بقلم : د. عبدالرحيم جاموس
في السادس من أكتوبر عام 1973، عبر الجيش المصري قناة السويس، وبدأت القوات السورية هجومها على جبهة الجولان، في مواجهة عسكرية أعادت رسم جانب مهم من معادلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بعد سنوات من آثار هزيمة عام 1967 واحتلال الأراضي العربية.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية عابرة في تاريخ المنطقة، بل كانت لحظة استعادة للثقة والإرادة والقدرة على المبادرة. فقد أثبتت أن موازين القوى ليست قدراً ثابتاً، وأن التفوق العسكري لا يعني استحالة تغييره عندما تتوافر الإرادة والتخطيط والتنسيق والقدرة على تحمل المسؤولية.
وقد كان العبور المصري لقناة السويس واستعادة السيطرة على أجزاء من سيناء إنجازاً عسكرياً وسياسياً مهماً، فتح الطريق أمام مسار جديد انتهى، في الحالة المصرية، باستعادة السيادة على سيناء عبر مزيج من العمل العسكري والسياسي والتفاوضي. وهذا إنجاز وطني وتاريخي لمصر يستحق التقدير، كما تستحق حرب أكتوبر أن تُقرأ بوصفها تجربة عربية مهمة في استعادة المبادرة بعد مرحلة قاسية من التراجع.
لكن أهمية أكتوبر لا تتوقف عند نتائجها العسكرية، بل تمتد إلى السؤال السياسي الأكبر: ماذا فعلنا بعد أن صمتت المدافع؟
لقد فتحت الحرب الطريق أمام مرحلة جديدة من العمل السياسي والدبلوماسي، غير أن المسار الذي أعقبها اتجه تدريجياً نحو معالجة أجزاء من الصراع كلٌّ على حدة، بدلاً من معالجة جذوره بصورة شاملة. فاستعادت مصر أرضها، بينما بقيت فلسطين وشعبها في قلب المأساة: احتلالاً واقتلاعاً وتهجيراً واستيطاناً وإنكاراً للحقوق الوطنية المشروعة.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تستوقفنا ونحن نستعيد ذكرى أكتوبر اليوم.
لقد أثبتت تجربة أكتوبر أن الحرب يمكن أن تفتح باب السياسة، لكن السياسة لا تصبح ناجحة إلا إذا قادت إلى سلام عادل ومستدام. والتفاوض، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحقوق، ولا يمكن أن ينتج سلاماً حقيقياً إذا جرى تجاوز أصل الصراع أو تأجيل القضية الفلسطينية إلى أجل غير مسمى.
ومن هنا فإن استحضار أكتوبر في عام 2026 لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لصور العبور العسكري أو تكراراً لخطاب الانتصار، وإنما ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد التفكير في الدرس السياسي الذي تركته الحرب. ففي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتعدد فيها الأزمات والحروب والمخاطر، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى استعادة روح أكتوبر: روح المبادرة، والإرادة، ووحدة الموقف، والقدرة على تحويل القوة المتاحة إلى فعل سياسي مؤثر.
إن القضية الفلسطينية اليوم تواجه تحديات لم تعد محصورة في استمرار الاحتلال، وإنما تمتد إلى الاستيطان وضم الأراضي ومحاولات فرض الأمر الواقع والتهجير وتغيير هوية القدس، فضلاً عن الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تؤدي كثرة أزمات المنطقة إلى تهميش فلسطين أو تحويلها إلى ملف ثانوي ينتظر انتهاء الأزمات الأخرى.
وهنا تبرز المسؤولية العربية الجماعية، وفي مقدمتها مسؤولية جمهورية مصر العربية، بما تملكه من خبرة تاريخية في إدارة الصراع والتفاوض، وثقل سياسي واستراتيجي عربي وإقليمي، إلى جانب المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية، في إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز العمل العربي والدولي.
فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج حروب الماضي، وإنما تجديد روح أكتوبر في الفعل السياسي: مبادرة عربية موحدة، ورؤية واضحة، وقدرة على التأثير، وتحرك دبلوماسي وسياسي يستند إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولا يسمح بتحويل السلام إلى مجرد إدارة للصراع.
وقد أثبتت التجربة المصرية أن استعادة الأرض ممكنة عندما تتكامل الإرادة السياسية مع أدوات القوة والتفاوض. غير أن التجربة نفسها تفرض علينا سؤالاً آخر: إذا كان من الممكن استعادة الأرض بالتفاوض عندما تتوافر الإرادة والقدرة على حماية الموقف، فلماذا تبقى فلسطين منذ عقود خارج دائرة الحل العادل؟
إن السلام الذي تحتاجه المنطقة ليس سلاماً لإدارة الاحتلال، ولا تسوية مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل، وإنما سلام ينهي أسباب الصراع من جذورها. وهذا يعني إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
كما أن الأمن العربي لا يمكن فصله عن الأمن الفلسطيني. فما دام الاحتلال قائماً، وما دامت الحقوق الفلسطينية مغيبة، وما دام الشعب الفلسطيني محروماً من حريته واستقلاله، فإن المنطقة ستظل عرضة لدورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.
إن الوفاء الحقيقي لذكرى أكتوبر لا يكون بالعيش في الماضي، وإنما بتحويل دروسه إلى قوة دفع للمستقبل. فقد عبرت القوات المصرية قناة السويس في السادس من أكتوبر، وأسقطت بذلك مقولة إن بعض الحواجز لا يمكن عبورها. واليوم، تبدو أمام الإرادة العربية حواجز أخرى: الانقسام، وتشتت المواقف، وإدارة الأزمات بدلاً من معالجة جذورها، والاكتفاء بردود الفعل بدلاً من صناعة المبادرات.
ومن هنا فإن ذكرى أكتوبر ينبغي أن تكون مناسبة لتجديد العزم على عبور هذه الحواجز أيضاً؛ من الانقسام إلى التضامن، ومن إدارة الصراع إلى إنهائه، ومن التسويات الجزئية إلى الحل الشامل، ومن انتظار المبادرات الخارجية إلى امتلاك زمام المبادرة العربية.
ففلسطين ليست قضية مؤجلة، ولا ملفاً يمكن أن يختفي خلف أزمات المنطقة المتلاحقة، بل هي جوهر من جواهر الأمن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط. وإن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة ليس خدمة للفلسطينيين وحدهم، وإنما مصلحة عربية وإقليمية ودولية، وشرط أساسي لبناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً وعدالة.
في ذكرى أكتوبر 1973، نستعيد عبوراً عسكرياً غيّر معادلات، لكننا نحتاج اليوم إلى عبور سياسي يغيّر واقعاً طال أمده. عبور من العجز إلى الفعل، ومن التشتت إلى الوحدة، ومن إدارة الصراع إلى إنهائه، ومن السلام الهش إلى السلام العادل والدائم.
لقد أثبت أكتوبر أن المستحيل يمكن كسره عندما تتوافر الإرادة.
ويبقى التحدي أمام العرب اليوم أن تتحول هذه الحقيقة من ذكرى تاريخية إلى إرادة سياسية حاضرة، وأن يكون العبور القادم نحو سلام عادل يعيد للشعب الفلسطيني حريته واستقلاله وحقوقه، ويفتح للمنطقة بأسرها طريقاً حقيقياً إلى الأمن والاستقرار والتنمية.