كتب عصام الحلبي
هناك فلسطينيون يعيشون بيننا منذ سنوات طويلة، لهم أسماء وعائلات وبيوت وذكريات، ولهم مكان في المخيمات والأحياء التي عاشوا فيها وكبروا بين أهلها. يعرفهم الناس بأسمائهم وعائلاتهم، ويعرفون أنفسهم وانتماءهم، لكنهم عندما يحتاجون إلى إثبات هويتهم رسميًا، يجدون أنفسهم أمام مشكلة لم يختاروها، وأمام معركة يومية مع الأوراق والإجراءات والانتظار. إنهم فلسطينيون فاقدو الأوراق الثبوتية، وقضيتهم ليست مجرد ورقة مفقودة أو معاملة مؤجلة، بل حياة كاملة تتأثر بهذا الغياب. خلف كل حالة إنسان له قصة، وخلف كل إنسان عائلة تخشى على مستقبل أبنائها، ومع مرور السنوات يصبح السؤال أكبر من مجرد وثيقة: كيف يعيش الإنسان بأمان وكرامة، وكيف يضمن لأطفاله مستقبلًا لا يحمل المشكلة نفسها التي عاشها؟
وحين تصبح الوثيقة غائبة، لا تبقى آثار المشكلة محصورة في المعاملات الرسمية، بل تمتد تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد يواجه فاقد الأوراق الثبوتية صعوبات في التعليم والعمل والزواج وتسجيل الأبناء، كما قد تصبح بعض الخدمات والمعاملات الأساسية أكثر تعقيدًا. وتبدأ هذه المعاناة أحيانًا منذ الطفولة، فالطفل الذي يولد في عائلة تعاني من فقدان الأوراق الثبوتية قد يجد نفسه أمام واقع لم يختره ولم يكن له أي ذنب فيه. ومع تقدمه في العمر، تتزايد حاجته إلى الوثائق، من المدرسة إلى الدراسة الجامعية، ومن العمل إلى الزواج، ثم إلى تسجيل أبنائه، فترافقه المشكلة مرحلة بعد أخرى.
ومع انتقال الإنسان من مرحلة إلى أخرى في حياته، قد يشعر أكثر بثقل هذا الوضع. فعندما يصل الشاب إلى مرحلة البحث عن عمل أو بناء أسرة، تصبح الحاجة إلى الوثائق أكثر إلحاحًا، وقد يجد نفسه أمام أبواب مغلقة أو إجراءات طويلة ومعقدة. وقد يشعر أن مستقبله متوقف على ورقة يبحث عنها، أو على معاملة ينتظر حلها منذ سنوات. وفي المقابل، يعيش الأهل هذا القلق معه، أب يخشى على مستقبل أولاده، وأم تخاف أن يكبر أطفالها وهم يحملون العبء نفسه، وأسرة بأكملها لا تعرف متى تنتهي هذه الدائرة.
ولأن الإنسان لا يعيش وحده، فإن أثر هذه المشكلة لا يتوقف عند صاحبها. فقد تمتد المعاناة إلى الأبناء، وربما إلى جيل آخر، عندما يولد طفل في عائلة لا تزال تعاني من فقدان الأوراق الثبوتية. يبدأ الطفل حياته في ظروف لم يخترها، وقد يجد نفسه مع مرور الوقت أمام الأسئلة نفسها التي واجهها والده أو والدته. وهكذا تتحول المشكلة من وضع يخص فردًا إلى معاناة تمس أسرة كاملة، وتصبح معالجة أصلها ضرورة حتى لا تستمر من جيل إلى آخر.
ومع كل هذه الصعوبات، تبقى هناك حقيقة أساسية يجب ألا تضيع وسط الحديث عن الأوراق والإجراءات، هؤلاء الناس ليسوا بلا هوية أو بلا أصل أو بلا انتماء. هم فلسطينيون يعرفون عائلاتهم وأصولهم وتاريخهم، وتعرفهم أسرهم ومجتمعاتهم، لكنهم يفتقدون الوثائق الرسمية التي تمكّنهم من إثبات هذه الهوية أمام الجهات المختصة. ولذلك من المهم أن يكون الحديث عنهم دقيقًا، وألا تختلط أوضاعهم بأوضاع فئات فلسطينية أخرى تختلف عنها من الناحية القانونية والإنسانية. فلكل فئة ظروفها، ولكل حالة خصوصيتها، والوصول إلى الحل يبدأ أولًا من فهم المشكلة كما هي.
ومن هنا أيضًا، فإن المطالبة بمعالجة أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية لا علاقة لها بالتوطين، ولا تعني التخلي عن حق العودة. الفلسطيني الذي يبحث عن وثيقة تثبت هويته لا يبحث عن وطن بديل، ولا يتنازل عن فلسطين. هو يريد أن يعيش بكرامة إلى أن يعود، وأن يتمكن خلال هذه السنوات من أن يبني حياة طبيعية ويحمي مستقبل أبنائه. يريد أن يتعلم، وأن يعمل، وأن يتزوج، وأن يسجل أبناءه، وأن يحصل على الخدمات الأساسية، وأن يستطيع إنجاز معاملاته دون أن يشعر بأن حياته كلها معلقة بسبب غياب وثيقة تثبت من هو.
وهذه المطالب، في جوهرها، ليست امتيازات خاصة، بل حاجات إنسانية أساسية. فالإنسان يحتاج إلى أن يشعر بالأمان، وأن يعرف أن أبناءه يستطيعون الذهاب إلى المدرسة، وأن مستقبله لن يبقى مجهولًا بسبب مشكلة لم يصنعها. ومن هذا المنطلق، فإن قضية فاقدي الأوراق الثبوتية تستحق اهتمامًا جديًا من الجهات اللبنانية والفلسطينية المعنية، إلى جانب المؤسسات الحقوقية والإنسانية، من أجل دراسة الحالات بصورة دقيقة، وفهم أسبابها، والبحث عن حلول قانونية وإنسانية ممكنة تحفظ كرامة أصحابها وتمنع استمرار المعاناة.
ولا يمكن أن يكتمل هذا الجهد من دون الاستماع إلى أصحاب القضية أنفسهم، لأن وراء كل ملف حكاية إنسانية قد لا تظهر في الأوراق. هناك من انتظر سنوات، ومن طرق أبوابًا كثيرة بحثًا عن حل، ومن عاش وهو يخشى أن تنتقل مشكلته إلى أبنائه. لذلك فإن معالجة الملف لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء إداري، بل خطوة تعيد إلى الإنسان شعوره بأن مستقبله ليس معلقًا إلى ما لا نهاية.
وفي النهاية، لا يكفي أن نعرف أن هناك أشخاصًا فاقدين للأوراق الثبوتية، المهم أن نرى الإنسان خلف هذه القضية. وراء كل حالة اسم، ووراء كل اسم عائلة، ووراء كل عائلة أطفال وأحلام بسيطة ،أن يذهبوا إلى المدرسة، وأن يجدوا طريقهم إلى العمل، وأن يتزوجوا، وأن يسجلوا أبناءهم، وأن يعيشوا بأمان، وأن يعرفوا أن الغد لن يكون نسخة أخرى من سنوات الانتظار التي عاشها آباؤهم.
لقد طال انتظار هؤلاء بما يكفي، ومن حق كل إنسان أن يكون له اسم مثبت، وهوية معترف بها، ووثيقة يستطيع أن يقدمها عندما يُسأل: من أنت؟
فقدان الورقة لا يعني فقدان الإنسان.
وفاقدو الأوراق الثبوتية الفلسطينيون ليسوا أرقامًا في تقرير، بل بشر يعيشون بيننا، لهم عائلات وحكايات وذكريات وأحلام، وكل ما يريدونه أن يصبح وجودهم مثبتًا على الورق كما هو ثابت في الحياة.
أما فلسطين، فتبقى فلسطين، وحق العودة يبقى حقًا لا يسقط. وما بين اللجوء والعودة، هناك حياة يجب أن يعيشها الإنسان بكرامة.