أبو الشريف رباح
بعد ما يقارب من 3 سنوات من الحرب المتواصلة على قطاع غزة لم يعد السؤال يدور حول موعد انتهاء العدوان فقط، بل حول الهدف الحقيقي من هذا الكم الهائل من الدمار الذي أصاب البشر والحجر والشجر في القطاع.
فحين تقصف المدن بلا هوادة وتدمر الأحياء السكنية وتستهدف البنية التحتية ويحاصر المدنيون بالجوع والعطش والمرض يصبح من حقنا أن نتساءل، هل ما يجري في غزة مجرد حرب أم مشروع يهدف إلى تغيير وجه القطاع إلى الأبد؟
إن حجم القوة العسكرية المستخدمة ومستوى الدمار الذي لحق بالقطاع يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الأمر يتجاوز الرد على أحداث السابع من أكتوبر 2023، ليدخل في إطار مشروع أوسع يسعى إلى فرض واقع جديد في غزة سواء من خلال إفراغها من سكانها وجعل الحياة فيها مستحيلة بما يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وجغرافية جديدة تخدم المصلحة الإسرائيلية.
ولم يعد خافيا على أحد أن قطاع غزة يمتلك موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية على شاطئ البحر المتوسط، إضافة إلى وجود حقول من الغاز الطبيعي قبالة سواحله. وقد عزز ذلك تساؤلات لدى محللين ومراقبين حول ما إذا كانت المصالح الاقتصادية تشكل أحد العوامل التي تزيد من أهمية السيطرة على القطاع إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية.
لكن غزة بالنسبة للفلسطينيين ليست حقول غاز ولا قطعة أرض يمكن استبدالها أو التفاوض عليها بل هي عنوان للصمود وجزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني، وشاهد على تاريخ طويل من مقاومة الاحتلال والتمسك بالأرض، ولذلك فإن أي محاولة لفرض التهجير أو تغيير الهوية الديموغرافية أو الجغرافية للقطاع ستصطدم بإرادة شعب يؤمن بأن البقاء على أرضه هو أحد أهم أشكال النضال.
فلقد فشل الاحتلال رغم ما امتلاكه للقوة عسكرية في كسر إرادة الفلسطينيين عبر العقود ولم تفلح الحروب المتعاقبة في إنهاء القضية الفلسطينية أو محوها من الوعي العالمي، بل إن كل جولة من العنف كانت تؤكد أن الحقوق الوطنية لا تلغى بالقوة وأن الشعوب لا تتخلى عن أوطانها مهما بلغت التضحيات.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابا من المجتمع الدولي، إلى متى سيستمر الصمت أمام هذه المأساة؟ وهل تكفي بيانات القلق والإدانة في مواجهة واقع إنساني يزداد قسوة يوما بعد يوم؟ إن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي والعمل الجاد من أجل إنهاء الحرب والتوصل إلى حل سياسي عادل لم تعد مجرد خيارات بل أصبحت مسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق المجتمع الدولي.
قد تدمر المدن وقد تهدم البيوت وقد تتعطل مظاهر الحياة، لكن التاريخ أثبت أن الشعوب التي تتمسك بحقها لا يمكن محوها، وستبقى غزة رغم الجراح عنوانا لمعاناة شعب يتطلع إلى الحرية والكرامة والسلام العادل، ولن يكون مستقبل المنطقة مستقرا ما دامت جذور الصراع قائمة وما دامت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تنتظر الإنصاف.