آخر الأخبار

اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي وقضية اللاجئين الفلسطينيين

f807cd37-75e4-46ab-b61b-8c8e95aa82c2-rp07o071nryijb7th4cfszxnluzkqhqcxz5j7b5ugg-rqcpvypqndz94jt53wuywzwak8jbeiahlomo2856k0
حمزة البشتاوي

تكشف أي قراءة موضوعية ومتأنية لنص اتفاق الإطار بين السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال الإسرائيلي، الموقَّع في 26 حزيران/يونيو 2026، عن محاولة أمريكية إسرائيلية واضحة لإعادة صياغة البنية الأمنية والسياسية التي نشأت في لبنان بعد عدوان تموز وانتصار المقاومة عام 2006.

ويعتقد كثيرون أن اتفاق الإطار محكوم بالفشل، ولا سيما أنه لا يتحدث عن إنهاء الحرب، بل يحاول، من وجهة نظر أمريكية، إعادة تعريف أسباب الصراع مع الاحتلال وروايته، وإظهار مقاومة الاحتلال على أنها السبب في استمرار الصراع، وهو ما يجعل، لدى البعض، مفهوم السيادة والاستقلال مرتبطًا بالسكوت عن الاحتلال وليس بمواجهته.

وتُظهر بنود الاتفاق الأربعة عشر عدم التزام الاحتلال بأي شيء، بل تربط ما يُسمى إعادة انتشار قواته بتنفيذ شروطه، وذلك بعيدًا عن جوهر الصراع الحالي المتمثل بالعدوان والاحتلال، ومطلب الانسحاب الكامل، وعودة الأهالي، ووقف الانتهاكات، واستعادة الأسرى، وإعادة الإعمار. بل يذهب الاتفاق أبعد من ذلك نحو تبني الرواية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة بشأن إعادة تشكيل الدولة اللبنانية، وليس إنهاء الاحتلال، وهو بذلك يُعد، في نظر منتقديه، أسوأ من اتفاق 17 أيار عام 1983 بعشرات المرات.

لقد جاء اتفاق الإطار بين السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال الإسرائيلي في مرحلة دقيقة وحساسة من تاريخ الصراع، حيث يُلاحظ، من خلال بنوده ومساراته التنازلية، غيابٌ تام لأي حضور مباشر أو غير مباشر للقضية الفلسطينية وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين. وبدلًا من ذلك، يركز الاتفاق على إعادة انتشار قوات الاحتلال وتنفيذ انسحاب تدريجي محدود من قرى أُطلق عليها اسم “مناطق تجريبية”. ولعل الأخطر من ذلك هو الحديث عن إنهاء حالة العداء التي نشأت أصلًا بفعل النكبة وقضية اللاجئين، والانتقال إلى مسار تفاوضي مباشر وصولًا إلى ما يُسمى اتفاق سلام.

وتشير بنود اتفاق الإطار، الذي أُبرم برعاية أمريكية، إلى أنه عبارة عن صفقة أمنية سياسية بعيدة كل البعد عن عناوين وأسباب الصراع مع كيان الاحتلال، المستمر في عدوانه على غزة والضفة الغربية و القدس وجنوب لبنان. ويحاول الاحتلال أن يختبئ وراء هذا الاتفاق، الذي تريد إدارة ترامب من خلاله منح نتنياهو جائزة ترضية وإدارة الأزمة بدلًا من حلها، كما تشير الوقائع المحيطة باتفاق الإطار ومساره التنازلي، الذي يعكس مقاربة خطيرة للوقائع والأحداث.

ويأتي ذلك وسط واقع مرير وقاسٍ يعيشه لبنان والقضية الفلسطينية، التي تقف اليوم عند منعطف هو الأخطر في تاريخها. ومن هنا تبرز المخاوف من هذا الاتفاق وتبعاته على القضية الفلسطينية، من دون أن يحقق أيًا من المصالح الوطنية اللبنانية، وفق ما صدر من تصريحات وبيانات عن غالبية القوى السياسية الرافضة لهذا الاتفاق، لما يحمله من مخاطر تتمثل في استمرار العدوان، وربط انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي بنزع عناصر القوة في لبنان، ولا سيما سلاح المقاومة.

وهذا الأمر لا يمكن فصله عن السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، وهو ما قد يضع الجميع أمام معضلة بنيوية، إذ تتعارض بنود هذا الاتفاق، وكذلك التصريحات الرسمية، مع الخصوصية السياسية والأمنية التي عاشتها المخيمات الفلسطينية في لبنان لعقود، بوصفها قلاعًا رمزية لرفض مشاريع التوطين والتمسك بحق العودة.

أما فيما يتعلق بوجود إيجابيات في هذا الاتفاق، فإن الإيجابية الوحيدة، وفق هذا الطرح، تتمثل في أنه اتفاق لا يمكن الدفاع عنه، حتى من قبل الذين وقعوا عليه، باعتباره اتفاقًا غير واقعي وغير قابل للتنفيذ. ومع ذلك، يتمسك به بعض المسؤولين في السلطة اللبنانية، فيما يرى آخرون أنه يُستخدم لتوجيه ضربات سياسية واجتماعية إلى المقاومة، إضافة إلى الضربات العسكرية، وإدخال لبنان في دائرة التجاذبات الأمريكية الإسرائيلية، والتشكيك بواجب العمل على تحرير الأرض والحق في مقاومة الاحتلال.

وفي لبنان، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، برزت قوى سياسية لبنانية اتخذت موقفًا عدائيًا من الوجود الفلسطيني، وروجت هذه القوى لفكرة أن الفلسطيني هو من جرَّ لبنان إلى الصراع مع الاحتلال. غير أن الوقائع التاريخية تكذب هذه الرواية، كما تكذبها الأطماع التوسعية الإسرائيلية التي عبّر عنها مؤخرًا نتنياهو بعرضه لما يُسمى خرائط “إسرائيل الكبرى”. وهو يسعى اليوم إلى إخراج الفلسطينيين من المعادلة السياسية وتصفية قضية اللاجئين عبر مشاريع ومؤامرات التهجير والتوطين.

وهذا ما يستدعي من السلطة اللبنانية أن تذهب نحو إيجاد مساحة تفاهم، وإرساء أسس وقواعد للتعاون مع الفلسطينيين الذين يرفضون التوطين ويتمسكون بحق العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها قسرًا عام 1948. وهذا، في نظر الكاتب، أهم من الذهاب نحو اتفاق إطار من هذا النوع، قد يفتح ثغرات أمام المتربصين الدوليين والإقليميين والمحليين لغرس أسافين الخلاف، بما يربك لبنان وشعبه وجيشه ومقاومته، ويدخل قضية حق العودة في فخ محاولات التصفية وشطب الحقوق المشروعة.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم من الجميع العمل على فهم وإدراك مخاطر اتفاق الإطار، والتحلي بالوعي والحوار في مواجهة هذه المخاطر والتحديات، والتصدي للمحاولات الأمريكية الإسرائيلية التي تسعى إلى استبدال الفشل العسكري والسياسي بزرع الفوضى في كل مكان.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة