آخر الأخبار

حين تُدمَّر المدرسة… أيُّ مستقبل يبقى لطفل غزة؟

4b176244-5f6a-42d7-9ca8-056113730ee6
بقلم د. عبدالرحيم جاموس
لم يفقد طفل غزة مدرسته وحدها.
لقد فقد البيت الذي كان يعود إليه، والحي الذي يعرف شوارعه وأزقته، والجيران الذين كانوا يشكلون عالمه الصغير، والملعب الذي كان يركض فيه، والمقعد الذي كان يجلس عليه في الفصل، والمعلم الذي كان يناديه باسمه، والأصدقاء الذين كانوا يصنعون معه تفاصيل طفولته.
وفي مكان ذلك كله، وجد نفسه نازحاً، ينتقل من مكان إلى آخر، أو يعيش في خيمة ومأوى مكتظ، في ظروف لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
هذه هي الزاوية الإنسانية الأعمق في مأساة التعليم في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023: لم تُدمَّر المدارس وحدها، بل دُمِّرت البيئة التي تجعل من الطفل طفلاً، ومن المدرسة مدرسة.
وتشير أحدث بيانات اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل، بين الرابعة والسابعة عشرة، حُرموا من التعليم الحضوري النظامي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية. كما تضرر نحو 98 في المائة من مباني المدارس، ويحتاج أكثر من 93 في المائة منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، فيما أصبحت المدارس التي كانت تخدم قرابة نصف مليون طالب غير آمنة أو غير صالحة للاستخدام.
لكن الرقم، مهما كان كبيراً، لا يستطيع وحده أن ينقل حجم المأساة.
وراء كل رقم طفل له اسم ووجه وذاكرة وحلم.
طفل كان يستعد صباحاً لمدرسته، فإذا بمدرسته تصبح ركاماً. وطفلة كانت تحفظ طريقها إلى الفصل، فإذا بالطريق نفسه قد تغير، والحي الذي كانت تعرفه لم يعد كما كان. وآخر كان يعود بعد انتهاء الدوام إلى بيته، فلم يعد هناك بيت يعود إليه.
إن فقدان المدرسة بعد فقدان المنزل يضاعف أثر الحرب على الطفل. فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فحسب؛ إنها إطار يومي يمنح الطفل قدراً من الانتظام، ويتيح له التواصل مع أقرانه، ويمنحه إحساساً بالانتماء، ويوفر له مساحة للحماية والتعبير والنمو.
وحين يغيب هذا الإطار لشهور وسنوات، لا تتوقف عملية التعليم وحدها؛ بل تتعرض عملية التكوين النفسي والاجتماعي للطفل لاضطراب عميق.
وتؤكد اليونيسف أن نحو مليون طفل في غزة يحتاجون إلى دعم في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، وأن استمرار انقطاع التعليم يفاقم فقدان التعلم ويجعل العودة إلى المسار الدراسي الطبيعي أكثر صعوبة. كما حذرت من مخاطر التسرب الدائم من التعليم، ولا سيما بين المراهقين.
والأشد قسوة أن النزوح نفسه أصبح جزءاً من طفولة هؤلاء الأطفال.
خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء كما ينبغي، ومأوى مكتظ، وشح في المياه والخدمات، وفقدان الخصوصية، والخوف المستمر؛ كلها ظروف لا تترك للطفل المساحة الطبيعية للنمو والتعلم واللعب.
بل إن بعض المدارس التي بقيت قائمة تحولت إلى ملاجئ للنازحين، الأمر الذي حرمها من أداء وظيفتها التعليمية، وزاد من صعوبة إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة. وقد وثقت الأمم المتحدة استمرار استخدام بعض المباني المدرسية كمراكز إيواء، بالتوازي مع محاولات توفير مساحات تعلم مؤقتة.
وهكذا يجد الطفل نفسه أمام دائرة قاسية:
بيت مفقود، ومدرسة مدمرة أو مأوى، وحي لم يعد قائماً كما كان، وشارع غير آمن، وطفولة معلقة، ومستقبل دراسي مؤجل.
المدرسة ليست مجرد مبنى
وهنا تبرز المسؤولية القانونية والأخلاقية.
فالمدارس والمنشآت التعليمية أعيان مدنية تتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، ما لم تتحول، وفق الشروط القانونية الصارمة، إلى أهداف عسكرية. ولذلك فإن استهدافها أو تدميرها بصورة غير مشروعة لا يمكن اختزاله في كونه خسارة مادية تضاف إلى قائمة أضرار الحرب.
وقد قالت اليونيسف أمام مجلس الأمن في فبراير/شباط 2026 إن 97 في المائة من مدارس قطاع غزة تضررت أو دمرت منذ عام 2023، ووصفت الهجمات على التعليم بأنها اعتداءات خطيرة على سلامة الأطفال وكرامتهم ومستقبلهم.
إن تدمير المدرسة يعني حرمان مئات أو آلاف الأطفال من حقهم في التعليم، وفقدانهم فضاءً للحماية والتنشئة والتفاعل الاجتماعي، فضلاً عن تعريض جيل كامل لخطر فقدان المهارات الأساسية وتراجع فرصه المستقبلية.
ولذلك فإن ما حدث للمدارس، شأنه شأن ما حدث للمنازل والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والطرق والمنشآت الاقتصادية والخدمية، ينبغي ألا يُنظر إليه فقط باعتباره فاتورة لإعادة الإعمار، وإنما باعتباره ضرراً مادياً وإنسانياً واجتماعياً ونفسياً يستوجب المساءلة وجبر الضرر وفقاً للقانون الدولي.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024 بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، مبدأ الجبر الكامل للضرر الناجم عن الأفعال غير المشروعة دولياً، بما في ذلك التعويض وغيره من أشكال الجبر حيث يكون ذلك مناسباً.
ومن هنا، فإن أي إطار دولي لإعادة إعمار غزة ينبغي ألا يقتصر على جمع الأموال وبناء ما تهدم، بل يجب أن يتضمن أيضاً آليات للمساءلة وجبر الضرر وتعويض المتضررين عن الخسائر المادية والمعنوية والنفسية التي لحقت بهم، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والشيوخ وسائر المدنيين.
ماذا نريد أن نقول للعالم؟
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العالم بسيطة وعميقة:
أنقذوا مدارس غزة قبل أن نفقد جيلاً.
لا تنظروا إلى أطفال غزة بوصفهم أرقاماً في تقارير الإغاثة، بل انظروا إليهم بوصفهم بشراً لهم الحق في الحياة والأمان والتعليم والكرامة والمستقبل.
فالسؤال الذي ينبغي أن يطرحه العالم على نفسه ليس فقط: كيف سيكون مستقبل غزة بعد إعادة إعمارها؟
بل: أي جيل سيبني هذا المستقبل؟ وبأي نفسية، وبأي ذاكرة، وبأي شعور تجاه العالم الذي شاهده يتفرج على مأساته؟
طفل فقد بيته ومدرسته وحيه ورفاقه، وعاش سنوات من الخوف والنزوح والحرمان، يحتاج إلى أكثر من كتاب ودفتر ومدرسة جديدة. يحتاج إلى أن يشعر بأن العالم لم يتخلَّ عنه، وأن العدالة ممكنة، وأن حياته وكرامته لهما قيمة.
وهنا تبرز أهمية التعليم بوصفه أحد الجسور الأساسية نحو السلام.
فإذا كان العالم يريد لغزة مستقبلاً مختلفاً، وإذا كان يريد جيلاً قادراً على العيش بسلام مع نفسه ومع الآخرين، فعليه أن يساعد هذا الجيل على استعادة الأمان والتعليم والكرامة، لا أن يتركه أسيراً لذاكرة الركام والخوف والفقدان.
فالسلام لا يُبنى على جيل محروم من التعليم، ولا على طفل يحمل في ذاكرته بيتاً مدمراً ومدرسة مدمرة وطفولة مهدرة دون أن يرى عدالة أو أملاً في المستقبل.
ولهذا فإن إعادة بناء المدارس ليست ترفاً، ولا ملفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد اكتمال إعادة الإعمار.
إنها مسؤولية إنسانية وقانونية وأخلاقية.
نحن بحاجة إلى مدارس آمنة، ومعلمين مؤهلين ومدعومين نفسياً، وكتب ومناهج ومستلزمات تعليمية، وبرامج تعويضية للأطفال الذين فقدوا سنوات من التعليم، وبرامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي، ومساحات للعب والرياضة والفن؛ حتى يستعيد الطفل شيئاً من طفولته التي سُلبت منه.
وقد بدأت بالفعل جهود إنسانية لتوفير مساحات تعلم مؤقتة؛ ففي النصف الأول من عام 2026 استفاد نحو 435 ألف طفل من التعليم المنظم عبر 610 مساحات تعلم مؤقتة، كما تلقى أكثر من 11 ألف معلم وعامل في التعليم دعماً وتدريباً. لكن هذه الاستجابة الطارئة لا يمكن أن تكون بديلاً عن نظام تعليمي دائم وآمن ومتكامل.
فالمدرسة في غزة ينبغي ألا تعود مجرد مبنى من الإسمنت.
ينبغي أن تعود ملاذاً للطفولة، ومساحة للشفاء، وجسراً إلى المستقبل.
وإذا كانت إعادة إعمار غزة تعني إعادة بناء البيوت والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والطرق، فإنها لا تكتمل من دون إعادة بناء المدارس والجامعات، وإعادة فتح أبوابها أمام الأطفال والشباب.
فما جرى للمدرسة هو، في جوهره، ما جرى للإنسان.
وما نعيد بناءه اليوم ليس الجدران وحدها، وإنما قدرة جيل كامل على أن يستعيد حياته، وأن يتعلم، وأن يحلم، وأن يكتب مستقبله بيده.
فالطفل الذي فقد بيته لا يجوز أن يفقد مدرسته أيضاً، والجيل الذي نجا من الحرب لا ينبغي أن يُترك ليدفع ثمنها طوال حياته.
إن إنقاذ تعليم أطفال غزة ليس عملاً إغاثياً مؤقتاً؛ إنه استثمار في الإنسان، وحماية للمستقبل، وشرط أساسي لنجاح أي مشروع حقيقي لإعادة إعمار القطاع، وأحد الشروط الضرورية لصناعة جيل قادر على بناء السلام لا إعادة إنتاج الحرب.
فغزة لن تُبنى من جديد بالحجر وحده.
غزة تُبنى حين يعود الطفل إلى مدرسته، ويعود المعلم إلى فصله، ويعود للطفل حقه في أن يحلم.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة