آخر الأخبار

عن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني: أليس فيكم رجل رشيد؟

a24d02b2-1879-4b3b-9ad3-eae192a6e899

أحمد عبد الهادي

ليس الخلاف اليوم في الساحة الفلسطينية في لبنان على مبدأ تجديد المجلس الوطني الفلسطيني، ولا على ضرورة إعادة بناء مؤسساتنا الوطنية وتفعيلها. نحن قلنا ونكرّر أننا مع انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، يختار فيها الشعب الفلسطيني ممثليه بإرادته الحرة، وإذا تعذّر إجراؤها لأسباب موضوعية وقاهرة، فليكن البديل توافقاً وطنياً على آلية تمثيل تشاركية يشترك في صياغتها الجميع ولا تستثني أحداً.

للأسف، فإن ما يجري اليوم يسير في الاتجاه المعاكس. فهناك إصرار على السير في مجمع انتخابي جرى تشكيله من دون توافق وطني شامل، ليقوم باختيار الأعضاء الثمانية عشر، وهم حصة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ضمن المجلس الوطني، وسط إصرار على تنفيذ الأمر في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026، وكأن الاعتراضات التي صدرت عن قوى وفصائل وفعاليات فلسطينية لا وجود لها، أو أن الحوار لم يعد مطلوباً، وكأن من حق طرف واحد أن يحدّد الآلية، ويختار من يشارك فيها، ثم يُنتج في النهاية ممثلي اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

بأي حق يُفرض على اللاجئ الفلسطيني من يمثّله؟

المجلس الوطني ليس مجلساً لفصيل بعينه، وليس مؤسسة خاصة بطرف دون آخر. إنه، في الأصل، مجلس الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. والفلسطينيون في لبنان ليسوا جمهوراً مطلوباً منه أن يتلقى أسماء ممثليه بعد اختيارهم، بل هم أصحاب حق أصيل في اختيار من يمثلهم.

لا أحد يطلب امتيازاً لأحد، ولا يطالب بإقصاء أحد كي يحل محلّه آخر. بل العكس تماماً هو المطلوب، فلا يتم إقصاء أحد، وأن يجلس الجميع ليتحاوروا فيما بينهم، ويكون هناك اتفاق على قواعد اللعبة قبل أن نختلف على نتائجها.
الإصرار على المضي في هذه الآلية، رغم الاعتراضات القائمة، ليس مسألة إجرائية بسيطة. إنه قرار ستكون له انعكاسات على مجمل العمل الفلسطيني في لبنان؛ إذ إن قطاعات من الشعب والقوى والفصائل ستعتبر نفسها مستبعدة من صناعة القرار، ما يضيف شرخاً جديداً إلى ساحة هي أحوج ما تكون اليوم إلى الوحدة والتماسك. والتحذير من هذه النتائج ليس تهديداً لأحد، بل دعوة إلى منع الوصول إليها.

المشكلة، أعمق من استحقاق انتخابي واحد، فما نشهده هو امتداد لنهج في إدارة ملفات الساحة الفلسطينية في لبنان، الذي يقوم على استخدام عنوانَي «الشرعية» و«الرسمية» باعتبارهما مبرراً لإدارة الشأن الفلسطيني بصورة أحادية ومتفرّدة وإقصائية.
وقد يكون مفيداً تذكير الجميع، بأنه ليس هناك من يستهدف منظمة التحرير الفلسطينية، ولا إلغاء أي مؤسسة أو إقصاء أي فصيل. المسألة مختلفة تماماً، حيث يطرح السؤال: هل تعني الشرعية احتكار القرار، وهل تعني الرسمية أن يصبح طرف واحد مخوّلاً بإدارة شؤون مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بمعزل عن بقية المكوّنات الفلسطينية؟

تجربة لبنان تعطي الجواب الواضح، بأنه لا يستطيع فصيل واحد، مهما كان موقعه، أن يدير وحده شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ويتابع قضاياهم السياسية والأمنية والاجتماعية والخدماتية، ويعالج مشكلات المخيمات، ثم يطلب من بقية المكوّنات أن تتعامل مع قراراته باعتبارها أمراً واقعاً.

هذه ليست قناعة فلسطينية لدى طرف واحد فقط، حيث أدرك الأشقّاء في لبنان، عبر تجربتهم الطويلة مع واقعنا الفلسطيني، أن خصوصية ساحة لبنان تحتاج إلى مرجعية عمل مشتركة تجمع ولا تُقصي. ومن هنا جاءت المساعي التي رعاها رئيس مجلس النواب نبيه بري، لإنشاء «هيئة العمل الفلسطيني المشترك»، بهدف إيجاد إطار فلسطيني جامع يتابع القضايا الأمنية والمطلبية والاجتماعية للاجئين وينظّم الخلافات الفلسطينية.

وما هو مطروح، هدفه منع تحوّل الخلافات الفلسطينية إلى انقسام داخل المخيمات، وأن يوفّر مساحة للعمل المشترك في القضايا التي تخص الفلسطينيين في لبنان. وقد أكدت وثيقة الهيئة وممارستها مبدأ العمل المشترك والتوافق بين القوى الفلسطينية، وشهدت مراحل لاحقة مساعي لبنانية لإعادة تفعيلها عندما تم تعطيلها من هذا الفريق.
فإذا كان منطق الشراكة ضرورياً لإدارة شؤون المخيمات ومتابعة القضايا اليومية للاجئين، فكيف لا يكون ضرورياً عندما يتعلق الأمر باختيار ممثلي هؤلاء اللاجئين في أعلى مؤسسة تمثيلية فلسطينية؟

إنّ أخطر ما يمكن فعله اليوم هو تحويل انتخابات المجلس الوطني من فرصة لاستعادة الوحدة وإعادة بناء المؤسسات إلى مناسبة لإنتاج أزمة فلسطينية جديدة في لبنان. ولا يزال الوقت متاحاً. والتراجُع عن الخطأ ليس هزيمة، والحوار ليس تنازلاً، والتوافُق ليس انتقاصاً من شرعية أحد.

لذلك، وقبل الوصول إلى الرابع من تشرين الأول، من الجيد مراجعة الحسابات والعودة عن سياسة فرض الأمر الواقع، ووقف المسار الأحادي، والجلوس فوراً إلى طاولة حوار وطني جاد ومسؤول، من أجل الاتفاق على آلية مشتركة تسمح بانتخابات مباشرة يختار فيها اللاجئون ممثليهم إذا كانت ممكنة، وإذا ثبت تعذُّرها لأسباب موضوعية، فليكن هناك توافق بين الجميع على البديل وآلياته ومعاييره وضماناته.

نحن في حركة «حماس» مستعدون للحوار، وأيدينا ممدودة، ولا نطلب أن ينتصر طرف على طرف، بل أن ينتصر منطق الشراكة على الإقصاء، وأن تخرج الساحة الفلسطينية أكثر وحدة لا أكثر انقساماً.

أما الإصرار على القول: نحن نقرّر، ونحن نعيّن الآلية، ونحن نحدّد من يشارك، ثم على الجميع القبول بالنتيجة؛ فهذا طريق لا يخدم المجلس الوطني، ولا منظمة التحرير، ولا وحدة الساحة الفلسطينية، ولا الأمن والاستقرار في المخيمات وفي لبنان.
وأمام كل الدعوات إلى الحوار، وكل المخاطر المترتبة على استمرار هذا النهج، لا يبقى إلا أن نسأل: أليس فيكم رجل رشيد؟

* ممثل حركة حماس في لبنان

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة