آخر الأخبار

اتفاق الإطار اللّبناني – الإسـرائيلي: هل يصبح لبنان مُستعمَرةً إسرائيليّة؟ [4]

f4595535-f03d-414e-8018-aabe63f40138-rqdsu97sijlzpwwhpk768mtahathqoaiqdt9i2y9v4

أسعد أبو خليل

البند الثالث من اتّفاق الإطار يشرح كيف يصبح لبنان مُستعمرَة إسرائيليّة وكيف يصبح بنوه رهائن بيد جيش الإبادة الإسرائيلي. يقول بالحرف: «بعد تأكيد نزْع سلاح ناجح للمجموعات المسلّحة خارج الدولة وتفكيك بناها التحتيّة في هذه المناطق، سيتسلّم (لاحظوا لهجة الأمر الإسرائيليّة فيما كان مفترضاً أن يكون بياناً مشتركاً من لبنان وإسرائيل وأميركا، وهذه اللّهجة لم تُستعمل مرّة في نصّ الاتّفاق لمطالبة إسرائيل بأيّ شيء على الإطلاق) الجيش اللّبناني مسؤوليّة أمن كامل وفعّال في تلك المناطق، عندها ستبدأ جهود إعادة الإعمار المدعومة دوليّاً وسيكون بمستطاع المدنيّين اللّبنانيّين العودة الآمنة لهذه المناطق تحت سيطرة وحيدة لسلطات الدولة اللّبنانيّة».

أي إنّ إسرائيل تقرّر متى يبدأ الإعمار ومتى يعود السكّان بناءً على تنفيذ الجيش للأوامر. وعودة السكان والإعمار مشروطَان بموافقة إسرائيل. سمحت الدولة لإسرائيل بإملاء هذا الشرط من دون أيّ اعتراض منها. ولا يذكُر الاتّفاق الثمن الذي يمكن أن يدفعه الجيش والوطن بسبب الأوامر الإسرائيليّة. وفي البند الرابع، تأخذ الدولة اللّبنانيّة الكلام وتقول إنّها «تؤكّد التزامها الصارم وغير القابل للرجعة لفرْض ممارسة السيادة على أراضيها». وتكرّر عزْمها على «فرْض سيادتها على كلّ أراضيها». لكنْ أن تؤكّد الدولة اللّبنانيّة ذلك أمام دولة أجنبيّة، تكون قد وضعت نفسها تحت سلطة الدولة الأخرى. هي تقدّم طاعتها ورغبتها بتنفيذ أوامر الدولة المُسيطرة. وتؤكّد أيضاً على «احتكار الدولة للسلاح» كأنّ ذلك شأن في العلاقات اللّبنانيّة-الإسرائيليّة (أصبحنا نتحدّث، يا للهول، عن علاقات لبنانيّة إسرائيليّة فيما لا يزال الاحتلال والعدوان الإسرائيليان مُستمرَّيْن).

وتلتزم الدولة بتحقيق «نزْع سلاح كامل ومُحقّق لكلّ المجموعات المُسلّحة خارج نطاق الدولة». يا ليتَ دولة لبنان نالت تعهّداً مماثلاً من دولة العدوّ التي تسمح بعصابات مسلّحة خارج نطاق الدولة في الضفة الغربيّة لتقوم بعمليّات إحراق وقتْل واحتلال للسكان الأصليّين. هل كانت أميركا ستسمح بذلك؟ وفي هذا السياق، تطلب دولة لبنان غير المستقلّة عونَ «شركاء عرب ودوليّين» ولم تسمِّ منهم إلّا الولايات المتّحدة إذ وضعت الشركاء تحت قيادتها.

البند الأسوأ في الاتّفاق السيّئ بكلّ مضمونه هو البند الخامس. هذا البند يضع لبنان رسمياً تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي. تقول إسرائيل في هذا البند: «إنّ حكومة إسرائيل تشدّد على أنّ أعمالها العسكريّة في لبنان هي كليّاً نتيجة لاعتداءات وتهديد ونيات عدوانيّة من قِبل مجموعات مسلّحة خارج نطاق الدولة، خصوصاً حزب الله». هذا البند سيحرم لبنان (الذي وافق عليه بموافقته المخزية على الاتّفاق) من حقّ مقاضاة إسرائيل حول كلّ أعمال العدوان والاحتلال في السنتَين الماضيتَين إن لم نقل أكثر. كان يمكن للحكومة اللّبنانيّة أن تسجّل، في نصّ الاتّفاق، اعتراضها أو تحفّظها على هذا البند من باب المبدأ والدفاع عن الكرامة الوطنيّة وعن حقّ الأجيال المقبلة في رفع دعاوى وشكاوى ضدّ دولة إسرائيل.

لكنّ صمت حكومة لبنان على هذا البند يعني تسليماً قانونياً كاملاً بالسرديّة الإسرائيليّة. تبنّت حكومة لبنان منطق أنّ إسرائيل هي دولة ضحيّة وأنّ دولة لبنان، ممثّلةً عبر السنوات بقوى مقاومة لبنانيّة وفلسطينيّة (سبقت وجود حزب الله)، هي المعتدية على إسرائيل المظلومة. على حكومة لبنان أن تستعدّ لدعاوى في محاكم نيويورك من عائلات يهوديّة إسرائيليّة ستزعم فيها أنّها وقعت ضحيّة أعمال يجب أن تُحاسَب عليها دولة لبنان وأنّ عائلات «ضحايا» إسرائيل تستحقّ تعويضات بمئات الملايين، كما حدث ظلماً وعنوةً مع «البنك العربي» في الولايات المتحدة الأميركيّة.

وتضيف حكومة إسرائيل أنّ «حاجتها لأعمال من جيشها أو لتواجد في لبنان» مشروط بما ستنفّذه حكومة لبنان من أوامر ستأتيها من حكومة إسرائيل وبإشراف حكومة أميركا الحياديّة والنزيهة. لبنان أعطى لإسرائيل الحقّ في احتلال أرضه وشنّ العدوان عليه في هذا البند لأنّه برّأ إسرائيل منذ 1948 من أيّ جرم في عدوانها على لبنان الذي بدأ بمجرّد أن وقّع الطرفان على اتّفاق الهدنة في عام 1949 (وفي هذا الاتّفاق الشهير رحّب الوفد اللّبناني بالوفد الإسرائيلي بالقول: «نحن لسنا عرباً» ثم طلب الوفد الخروج عن المحضر الرسمي كي يأخذوا راحتهم في الحديث). وبعد أن أعطت إسرائيل لنفسها الحقّ باحتلال أرض لبنان وشنّ العدوان عليه زادت بأنّه ليست لديها «أطماع» في أرض لبنان، هذا في الوقت الذي يعبّر فيه وزراء نافذون في حكومة العدوّ عن أطماع في لبنان.

صحيح أنّ البند السابع يتحدّث عن حقّ الدولتَين، حتى بوجود اتّفاق الإطار، في الدفاع عن النفس. لكنّ البند يعني حقّ إسرائيل فقط، لأنّ لبنان تخلّى عن حقّه في البنود التي سبقت. ولتأكيد ذلك، يضيف هذا البند، أنّه لا حقّ لأيّ طرف ثالث (خارج نطاق الدولتَين) في الدفاع عن النفس بالنيابة عن الدولة

البند السادس هو البند الذي رأت فيه أميركا أنّه فرصة للبنان كي يضع سرديّته مقابل سرديّة إسرائيل. كان يمكن للبنان في البند السادس أن يردّ على مزاعم إسرائيل وأكاذيبها في البند الخامس. لكن، عوضاً عن ذلك، تنصّلت حكومة لبنان من حقوقها ومن أولويّة الدفاع عن نفسها وحقّها وأرضها، وكرّرت مطالب إسرائيل. أي إنّ حكومة لبنان أفردت مساحة البند السادس لحكومة إسرائيل كي تدلي بدلوها، وباسم حكومة لبنان. لم تضع حكومة لبنان أيّ لَوم على إسرائيل في كلّ الاتّفاق. هذا اتّفاق إملاء من إسرائيل على لبنان. والبيان يجب أن يُدين ويُشين كلّ حكومة لبنان بكلّ أفرادها، والذين ارتضوا البقاء في حكومة لبنان بوضْع بصمات أحزابهم على الاتّفاق، بصرْف النظر عن كلام المقابلات التلفزيونيّة الذي لا قيمة قانونيّة أو دوليّة له.

حكومة لبنان كرّرت هنا أنّ قوّاتها ستكون لديها المسؤوليّة الحصريّة في الحفاظ على أمن لبنان والدفاع عنه، وأنّها ستحتفظ بحرّية اتّخاذ قرار الحرب والسلم. هذا الكلام المُخادِع لا يمكن أن ينطلي: هو يعني أنّ حكومة لبنان سلّمت لحكومة إسرائيل وراعيتها في واشنطن حقّ الإشراف على قوّاتها الأمنيّة وعلى جيشها لتنفيذ ما تطلبه منها إسرائيل، وأنّ قرار الحرب والسلم – الذي لم يكن يوماً منذ عام 1948 بيد دولة لبنان، ولا حتى بيد المقاومة الفلسطينيّة أو اللّبنانيّة-سيكون حصراً بيد حكومة إسرائيل، هي التي ستقرّر متى تشنّ الحرب على لبنان ومتى تتوقّف، مع مباركة من حكومة لبنان («شيك على بياض») لكلّ الأعمال الحربيّة والإرهابيّة التي ستشنّها إسرائيل ضدّ لبنان. لا، وبدلاً من أن تردّ حكومة لبنان الساقطة على مزاعم إسرائيل وأباطيلها، قرّرت في البند الخاص بعرْض وجهة نظرها، أن تردّ على طرف لبناني لأنّه يعادي إسرائيل. تقول حكومة لبنان إنّها ترفض حقّ أيّ طرف خارج الدولة في استعمال العنف بالنيابة عنها من دون «إذن صريح» منها.

وتضيف حكومة لبنان أنّ أيّ عمل عُنفي من قِبل أيّ طرف لبناني هو عمل غير قانوني. ما تقوله حكومة لبنان هنا إنّه لا يحقّ لأهل الجنوب الدفاع عن أرضهم (وليس من حقّ الجيش اللّبناني الدفاع عن أرض لبنان، كما نرى في حالة حصريّة السلاح الحاليّة حيث تتحرّك قوات الجيش اللّبناني بناءً على أوامر وتوصيات إسرائيليّة، ولا يحقّ لجيش لبنان الردّ برصاصة على أيّ عمل عدواني إسرائيلي على قواته الرسميّة، من قوى أمن وجيش). وإعلان عدم قانونيّة أيّ عمل عسكري خارج نطاق الدولة يعني تجريماً مطلقاً، من دون تحديد مدّة زمنيّة أو حالة سياسيّة، لأعمال الدفاع عن النفس في لبنان. حتى حقّ الدفاع عن النفس في أرض لبنان ممنوع على لبنان، كي يستقيم لإسرائيل فرْض سيادتها وهيمنتها بموافقة كليّة من حكومة لبنان الخانعة.

صحيح أنّ البند السابع يتحدّث عن حقّ الدولتَين، حتى بوجود اتّفاق الإطار، في الدفاع عن النفس. لكنّ البند يعني حقّ إسرائيل فقط، لأنّ لبنان تخلّى عن حقّه في البنود التي سبقت. ولتأكيد ذلك، يضيف هذا البند، أنّه لا حقّ لأيّ طرف ثالث (خارج نطاق الدولتَين) في الدفاع عن النفس بالنيابة عن الدولة. هنا، ترى أنّ لبنان حرم الدولة وقوى المجتمع والأهالي من حقّ الدفاع عن النفس فيما اعترف بها في حالة إسرائيل فقط. إنّ هذا الاتّفاق هو ارتكاب فعل الخيانة وسيصنّفه التاريخ بهذه الصورة.

وفي البند الثامن، تدعو الحكومة اللّبنانيّة الحكومة الإسرائيليّة دعوةً رسميّةً للتدخّل الصفيق في كلّ شؤون لبنان. تقول: «إنّ البلدَين يؤكّدان أنّهما يتشاركان في هدف تحقيق لبنان آمن ومُعاد بناؤه، وتحت السيطرة الكلية لسيادة الدولة اللّبنانيّة، حيث لا وجود لأيّ مجموعة مسلّحة خارج الدولة تشكّل تهديداً لإسرائيل ولبنان ولمواطني الدولتَين». في هذا البند، تَحقّق فناء الذات اللّبنانيّة في الذات الإسرائيليّة، أو أنّ دولة لبنان تكنُّ حُبَّين لا حبّاً واحداً لدولة لإسرائيل. وما شأن دولة لبنان لو أنّ مجموعة تشكّلت في لبنان لتهديد إسرائيل لفظيّاً؟

هذا البند هو تكرار لبند صريح في اتّفاقيّة 17 أيّار والذي بموجبه حظرت إسرائيل على لبنان حريّة التعبير إذا كانت تتضمّن آراء سلبيّة أو معادية لإسرائيل. وتتحدّث المادة عن «عودة آمنة للسكّان المدنيّين وتحقيق الأمن للأهالي في شمال إسرائيل». أي إنّ الأمن هو حقّ لليهود الإسرائيليّين وليس للّبنانيّين على الطرف الآخر من الحدود اللّبنانيّة-الفلسطينيّة. هذه هي المساواة الظاهرة والكَيل بمكيالَين في المضمون: للسكان اللّبنانيّين العودة فقط، أمّا «الأهالي» (الجنوبيّون ليسوا أهاليَ) في دولة إسرائيل فهم يحظون بـ«الأمن» بضمان من حكومتي الاتّفاق المشؤوم.

تلتزم حكومة لبنان في المادة التاسعة بالـ«خضوع» لـ«برنامج صارم يعتمد على الأداء» للوصول إلى مرحلة «تصل فيها قدرات الجيش اللّبناني إلى نشر سيطرة عسكريّة وأمنيّة كاملة في لبنان بناءً على إجراءات أمنيّة» (طبعاً، بالتشارك مع دولة إسرائيل التي هي شريك في الحُكم في لبنان بعد توقيع الاتّفاق). وستقوم الدولة المأمورة بنزْع سلاح كلّ المجموعات المسلّحة خارج نطاق الدولة. لا، وتقول حكومة لبنان في البند هذا بأنّها «ترحّب باستعداد الولايات المتحدة للمساعدة في هذه الجهود». لا يمكن تصنيف مساعدة الحكومة الأميركيّة إلّا بالعمل الخيري. لكنّ المساعدات الأميركيّة مشروطة بـ«محطّات قابلة للتحقّق وشفافية كاملة ونتائج ظاهرة»، أي ظاهرة للعين الإسرائيليّة.

(تمّت)

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة