كريم حداد
لم يبدأ التطهير العرقي في مقاطعة فورسايث الأميركية بقرار رسمي يعلن أن الأرض صارت حكراً على البيض، ولم تصدر حكومة ولاية جورجيا مرسوماً يقضي بإفراغ المقاطعة من سكانها السود. بدأ الأمر بحادثة جنائية، ثم باتهام جماعي، فشائعة، فخطاب عن الخطر، فتحشيد مسلّح، قبل أن تتحوّل أعمال القتل والحرق والتهديد إلى واقع جغرافي جديد. وحين انتهى العنف المباشر، كان أكثر من ألف مواطن أسود قد أُخرجوا من بيوتهم، وبقيت محاصيلهم في الحقول ومواشيهم في الحظائر وأراضيهم بلا أصحاب يستطيعون الدفاع عنها.
هذه هي الحكاية التي يعيد باتريك فيليبس بناءها في كتابه «دمٌ في الجذور: تطهير عرقي في أميركا». ففي خريف عام 1912، طُرد 1098 مواطناً من السود من فورسايث تحت تهديد البنادق والمشانق والديناميت. لم يكن المطرودون عابرين أو غرباء؛ كانوا مزارعين وعمّالًا ومدرّسين ورجال دين وأصحاب أراضٍ وكنائس ومدارس. بعد خروجهم، حصد البيض محاصيلهم، واستولوا على مواشيهم، ووضعوا أيديهم تدريجياً على الأراضي التي أصبحت توصف بأنها «مهجورة». ثم اختفت البيوت والكنائس، وضاعت الأسماء، وصارت الجريمة بمرور الزمن حكاية غائمة عن سود «غادروا» المقاطعة.
لا يتناول كتاب فيليبس لبنان، ولا يقدّم نظرية مباشرة في السياسة الخارجية الأميركية. لذلك لا يمكن استخدامه لإثبات علاقة سببية بسيطة تقول إن ما فعلته جماعات البيض في جورجيا عام 1912 أنتج آلياً ما تفعله واشنطن في الشرق الأوسط اليوم. لكنه يكشف بنية أعمق في التاريخ السياسي الأميركي: الطريقة التي يُصنع بها الاقتلاع، ويُبرَّر، ثم يتحوّل من جريمة إلى أمر واقع، ومن أمر واقع إلى مسألة إدارية، ومن مسألة إدارية إلى تاريخ منسيّ. ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح الكتاب أداة شديدة الأهمية لفهم الموقف الأميركي من اقتلاع اللبنانيين، ولا سيما أهالي الجنوب، من أرضهم.
في فورسايث، لم يكن الهدف قتل جميع السكان السود؛ كان يكفي جعل بقائهم مستحيلاً. يكفي أن يُقتل بعضهم، وأن تُحرق بعض البيوت، وأن تُعلّق التهديدات على الطرق، لكي تحمل بقية العائلات أطفالها وتغادر. التطهير العرقي لا يحتاج دائماً إلى إعلان نية إبادة جماعة كاملة؛ قد يتحقّق بتدمير شروط الحياة: المنزل، والحقل، والمدرسة، والكنيسة، والطريق، والشعور بالأمان، وإمكان العودة. وبعد أن يهرب الناس، يستطيع المعتدي القول إن المنطقة أصبحت خالية، وإن السكان غادروا، وإن المشكلة الجديدة ليست في الجريمة التي أخرجتهم بل في كيفية «إدارة» غيابهم.
هذا بالضبط هو الخطر الكامن في جنوب لبنان. فقد تجاوزت العمليات الإسرائيلية منطق استهداف مواقع عسكرية محدّدة إلى إنتاج نطاق جغرافي يصعب العيش فيه. أُصدرت أوامر إخلاء واسعة وأوامر تمنع العودة، ودُمّرت أحياء وقرى وبنى مدنية ومصادر رزق. واعتبرت منظمة العفو الدولية أن استخدام أوامر الإخلاء الجماعي ومنع السكان من العودة في أجزاء من الجنوب يرقى إلى النقل غير المشروع للسكان، وهو جريمة حرب. أمّا مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، فتحدّث عن تدمير واسع للمنازل المدنية، وطالب بإنهاء الاحتلال ووقف عمليات هدم البيوت وضمان العودة الآمنة للنازحين.
الأرقام لا تصف مجرّد نزوح مؤقّت خلال معركة. خلال الحرب الأخيرة نزح أكثر من مليون شخص، وتضرّرت أو دُمّرت نحو مئة ألف وحدة سكنية بحسب أرقام لبنانية أوردتها «رويترز». وبعد وقف إطلاق النار بقي عشرات الآلاف عاجزين عن العودة لأن قراهم إمّا مُحتلة وإمّا مُهدّمة، فيما ظل جيش الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على شريط يصل عمقه إلى نحو عشرة كيلومترات ويحتل عشرات البلدات والقرى. وفي مطلع تموز بقي نحو ستمئة ألف شخص في حال نزوح داخلي، فيما عاد آخرون إلى منازل لا تصلح للسكن أو إلى قرى لم تعد تشبه الأماكن التي عرفوها.
تدعم واشنطن سياسات سبق أن جرّبها النظام الأميركي ضد مواطنيه السود. وفكرة منع شروط الحياة عن الناس، هي الأساس في مشاريع التطهير العرقي
هنا يظهر الدور الأميركي، لا باعتباره مجرّد فشل في وقف الجريمة، بل باعتباره مساهمة في إعادة صياغتها سياسياً. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي وتدمير القرى ومنع السكان من العودة بوصفها وقائع يجب إنهاؤها بلا شروط، بل تضعها داخل معادلة تفاوضية يصبح فيها الانسحاب الإسرائيلي مكافأة يمنحها المحتل تدريجياً مقابل تغييرات لبنانية داخلية. وفي خطة «المناطق التجريبية» التي ترعاها واشنطن، رُبط الانسحاب التدريجي من الأراضي اللبنانية بـ«التحقّق» من نزع سلاح حزب الله، من دون جدول زمني واضح للانسحاب ومن دون آلية مكتملة للتحقّق. وبهذا تصبح العودة إلى البيت حقاً مؤجّلاً، بينما يصبح بقاء الاحتلال أداة ضغط مشروعة داخل التفاوض.
في بلدة زوطر الغربية، وهي أولى «المناطق التجريبية»، انسحبت قوات الاحتلال من مساحة محدودة، لكنها بقيت في قرى ومواقع مجاورة. سُمح لبعض السكان بالدخول في مواكب منظّمة، فوجدوا أن نحو نصف البلدة صار ركاماً وأن غالبية المنازل لا تصلح للإقامة. حتى بعد الانسحاب الجزئي، بقيت القوات الإسرائيلية على مسافة مئات الأمتار، وأطلقت طلقات تحذيرية لمنع الجيش اللبناني من الاقتراب من بعض المواقع. قال رئيس البلدية إن عشرات القرى الأخرى لا تزال مُحتلة، وإن إعادة الإعمار مستحيلة ما دام الجيش الإسرائيلي موجوداً على أطراف البلدة.
ليست المشكلة في تسمية هذه العملية «منطقة تجريبية» فحسب، بل في ما تخفيه التسمية. فالقرية التي اقتُلع أهلها منها ليست مختبراً لتجربة ترتيبات أميركية، والعودة ليست امتيازاً يُمنح دفعة صغيرة بعد دفعة صغيرة. حين يُسمح للمحتل بأن يقرر أي قرية يخليها، ومتى يخليها، وما الشروط الواجب تنفيذها قبل ذلك، يتحوّل الاحتلال من جريمة مستمرة إلى طرف يملك سلطة تقييم سلوك الضحية. يصبح على اللبناني أن يثبت أهليته للعودة إلى أرضه، فيما لا يُطلب من إسرائيل أن تثبت أهليتها للاستمرار في تلقّي السلاح والحماية السياسية.
وهنا يفيدنا كتاب «دمٌ في الجذور» مرة أخرى. ففي فورسايث، لم يكن جميع البيض أعضاء في عصابات «فرسان الليل»، ولم يشارك الجميع شخصياً في حرق البيوت. بعضهم اكتفى بالصمت، وبعضهم قال إنه يعارض «تجاوزات» الغوغاء، وبعضهم طالب بالهدوء، لكنهم جميعاً قبلوا النتيجة: مقاطعة خالية من السود. الفارق بين المتطرف والمعتدل لم يكن دائماً في رفض التطهير، بل في أسلوب الوصول إليه. الأول أراده بالنار والمشنقة، والثاني أراد استقرار الأوضاع بعد أن تنجز النار والمشنقة عملهما.
السياسة الأميركية تجاه لبنان تقوم على فارق مشابه بين الاعتراض اللفظي وقبول النتيجة المادية. قد تعلن واشنطن أنها تريد وقف النار وعودة المدنيين وانتشار الجيش اللبناني، لكنها لا تجعل الانسحاب الإسرائيلي الكامل شرطاً سابقاً ولا تطالب بوقف غير مشروط لهدم المنازل. بل تقبل أن يبقى عشرات آلاف اللبنانيين خارج قراهم إلى أن تُنجز عملية سياسية وأمنية قد تستغرق، وفق تقديرات نقلتها «رويترز» عن مسؤولين، أكثر من سنة. وبذلك يُطلب من المُهجّر أن ينتظر، ومن منزله أن يصمد تحت الجرافات، ومن أرضه أن تبقى مُعلّقة إلى أن يرضى المحتل عن الشروط الأمنية.
لا يمكن فصل هذه الوساطة عن طبيعة العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فالولايات المتحدة ليست مراقباً يقف على مسافة واحدة من طرفين؛ إنها المُموِّل والمُسلِّح والحامي السياسي الأبرز لإسرائيل. وقد أكّدت وزارة الدفاع الأميركية أن المساعدة العسكرية المنتظمة لإسرائيل تبلغ 3.8 مليارات دولار سنوياً، موزّعة بين التمويل العسكري والدفاع الصاروخي. لذلك، حين تدخل واشنطن إلى المفاوضات بعد أن تكون الأسلحة الأميركية قد أسهمت في صنع ميزان القوة وفي تدمير البيئة العمرانية، فإنها لا تدخل بعد انتهاء دورها، بل تنتقل من إدارة الحرب إلى إدارة نتائجها.
الأخطر أن اتفاق الإطار الذي ترعاه الولايات المتحدة يتضمّن، امتناع الطرفين عن السعي إلى أشكال من المُساءلة القانونية عن أفعال الحرب. هذه ليست مادة إجرائية هامشية. إنها تعني الانتقال مباشرة من التدمير إلى النسيان، من دون المرور بالحقيقة والعدالة والتعويض. وقد أثارت هذه المادة اعتراضات في لبنان، فيما شدّد مفوّض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على ضرورة التحقيق في الأفعال التي قد تشكّل جرائم حرب.
يعلّمنا باتريك فيليبس أن التطهير العرقي لا يكتمل لحظة فرار آخر عائلة، بل لحظة قبول العالم بأن غيابها صار طبيعياً. ولا يفشل التطهير بمجرّد توقّف القصف، بل عندما يعود الناس، وتُبنى البيوت، وتُزرع الحقول، وتُستعاد الأسماء والملكيات، ويُحاسب من صنعوا الخراب. أمّا السياسة الأميركية التي تربط عودة اللبناني إلى قريته برضى إسرائيل عن ترتيبات لبنان الداخلية، فهي لا تعالج الاقتلاع، بل تمنحه زمناً سياسياً كي يترسّخ.