آخر الأخبار

ما وراء هجوم سلام فياض على السلطة الفلسطينية؟

F100808IR011-640x400-1

محمد دلبح

حتى لا يختلط الأمر على شعبنا الفلسطيني، ويقع مجدّدًا ضحية سياسيين فلسطينيين «مخادعين» ومرتبطين بالسياسة الصهيوأميركية الهادفة إلى تأبيد الاحتلال الصهيوني في فلسطين، فإن من بين هؤلاء الذين أعنيهم سلام فياض، الذي، منذ إطاحته من رئاسة حكومة سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية عام 2013 على أيدي قيادات مؤثّرة في حركة «فتح» كانت تتخندق ضمن مجموعة مستشاري رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ظل يتحيّن الفرص مع كل أزمة تعيشها سلطة عباس ليقدّم نفسه بديلًا منها.

فما الذي قاله فياض في مقابلته مع مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، وأثار ردود فعل مؤيّدة ومعارضة؟
قال إن السلطة الفلسطينية، بتركيبتها السياسية والهيكلية الحالية، «باتت غير قابلة للإصلاح»، مشدّدًا على أن معالجة الأزمة الراهنة تتطلب إعادة هيكلة سياسية شاملة، بدلًا من الاقتصار على الإصلاحات الإدارية أو التكنوقراطية. وأوضح أن اختزال أزمة الحكم في «تحسين الكفاءة الإدارية» يُعدّ تشخيصًا قاصرًا، مشيرًا إلى أنه «لو أصبحت السلطة في أعلى درجات الكفاءة الإدارية، كفنلندا مثلاً، فلن يكون ذلك وحده كافيًا لمنحها الشرعية والتوافق الوطني لتمثيل قطاع غزة والضفة الغربية».

وطرح فياض في المقابلة ما يعتقد أنه رؤية متكاملة للخروج من الانسداد السياسي، ترتكز على مسارين:
– المسار الداخلي: تفعيل «الإطار القيادي الموحّد» لمنظمة التحرير الفلسطينية، ليشمل الفصائل غير المنضوية تحتها، كحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، والتوافق من خلاله على تشكيل حكومة كفاءات مستقلة (غير حزبية) تتولى إدارة غزة والضفة الغربية خلال فترة انتقالية، وتدير ملفات الإغاثة والإعمار، والتحضير لانتخابات عامة.

-المسار الدولي: تجاوز صيغة المفاوضات الثنائية غير المتكافئة، والعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يعترف صراحة بحق الشعب الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة على أراضي عام 1967، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
وأوضح فياض أن القرار الصادر عن مجلس الأمن هو الوحيد الذي لا تملك أي حكومة إسرائيلية حق النقض (الفيتو) ضده، مؤكدًا أنه يمثّل الآلية الكفيلة بتصحيح «الخلل الهيكلي» في اتفاقيات أوسلو، التي شهدت اعترافًا فلسطينيًّا بإسرائيل من دون اعتراف إسرائيلي مقابل بالدولة الفلسطينية.

بدا وكأنه يقدّم نفسه خليفةً لمحمود عباس أو رئيسًا مقبلًا لحكومة السلطة الفلسطينية

وما طرحه فياض في مقابلة «فورين أفيرز» سبق أن طرحه قبل نحو عامين، في مقابلة مع مجلة «فورين بوليسي» في آب/أغسطس 2024، في ظل تعاظم جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة، حين كان يتحدّث من مقرّ عمله في جامعة برنستون بولاية نيوجيرسي الأميركية. وفي تلك المقابلة، بدا وكأنه يقدّم نفسه خليفةً لمحمود عباس أو رئيسًا مقبلًا لحكومة السلطة الفلسطينية.
لكن ما هو دور فياض في السلطة سابقًا؟

شكّل تعيين فياض، الآتي من العمل في صندوق النقد الدولي، رئيسًا لحكومة السلطة الفلسطينية، وتنفيذ البرامج الحكومية التي استحدثها منذ عام 2007، تعزيزًا لنفوذ الرأسماليين داخل المؤسسة السياسية الفلسطينية. وفي معظم الأحيان، تبوّأ رجال الأعمال والتكنوقراطيون المؤيّدون للرأسمالية مناصب وزارية رئيسية في حكومتيه.

ويُعد فياض من أبرز السياسيين والاقتصاديين الفلسطينيين الذين روّجوا لثقافة التطبيع الاقتصادي مع كيان الاحتلال الصهيوني. ففي عام 2008، وخلال تولّيه رئاسة الحكومة، وفي ظل الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية، نظّم «مؤتمر الاستثمار الفلسطيني» بهدف جذب رؤوس الأموال الخارجية لدعم البنية التحتية الاقتصادية الفلسطينية، تحت شعار تعزيز الصمود الفلسطيني من خلال تقوية الاقتصاد وجذب الاستثمارات الخارجية.

وقد أُطلق على هذا النهج اسم «الفياضية»، نسبة إلى سلام فياض، وهو يقوم على فكرة الصمود الاقتصادي وتوفير مستوى معيشي أكثر رفاهًا للفلسطينيين، مقابل تخفيف حدّة الصراع مع الاحتلال.

تركة وإرث فياض

لعل أسوأ ما فعله فياض خلال تولّيه رئاسة الحكومة هو نشر ثقافة الاستهلاك في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني، من خلال تسهيل الإقراض المصرفي الخاص. فقد أصبحت رواتب موظفي السلطة تُحوَّل إلى حساباتهم المصرفية، وهو النظام الذي وضع أسسه سلام فياض، فيما كانت القروض تُمنح في معظمها بضمان الراتب، الأمر الذي شجّع ثقافة الاستهلاك وأوقع كثيرين في فخ الديون، بما يمثّل أحد جوانب السيطرة الاجتماعية لسلطة فلسطينية محلية مرتبطة بكيان الاحتلال الصهيوني.

ووفقًا لسلطة النقد الفلسطينية، قفزت القروض الفردية إلى نحو مليار دولار عام 2013، وهو العام الذي شهد استقالة فياض، مقارنة بنحو 494 مليون دولار عام 2009، أي بعد نحو عامين من تولّيه رئاسة الحكومة. كما يُقدَّر أن 75% من موظفي القطاع العام مدينون.
وتُستخدم الديون الشخصية في المقام الأول لتمويل الاستهلاك، بما في ذلك الرهن العقاري، وشراء السيارات، ودفع تكاليف الزواج، وشراء الأجهزة الكهربائية، ونادرًا ما تُستثمر في أنشطة إنتاجية.

ويرى الباحث طارق دعنا أن لهذه الحالة من المديونية الشخصية تداعيات اجتماعية كبيرة، لأنها تشجّع النزعة الفردية، وتوجّه الاهتمام نحو الشواغل الشخصية الخاصة، بما يدفع الناس، بصورة منهجية، إلى الابتعاد عن القضايا الوطنية الحاسمة. كما أنها تعزّز اللامبالاة السياسية، وتُضعِف التفكير النقدي، والجهود المناهضة للطبيعة القمعية للنظام.

وقد أدّت سياسة فياض إلى فتح خزائن البنوك، التي كانت سابقًا تنتهج سياسة إقراض متحفّظة، لإطلاق برامج تمويل واسعة، جعلت نسبة كبيرة من نحو 160 ألف موظف في السلطة يعملون أساسًا لسداد ما اقترضوه.
وفي هذا السياق، يقول الاقتصادي والناشط الفلسطيني الأميركي المقيم في رام الله، سام بحور: «مجتمع غارق في الديون لا يتمرّد على السلطات القائمة. عندما تستدين لتشتري منزلًا أو سيارة، فإنك لا تنزل إلى الشارع للاحتجاج».

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة