د. ليندا غدار
حين يصبح اللاهوت غطاءً سياسياً
ليست «الصهيونية المسيحية» مجرد خلاف لاهوتي داخلي، ولا قراءة نصوص إيمانية مجردة، بل هي مشروع سياسي أيديولوجي يربط قيام قيام كيان الاحتلال الحديث بنبوءات توراتية، ليمنح القوة العسكرية غطاءً مقدساً، ويحوّل الاستيلاء على الأرض والاقتلاع إلى “وعد إلهي” فوق النقاش.
في مواجهة هذا الانحراف الفكري، ارتفعت أصوات مسيحية فلسطينية من أرض المهد والقيامة. لم تطالب بامتياز طائفي، ولم تحوّل القضية إلى صراع ديني، بل أكدت أصل الصراع: شعبٌ يُسلَبُ حقه في الأرض والحرية وتقرير المصير. وتصدّت لممارسات تحويل الدين إلى أداة لتبرير الاحتلال والتمييز.
تتكامل في هذا الموقف أدوار أربع قامات فلسطينية: إدوارد سعيد بتفكيكه البنية الاستعمارية للخطاب، حنان عشراوي بنقلها الرواية الوطنية إلى المحافل السياسية، القس نعيم عتيق بتأسيسه للاهوت التحرير، وصولاً إلى القس متري الراهب الذي جمع بين الفكر اللاهوتي والبناء المؤسسي والتأثير العالمي.
تفكيك الخطاب ونزع الشرعية
إدوارد سعيد (تفكيك النظرة الاستعمارية): رغم أنه لم يكن لاهوتياً، قدّم سعيد المفتاح المعرفي للمواجهة من خلال كتابه «الاستشراق». كشف فيه كيف يصنع الغرب صوره عن الشرق ليبرر السيطرة عليه. وهي الآلية ذاتها التي تعتمدها الصهيونية المسيحية بإعطائها شخصيات توراتية قديمة حضوراً سياسياً يلغي وجود الفلسطيني الحي على أرضه. رأى سعيد أنّ استعادة الرواية الفلسطينية مواجهة مباشرة للمحو والتهجير.
حنان عشراوي (انتزاع حق الكلام): برزت في الدبلوماسية والإعلام بخطاب قانوني وثقافي متماسك (منذ مؤتمر مدريد 1991 وما بعده). خاضت المواجهة برفض المحاولات الغربية لتغييب الفلسطيني خلف صور توراتية متخيّلة، مؤكدة عبر حضورها السياسي والأكاديمي ومبادراتها الحقوقية أنّ الهوية المسيحية الفلسطينية شواهد حية تنفي مقولة “الأرض الخالية” أو اختزال الصراع في صبغة دينية مجردة.
نعيم عتيق (استرداد الإنجيل من الاحتلال): نقل عتيق (مؤسس مركز «سبيل») المعركة إلى قلب اللاهوت في كتابه «العدل والعدل وحده» (1989). طرح سؤالاً محورياً: كيف يُقرأ الكتاب المقدس حين تُستغل نصوصه لنفي صاحب الأرض؟
صاغ عتيق لاهوتاً بنصرة المظلومين، مؤكداً أنّ العدالة هي الشرط الأساسي لأيّ مصالحة حقيقية. وأنّ النص الإنجيلي لا يمكن أن يغطي الظلم أو يتحوّل إلى صك ملكية لدولة احتلال.
أميرة حنانيا (إيصال الصوت): وتسهم الدبلوماسية والإعلامية أميرة حنانيا في الشق الإيجابي المكمل لهذا المسار، من خلال وثائقيات مثل «طريق الآلام» لمواجهة التجاهل الصهيوني المسيحي لأصحاب الأرض.
متري الراهب: من اللاهوت
إلى “المقاومة المبدعة”
يمثل القس الدكتور متري الراهب (اللاهوتي اللوثري ورئيس جامعة دار الكلمة) امتداداً لهذا الفكر وتطويراً له. ينطلق الراهب في مؤلفاته (مثل «إنهاء استعمار فلسطين») من قراءة تنزع السلاح الأيديولوجي عن الصهيونية المسيحية، باعتبارها بنية تتقاطع مع الاستشراق والعنصرية.
لكن إضافة الراهب النوعية تكمن في صياغته مفهوم «المقاومة المبدعة»، أيّ نقل الصمود من حالته الساكنة إلى بناء مؤسسات تثبيت الأرض والعقل. فجاء تأسيس «جامعة دار الكلمة» في بيت لحم كمنصة متخصصة في الفنون والثقافة والتصميم، لرفض اختزال الفلسطيني في صورة الضحية، وتمكينه من رواية قصته عبر السينما، الفن، والمعرفة.
وكان للراهب دور محوري مشارك في وضع وثيقة «وقفة حق ـ كايروس فلسطين» (2009) إلى جانب قيادات كنسية ومفكرين (كالبطريرك ميشيل صباح والمطران عطا الله حنا)، وهي الوثيقة التي دعت الكنائس العالمية إلى الانتقال من المساعدات الإنسانية إلى الموقف الأخلاقي والسياسي المباشر لمواجهة الاحتلال.
طرح الراهب في مؤتمر اسطنبول هو نقل المعركة إلى الجنوب العالمي،
تشكل محطة مؤتمر اسطنبول (أيلول 2026) الذي نظّمته جامعة دار الكلمة بالشراكة مع مؤسسات كنسية تحت عنوان «مسيحية بلا صهيونية: رصد الصهيونية المسيحية ومواجهتها في آسيا وأفريقيا» تحوّلاً استراتيجياً في الطرح الفكري للقس متري الراهب.
يمكن تلخيص أبعاد هذا الطرح في هذه النقاط:
1 ـ كسر المركزية الغربية للظاهرة: يقوم طرح الراهب على تفكيك الفكرة السائدة بأن الصهيونية المسيحية ظاهرة محصورة في الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة وأوروبا. لقد تمدّد هذا التيار نحو مجتمعات آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث يتداخل مع الموروث الاستعماري القديم ويعيد تشكيل العلاقات الإسلامية ـ المسيحية محلياً.
2 ـ الجنوب العالمي كجبهة مواجهة لاهوتية: من خلال ترؤسه جلسات المؤتمر ورسم «الطريق إلى الأمام»، هدف الراهب إلى بناء جبهة فكرية مسكونية من دول الجنوب العالمي. هذه الجبهة تسترد حق تعريف المسيحية وموقفها من فلسطين، وتمنع الكنائس الغربية النافذة من احتكار التفسير الديني أو التحدث باسم مسيحيي الشرق.
3 ـ من التشخيص إلى أدوات العمل الميداني: لم يكتفِ الطرح بالجانب النظري، بل ركّز في اسطنبول (وامتداداً لاستشارة الأردن 2025 مع المعهد الملكي آل البيت) على تحويل الاعتراض الأخلاقي إلى أدوات عمل: صياغة ورقة استراتيجية وموارد رعوية موجهة للمعاهد اللاهوتية والكنائس. إطلاق ورش رصد جماعي لتتبّع شبكات النفوذ الديني والمالي العابرة للحدود. توثيق البحث ونشره في كتب مرجعية عالمية تضع الرواية الفلسطينية في قلب اللاهوت العالمي.
أخيراً ، يؤكد مشروع متري الراهب، وصولاً إلى مؤتمر اسطنبول، أنّ مواجهة الصهيونية المسيحية ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي دفاع عن أصل الرسالة المسيحية وعن حق الشعب الفلسطيني في أرضه، فلا وعد ديني يبرّر الظلم، ولا مسيحية بلا انحياز تامّ للعدالة وكرامة الإنسان.
فلسطين ليست غريبة عن مسيحيتها.
يكشف هذا المسار التكاملي أنّ مسيحيّي فلسطين ليسوا هامشاً في وطنهم، بل هم في صلب صناعة وعيه الوطني. أزال هؤلاء الغطاء المقدّس عن الاحتلال لإعادة القضية إلى نصابها الحقيقي: لا وعد ديني يلغي حقوق الإنسان، ولا تفسير لإنجيل المحبة يبرر طرد شعب من أرضه…