آخر الأخبار

نتمنى أن يتغير وجه هذا العالم لكي يكون أكثر عدلًا وإنسانية.

7201dbb9-2a50-3635-3f38-c45ff2c33934

المطران عطاالله حنا

صوت الكنيسة سوف يبقى دومًا صوتًا ينادي بالحق والعدالة ونصرة المظلومين.
الكنيسة الأرثوذكسية، وفي كثير من الأقطار، كان لها دور في حماية أبنائها والدفاع عن أوطانها في ظل سياسات المستعمرين بكافة مسمياتهم وأوصافهم، كما أن كثيرًا من الكنائس في عالمنا كان لها دور في القضايا الوطنية التي تخص شعوبها.
هنالك من يقولون لنا: لا تُقحموا أنفسكم في شؤون سياسية، ولهؤلاء نقول إن دفاعنا عن الشعب الفلسطيني المظلوم ليس تدخلًا في شأن سياسي لا يعنينا، بل هو موقف إنساني وأخلاقي نابع من قيمنا المسيحية التي تحثنا على أن نناصر المظلومين والمتألمين.
المسيحيون الفلسطينيون هم مسيحيون مطالبون بأن يتمسكوا بقيمهم الإيمانية وعقيدتهم المسيحية، وهم أيضًا فلسطينيون مطالبون بأن يكونوا ملحًا وخميرة لهذه الأرض، ومدافعين حقيقيين عن عدالة قضية إنما هي قضية كل الشعب الفلسطيني، وليست قضية جهة دون الأخرى أو فئة دون الأخرى.
القضية الفلسطينية هي قضية مسيحية بامتياز، ذلك لأن المسيحيين الفلسطينيين هم مكون أساسي من مكونات هذا الشعب المظلوم، كما أن فلسطين هي مهد المسيحية، ومنها انطلقت رسالة الإيمان المسيحي إلى كل مكان.
نحن نتحدث عن بقعة جغرافية صغيرة بمساحتها، لكنها كبيرة بمكانتها، ومن الناحية المسيحية فإن أهم المواقع التاريخية والمقدسة التي ترتبط بالإيمان المسيحي تقع في هذه الأرض المقدسة. فالسيد المسيح، من ميلاده ومهده، وحتى قبره وقيامته وانتصاره على الموت وصعوده إلى السماء، فإن كل هذا حدث هنا، في هذه البقعة المباركة من العالم التي تسمى فلسطين.
نحن لم نستورد المسيحية من أي مكان، ولم تأتِ إلينا المسيحية من أي مكان، فهنا شُيّدت الكنيسة الأولى، وهنا كانت العنصرة ويوم ميلاد الكنيسة.
المسيحيون الفلسطينيون يفتخرون بمسيحيتهم التي انطلقت رسالتها من هذه الأرض، كما يفتخرون أيضًا بانتمائهم لأرض مقدسة هي أرض التجسد والفداء والميلاد والقداسة والبركة والنعمة.
المسيحيون الفلسطينيون يفتخرون بانتمائهم لشعبهم، وهم ليسوا طائفة أو أقلية أو جالية أُوتي بها من هنا أو من هناك، بل هم أصيلون في انتمائهم لأقدس بقعة في هذا العالم، كما أنهم ينتمون إلى شعبهم الذي يتوق إلى العدالة والحرية والعيش حياة أفضل.
أقول للكنائس المسيحية في العالم، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية: إنكم عندما تدافعون عن فلسطين وشعبها المظلوم، إنما تدافعون عن أقدم وأعرق حضور مسيحي في هذا العالم، كما تدافعون عن أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الحديث.
لا تتأثروا بالتيارات التي تحرض على كل صوت مسيحي يدافع عن القضية الفلسطينية، ولا تخافوا من أي تهديد أو وعيد من أي جهة كانت، فالكنائس المسيحية في العالم يجب أن يكون صوتها صوتًا نبويًا ونورًا في ظلمة هذا العالم، وصوتًا يذكر المسؤولين جميعًا بمسؤولياتهم تجاه هذا الشعب المظلوم والمقموع، والذي يُستهدف في كافة تفاصيل حياته.
نحيي الكنائس المسيحية في العالم التي تصلي من أجل فلسطين وشعبها المظلوم، والتي تتخذ يومًا بعد يوم مواقف أكثر وضوحًا وجرأة تجاه معاناة شعب يستحق الحياة ولا يستحق أن يُعامل بهذه القسوة والهمجية التي يُعامل بها.
ننادي الكنائس المسيحية في العالم بأن يكون صوتها صوتًا مسيحيًا، والصوت المسيحي لا يتجاهل ولا يغض الطرف عن معاناة الإنسان وما يتعرض له من مظالم.
فلسطين تنزف دمًا، وشعبها يعيش المظالم المروعة والمؤامرات الخبيثة الهادفة لتصفية هذه القضية، فكونوا مع هذا الشعب المظلوم، وكونوا صوتًا لمن لا صوت لهم، ومنادين بالعدالة وتحقيق السلام الحقيقي الذي يصون حرية وكرامة الإنسان.
وفي هذا اليوم المبارك، وفي فترة صوم السيدة، نتمنى أن يصل صوت مسيحيي بلادنا وكنائسنا إلى كل مكان في هذا العالم، ونتمنى أن يكون هنالك تحرك على مستوى كافة الكنائس في المناداة بوقف مأساة شعب ذنبه الوحيد أنه يريد أن يحيا بحرية في وطنه.
وما نقوله للكنائس المسيحية في العالم نقوله لكل المرجعيات الدينية والروحية ومن كل الأديان، ففلسطين بحاجة إليكم، وبحاجة إلى مواقفكم المبدئية ورسائلكم الواضحة المنادية بإنهاء الاحتلال ووقف كافة المظاهر القمعية التي تستهدف الإنسان الفلسطيني.
نسألك يا رب، وفي صبيحة هذا اليوم، بأن تعطي الحكمة لمن فقدوها، وأن تعطي القدرة على التفكير لمن فقدوا القدرة على التفكير، وأن تعطي نورك لكل من يحتاجون إلى هذا النور، لكي ينتقلوا من الظلمة إلى النور الحقيقي، ولكي يكونوا صوتًا صارخًا بالحق والعدالة ونصرة الإنسان الفلسطيني المظلوم.
نصلي من أجل حكام هذا العالم، وخاصة أولئك الذين يغضون الطرف عن معاناة شعبنا، لكي يكونوا أكثر عدلًا وإنصافًا وإنسانية، وأن يعملوا من أجل رفع الظلم عن شعب مظلوم، ومن أجل تحقيق سلام حقيقي يُبنى على العدالة واحترام حقوق الإنسان.

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 21 آب 2026

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة