آخر الأخبار

ثلاثة أعوام على 7 أكتوبر.. كيف تغيّر المشهد الفلسطيني والإسرائيلي والدولي؟

F231007YM31-640x400

 مازن كريّم –قدس برس

بعد ثلاثة أعوام على عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا تزال تداعياتها تتجاوز حدود قطاع غزة، لتطال المشهد الفلسطيني و”إسرائيل” والمنطقة، وصولًا إلى المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي، في ظل حرب خلّفت خسائر بشرية ومادية هائلة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.

ويرى خبراء ومحللون تحدثوا لـ”قدس برس” أن “طوفان الأقصى” شكّل نقطة تحول في مسار الصراع، ليس فقط بسبب الحدث العسكري الذي وقع في ذلك اليوم، بل أيضًا بسبب الحرب الواسعة التي تلته على قطاع غزة، وما أفرزته من تداعيات سياسية وقانونية وشعبية أعادت طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل الصراع، وإقامة الدولة الفلسطينية، واستمرار الاحتلال، وحدود القوة والردع الإسرائيليين.

7 أكتوبر لم يأتِ من فراغ

يقول محمود الحنفي، أستاذ القانون الدولي والخبير في شؤون اللاجئين الفلسطينيين، ومدير مؤسسة “شاهد” لحقوق الإنسان، إن عملية السابع من أكتوبر لم تأتِ من فراغ، بل جاءت، وفق قراءته، في سياق تراكم طويل من الاحتلال والانتهاكات والحصار والاستيطان وتهويد القدس، إلى جانب فشل المسارات السياسية في تحقيق تطلعات الفلسطينيين.

ويضيف الحنفي، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، أن آمال الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة “تبخرت”، في ظل استمرار الاقتحامات الإسرائيلية لمناطق الضفة الغربية، وتوسع الاستيطان، وتآكل الترتيبات التي أفرزتها اتفاقيات أوسلو.

وفي المقابل، يرى أن “إسرائيل” استغلت عملية السابع من أكتوبر لتوسيع عملياتها العسكرية في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن ما جرى خلال الحرب لا يمكن اختزاله في إطار “فعل ورد فعل”، بل جاء ضمن عملية عسكرية واسعة ترافقت مع تصريحات إسرائيلية بشأن أهداف الحرب.

ويؤكد الحنفي أن التداعيات الإنسانية للحرب خلّفت واقعًا بالغ الصعوبة في قطاع غزة، لا سيما مع ارتفاع أعداد الشهداء إلى أكثر من 74 ألفًا.

تغيّر دولي.. لكن دون إجراءات حاسمة

على المستوى الدولي، يرى الحنفي أن المواقف شهدت تغيرات مهمة، لكنها لم تصل إلى مستوى التحول الجذري الذي يفضي إلى فرض إجراءات سياسية واقتصادية وعسكرية على “إسرائيل”.

ويشير إلى أن صورة “إسرائيل” تضررت على نطاق واسع لدى قطاعات من الرأي العام العالمي، وأن كلفة الدفاع عنها سياسيًا ارتفعت، بالتزامن مع اتساع دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتزايد التحركات الدبلوماسية والقانونية.

ويعتبر أن التطورات في المؤسسات القضائية الدولية تمثل أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب، مشيرًا إلى الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في تموز/يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية لسياسات “إسرائيل” وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، والذي خلص إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وربط ذلك بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

كما يشير إلى مذكرتي التوقيف اللتين أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويلخص الحنفي تقييمه بالقول إن المشكلة اليوم لا تكمن في غياب القاعدة القانونية، بل في غياب التنفيذ، معتبرًا أن أهمية هذه التطورات ستظل مرتبطة بقدرة الدول والمؤسسات الدولية على تحويل القرارات والمواقف القانونية إلى إجراءات عملية.

احتجاجات عالمية.. وفلسطين تعود إلى المجال الشعبي

ولا يقتصر التحول، بحسب الحنفي، على المؤسسات الرسمية، إذ يرى أن الاحتجاجات الشعبية والجامعية التي شهدتها عواصم ومدن وجامعات حول العالم شكّلت تطورًا لافتًا في مسار القضية الفلسطينية.

ويقول إن الحراك الشعبي تجاوز الحدود والقيود التقليدية، وأعاد تقديم القضية الفلسطينية لدى قطاعات من الرأي العام العالمي بوصفها قضية ترتبط بالعدالة وحقوق الإنسان والاستعمار والعنصرية.

ويلفت إلى أن جيل الشباب في دول عديدة بات أكثر اطلاعًا على مجريات الأحداث، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق المعلومات، وهو ما انعكس، بحسب تقديره، على طبيعة المواقف التي ظهرت داخل الجامعات وفي الشوارع.

ويرى أن استمرار الاحتجاجات والحملات الشعبية والعرائض، رغم الإجراءات التي اتخذتها بعض الحكومات والجامعات بحق ناشطين، يعكس تحولًا مهمًا في مستوى الحضور الشعبي للقضية الفلسطينية.

7 أكتوبر يعيد طرح أسئلة الدولة والأمن والحدود في “إسرائيل”

من جهته، يرى الباحث والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي محمد القيق أن السابع من أكتوبر “سيبقى حاضرًا إلى الأبد في إسرائيل”، لكنه لا يحصر تداعياته في الانتخابات أو التنافس الحزبي، بل يعتبره حدثًا أعاد طرح أسئلة استراتيجية تتعلق بطبيعة الدولة والحدود والأمن ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.

ويقول القيق، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إن “إسرائيل” اتجهت بعد العملية إلى استخدام القوة على نطاق واسع، الأمر الذي انعكس على علاقاتها الإقليمية والدولية، وعلى صورتها أمام قطاعات من الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا.

ويرى أن العملية شكّلت صدمة لمنظومة أمنية إسرائيلية اعتمدت بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والمراقبة والردع، معتبرًا أن المفاجأة التي وقعت في السابع من أكتوبر أثارت تساؤلات بشأن قدرة هذه المنظومة على منع التهديدات القادمة من قطاع غزة.

ويضيف أن توقيت العملية جاء في مرحلة كانت “إسرائيل” تشهد فيها توسعًا في علاقاتها الإقليمية ومسارات التطبيع، لكن الأحداث أعادت القضية الفلسطينية، بحسب رأيه، إلى قلب المشهد العربي والإسلامي والدولي.

ويشير القيق كذلك إلى أن الحرب اللاحقة أسهمت في نقل النقاش حول فلسطين من المستوى الإقليمي إلى ساحات شعبية في الولايات المتحدة وأوروبا، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات للسياسات الإسرائيلية.

إعادة القضية إلى الأجندة الدولية.. وأزمة ثقة فلسطينية

من جانبه، يرى الباحث والكاتب سعيد إنجاص أن السابع من أكتوبر والحرب التي تلته شكّلا “نقطة تحول مفصلية” في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، معتبرًا أن الأحداث أعادت رسم جانب من التوازنات السياسية والميدانية.

ويقول إنجاص، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إن التطورات أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، بعدما انصب التركيز لسنوات على “إدارة الصراع” ومسارات التطبيع الإقليمي.

ويضيف أن الحرب أظهرت، وفق تقديره، محدودية الرهان على تجاوز القضية الفلسطينية لتحقيق استقرار إقليمي دائم، بالتزامن مع تصاعد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية وتزايد التحركات القضائية الدولية.

وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني، يرى إنجاص أن الحرب أحدثت تحولات عميقة في الوعي، إذ عززت لدى قطاعات من الفلسطينيين إدراكًا بأن الصراع يتعلق بمستقبل الوجود الفلسطيني وحقوقه، وليس فقط بالحدود أو الترتيبات الأمنية.

لكنه يشير في الوقت ذاته إلى نشوء أزمة ثقة تجاه الفصائل، نتيجة الكلفة الإنسانية والمادية الهائلة للحرب، معتبرًا أن المواطن الفلسطيني بات أكثر ميلًا إلى تقييم الشعارات السياسية على أساس قدرة أصحابها على توفير الحماية والخدمات وتعزيز الصمود.

ما بعد 7 أكتوبر.. إعادة بناء البيت الفلسطيني

وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يرى إنجاص أن التحولات التي أفرزتها السنوات الثلاث الماضية تفرض على الفلسطينيين إعادة ترتيب البيت الداخلي، بما يضمن الاستفادة من التحولات السياسية والشعبية والقانونية التي شهدتها القضية.

ويطرح في هذا السياق مجموعة من الأولويات، أبرزها إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية، ودمج مختلف القوى السياسية فيها، وتشكيل قيادة تنفيذية موحدة تتولى إدارة قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب بلورة برنامج سياسي ونضالي مشترك.

كما يدعو إلى تجديد الشرعيات عبر الانتخابات متى سمحت الظروف بذلك، باعتبارها مدخلًا لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس تمثيلي أوسع.

ويحذر في الوقت ذاته من أن استمرار الانقسام والتجزئة السياسية قد يحول دون الاستفادة من التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنوات الماضية، ويحد من القدرة على تحويل الاهتمام الدولي المتزايد إلى مكاسب سياسية ملموسة.

وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يو السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.

وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.

وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.

ويذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ولكن يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

وقالت وزارة الصحة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,462 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 5 آلاف و151 إصابة، إلى جانب انتشال جثامين 836 شهيدًاً.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة