسسة وطنية تحظى بالتوافق والشرعية الجامعة. فالمجلس التشريعي بحكم ولايته القانونية وحتى المجلس الوطني بصيغته الراهنة لا يمكنهما الادّعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني كله، خصوصاً فلسطينيّي الأرض المحتلة عام 48 والشتات واللاجئين.
وبالتوازي مع هذا الضغط ينبغي بناء بدائل تمثيلية تنشأ من المجتمعات والتجمعات والمخيمات الفلسطينية نفسها، دون التورّط أو الاستعجال في إعلان إطار جديد ينازع المنظّمة، لأن ذلك قد يضيف انقساماً جديداً إلى الانقسام القائم، وهذا آخر ما يحتاج إليه الفلسطينيون. لكن يمكن أن تكون البداية بهيئة تنسيق دائمة تجمع الممثلين المُنتخبين أو المُفوّضين من الساحات المختلفة، بحيث تتوافق حول الرؤية السياسية المشتركة، وتراقب القرارات التي تُتخذ باسم الفلسطينيين.
ويظل الهدف من هذه البدائل دفع المؤسسات القائمة، وعلى رأسها منظمة التحرير، نحو إعادة البناء، مع الاستعداد لتجاوز احتكارها إذا أصرّت على الاستمرار في إغلاق أبوابها، إذ قد يضطر هذا الحراك المنظّم في لحظة معينة إلى التحوّل تدريجياً الى مركز وطني ينازع قيادة السلطة احتكار التمثيل ويفرض عليها الاختيار بين أن تخضع لإرادة الفلسطينيين كاملة من دون تجزئة، أو أن تفقد تدريجياً قدرتها على الادّعاء بأنها المرجعية الوحيدة للشعب الفلسطيني.
* كاتب وباحث فلسطيني