آخر الأخبار

«متراس» وبؤس المزاوجة بين المقاومة و«السنّية السياسية»

8fede3af-3218-4fb7-988d-26f80699e842

صدقي عاصور

في ظل الحرب الحالية، نشرت منصّة «متراس» الفلسطينية عدة تقارير تتناول إيران وما حولها. وبالرغم من ذلك، استمرت المنصّة في السياسة التحريرية القائمة على أولوية تغطية التضامن الفلسطيني-السوري على تغطية التضامن الفلسطيني-اللبناني الجنوبي. هنالك شحّ في المراسلة بشأن أحداث جنوب لبنان. وفي جنوب سوريا، نشرت المنصّة تقريراً عن معتقلين في سجون الأسد باتوا مُعتقلين في سجون إسرائيل، على نحو يدلّل كم يرغب المحرّر في إطالة عمر هذا التضامن، متجاهلاً واقع مسار التطبيع بين كل من دمشق والسويداء مع إسرائيل.

هذا التضامن مع السوريين كان علمانيَّ و«حيفاويَّ» الطابع، لكن بعد خلافات «متراس» مع حلفائها في تلك النخبة الثقافية على إثر اتخاذ المنصّة موقفاً يعارض «فلسطنة» نقاش سياسات الهوية والليبرالية الثقافية الأميركية، ما أدّى إلى استقالة «علمانيّي متراس»، تبيّن أكثر الطابع الطائفي السنّي لموقفها من المسألة السورية.
أخيراً، نشر الكاتب المصري بلال هشام على المنصة مقالاً عن الفرق بين العداء لإسرائيل والعداء لإيران، يُظهِر التناقضات الصارخة بين السنّية السياسية ومعاداة الإمبريالية.

القوة الخليجية الرابعة: كيف ننتقد إيران على نحو سليم؟

ليست مشكلة النص في معاداته لإيران فحسب بل اعتباره الغرب ككل عدواً سياسياً ووجودياً. هذا يذكّر بما قاله صادق جلال العظم: «لا غرابة في أن يستعيض الإسلامانيون، في تفكيرهم السياسي، عن التعارض المألوف بين حركات التحرر الوطني من جهة والسيطرة الإمبريالية من جهة ثانية، بتعارض من نوع آخر، أي التعارض بين الشرق والغرب».

هذا يندرج في مغالطات منهجية صناعة الأعداء. فالنخب الغربية، أي «الناتو» في أوروبا والحزبان الجمهوري والديمقراطي في أميركا، يعيدون استغلال وإفقار الطبقات العاملة لشعوبهم (بمن فيهم المحافظون المسيحيون والثوريون اليهود المناهضون لإسرائيل) عن طريق صناعتهم للشرق كعدو وجودي تماماً كما تصنع البرجوازيات العربية الموالية والمعارضة أعداءها لمصادرة السياسة من الناس.
الطبقة الوسطى العربية المتفرّجة، البعيدة عن الحروب والصراعات، لطالما رأت في فلسطين فرصة لتأكيد صورتها كضحية دائمة للغرب، من ثم جاءت الثورة السورية كمنجم ذهب سيكولوجي لإعادة تأكيد هذه النظرة للذات من منظور طائفي قائم على «السنّية السياسية».

فكرة أن إسرائيل تقمع المسلمين، أي الملياري مسلم، هي نرجسية متخيّلة تُدخِل الإنسان في معركة وهمية مع الكيان دون العيش تحت احتلاله أو تحمّل مشقّة وأعباء قتاله كما يعيش أهل فلسطين وأهل جنوب لبنان وجنوب سوريا وكما يعيش الإيرانيون في أيام القصف.
من هذا التفكير النرجسي يتم اشتقاق فكرة إيران كمجرمة بحق ملياري سنّي. بالبداية يدافع بلال هشام عن «فرحة السوريين» بقصف إيران. لكن إن كان ثمة «عدالة إلهية» تطاول كل من «آذى السوريين»، أليس غريباً أن يصبح من تعرّض لذلك القصاص بطلاً اغتالته إسرائيل أو أميركا، وألا ينبغي أن يموت بأن ينقلب عليه شعبه أو أن يصاب بمرض قاتل نتيجة لـ«دعاء المسلمين»؟

المشكلة الأساسية في «السنّية السياسية» هي في إفقارها للإسلام السياسي كظاهرة واثقة صانعة للحضارة وتأجيجه كظاهرة نرجسية صانعة للأعداء ومؤكّدة للذات الضحية

كذلك يتضامن الكاتب مع «مخاوف إﺧﻮﺗﻨﺎ في اﻟﺨﻠﻴﺞ»، وهذا أكثر ما يكشف لديه أولوية صراع «الأمّة/الطائفة» على الصراع الطبقي في مجتمعاتنا. من تغضبه إيران لأنها «دولة خليجية» تتدخّل في شؤون بلداننا يغضّ الطرف عن أنها القوة الرابعة بعد السعودية وقطر والإمارات في اتّباع هذه السياسة. ومن يغضب من أن نظام الأسد استحضر روسيا إلى سوريا يغضّ الطرف عن أن العرب استحضروا أميركا في الجزيرة العربية وفي غزو العراق (بالتعاون مع شيعة جورج بوش).

بإمكاننا نقد إيران بوصفها دولة رأسمالية-أمنية ذات رصيد من التدخل في كياناتنا الوظيفية الهشة، لكن من ناحية أخرى هو النقد ذاته الذي يذكر بأن الفرق بينها وبين الدول العربية هو في محاربتها لأميركا، وهذا لا يعني أننا والإيرانيين «أمة واحدة» في صراع مع أمم الغرب، بل إن إنجازات إيران في الميدان تفاقم أزمات النخب الغربية، ما يؤجّج أزمات نخب بلادنا ويزيد من إمكانية فرض التغيير السياسي بالإقليم.

الطائفية ليست طائفة بعينها… هي العدو

المشكلة الأساسية في «السنّية السياسية» هي في إفقارها للإسلام السياسي كظاهرة واثقة صانعة للحضارة، وتأجيجه كظاهرة نرجسية صانعة للأعداء ومؤكّدة للذات الضحية. نحن نتحدث هنا عن استيراد نموذج «السنّية السياسية» العراقي والسوري واللبناني (والذي قد يعاني من مظلومية حقيقية) والسلفي الخليجي (المتاجر بهذه المظلوميات) وفرضه عنوة على المجتمعات الفلسطينية والمصرية والمغاربية. بحيث تصبح مجازر ميدان رابعة مبرّراً لإدانة ضرب إيران للقواعد الأميركية في الخليج لأن الضحية في الحالتين سنّية!

ما لا يفهمه الإسلاميون المعادون لإيران هو أن المظلوميّة السنّية ليست حصراً نتاج قتال إيران لإسرائيل أو وجود إيران بالمنطقة، بل هو نتاج الطبيعة الطائفية للمجتمعات المشرقية والإرث العلماني العسكرتاري للأنظمة العربية، بداية من قمع اليمين الفاشي اللبناني للسنّة في الحرب الأهلية. مثلاً، الخطاب السوري المسيحي أو الدرزي العنصري تقشعر له الأبدان، حيث يعتبر رهاب الإسلام «نزعة صحية وإيجابية» على أثر ظهور الحركات الجهادية في المنطقة، وهو خطاب كاره للشيعة أو على الأقل يرى فيهم «أهون الشرّين».

ليست الفكرة هنا أن دم ابن غزة ليس غالياً بالنسبة إلى المشرقيين، لكنه ليس دماً «ليلكياً» كدم ابن الطائفة السنّية والدرزية والعلوية (صاحب مقولة «بشنو الفلسطيني أحسن مني»، العراقي غيث التميمي، غاضب من إيران لأنها ليست «وفية» للشيعة بقدر وفاء بول بريمر ومجلس الاحتلال الأميركي). وهذا أمر طبيعي في مشرق «عوديد ينون» العربي، فابن غزة هو أقرب إلى ابن رفح المصرية بطبيعته من قربه إلى أبناء الطائفة الواحدة في قرية مشرقية بعيدة.

في حال خروج «حماس» من الميدان، سوف تضعف أكثر مبررات السنّية السياسية في فلسطين كأساس لمعاداة الإمبريالية. أن تنشر «متراس» مقالاً يراعي «مخاوف الخليجيين» بعد الإبادة، هو تعبير عن أزمة النخب السياسية الفلسطينية ككل؛ «انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة» من الخليج والدوران الأبدي لـ«الثوار والمناضلين» في فلكه. لكنّ النخب ليست الناس. لا نريد أن تصبح فلسطين «كياناً متعالياً عن جسد الأمة يهون من آلام السوريين» كما يدعي بلال هشام، لكنّ المجتمع الفلسطيني بالفعل غريب عن المشرق، فحتى مع وجود جنرالات دروز إباديين في الجيش الإسرائيلي، فهو لم يستسلم أبداً للسنّية السياسية -إلا لدى بعض كتاب «متراس»- ولهذا إسناد أهل جنوب لبنان لغزة كان بحق حدثاً عربياً كونياً، ذلك لأنه أول حدث غير طائفي في المشرق منذ زمن بعيد.
* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة