عبد الله عقرباوي
مع الوقت، تتضح الصورة أكثر حول ما حققته معركة الشعب الفلسطيني الأهم في تاريخه المعاصر، سواء الهجوم الكبير والبارع الذي نفّذ صبيحة يوم السابع من أكتوبر 2023، أو معركة الصمود غير المسبوقة التي خاضتها غزة.
فالخلاصة الأبرز التي تتجلى شيئاً فشيئاً، أن معركة «طوفان الأقصى» أدخلت الكيان الصهيوني في مسارين كان لا بد أن يدخلهما منذ هزيمة العام 1967، لكن طال الانتظار، وهما: مسار نزع الشرعية الدولية، ومسار الدخول في صراع مع قوى المنطقة الرئيسية.
لقد أسهم نجاح هجوم السابع من أكتوبر في تعرية الكيان أمنياً وعسكرياً في وعي الدول والشعوب والقوى الحية. مما أسهم في خلق تصورات جديدة حول الكيان، إلا أن تحول هذه التصورات إلى وقائع سياسية وأمنية وعسكرية لا يحدث بطريقة مباشرة، بل كما في كل الظواهر الاجتماعية والسياسية تأخذ مرحلة الوعي وقتها في تجسيدها لوقائع جديدة. وأزعم أن هذه القضية في صميم تفكير المحور الأميركي الصهيوني الذي انبرى للتصدي لـ«طوفان الأقصى».
وفي الوقت نفسه، فإن ثلاثة أعوام من بدء المعركة، كانت كفيلة في ظهور إرهاصات ومؤشرات على بدء ظهور نتائج للوعي الذي رسخته غزة حول ضعف هذا الكيان وإمكانية هزيمته بل وتفكيكه. وبطبيعة الحال، فإن بيئة المقاومة في لبنان واليمن هي الأكثر استعداداً لهذه التحولات، وعليه خاضت مواجهتها مع هذا الكيان وقدمت تضحيات جساماً في ذلك. إلا أن مسار التحولات هذا استمر وأجرى تحديثات لدى قوى إقليمية رئيسية مثل إيران، ولعله التحول الأهم في هذه المرحلة. حيث وضع الكيان في مواجهة مع قوة إقليمية معتبرة لأول مرة منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. وعلى أهمية ذلك، إلا أن مسار دخول الكيان في مواجهة مع محيطه لا يزال يتشكل ولم يأخذ صورته النهائية.
وتجدر الإشارة هنا إلى عاملين مهمين في هذا المسار:
الأول، أن مشاعر العداء الذي خلفته جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان في غزة، واسعة وعميقة وتجاوزت الأمة العربية إلى الأمة الإيرانية والتركية بل وباقي الأمم. وهذه المشاعر ممزوجة بمشاعر الفخر والتبجيل لما صنعته المقاومة الفلسطينية في يوم السابع من أكتوبر وما بعده، وبمشاعر الحذر من إجرام هذا الكيان.
العامل الثاني، يتعلق بالتهديدات العسكرية والأمنية التي يحاول الكيان فرضها على كل قوى المنطقة في سعيه إلى تحويل فشله يوم السابع من أكتوبر لترسيخ حقائق جديدة وبعيدة المدى جغرافياً وزمنياً وفرضها على قوى مثل إيران وتركيا ومصر والأردن ودول الخليج.
هذان العاملان كفيلان باستمرار تطور مسار دخول الكيان في صراعات مع المنطقة تفضي في نهاية المطاف إلى هزيمة نهائية.
المسار الآخر الذي فرضه «الطوفان»، وغزة بصمودها وبسالتها على الكيان، هو مسار نزع الشرعية الدولية. ومن الجيد، أننا بعد ثلاثة أعوام لا نحتاج لحشد مظاهر ودلائل على ذلك، فالأمر بات أقرب للمسلّمة التي يراها الجميع. ويمكن الاطلاع على مقال الكاتب المصري بلال فضل، المنشور على موقعه الخاص والمعنون بـ«فكّ السحر: هل خسرت إسرائيل الغرب بحق وحقيق؟» والذي يناقش فيه مقالاً للكاتب الهندي بانكاج ميشرا «نشره في عدد أكتوبر 2026 من مجلة (هاربرز) الأمريكية ـ تصدر منذ عام 1850 وهي أقدم مجلة شهرية لا تزال تصدر في الولايات المتحدة ـ واختار له عنواناً من كلمة واحدة هي (Disenchantment)، وهي كلمة تحمل معنى زوال الوهم وانكسار السحر في آن واحد، كأنّ الغرب كان واقعاً تحت أسر تعويذة صهيونية لعقود طويلة ثم أفاق منها فجأة».
وما يمكن أن يضاف في هذا الصدد، أننا ورغم الخسارة الكبيرة والعزلة الواسعة التي يتعرض لها الكيان، لا نزال في بدايات هذا المسار، ورغم ما فيه من قوة ذاتية هائلة، إلا أنه يحتاج إلى مشروع فلسطيني وعربي ودولي كبير للمحافظة عليه ومواجهة محاولات المحور الأميركي الإسرائيلي في احتوائه.
لا قلق على هذين المسارين في استكمال دورتهما الطبيعية، ووصولهما إلى نهاية المطاف ونهاية هذا الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة. وستبقى التحديات والتضحيات مرافقة لنضال الشعوب على الدوام، والمطلوب هذه الأيام بالحد الأدنى، عدم الاستسلام. فما سنكتبه في عام «الطوفان» الرابع سيكون وفق معطيات جديدة في المنطقة ومختلفة كلياً، «وإنّ غداً لناظره لقريب».
* كاتب فلسطيني