آخر الأخبار

وظيفة فلسطين ومستقبلها

92df35ca-e45d-4962-9164-c1f6971f492d

هادي قبيسي

فلسطين موضوع للتحرّر لا مجرّد جغرافيا، فقد حكمت أسباب تاريخية وثقافية أن تكون هذه البقعة حالةً ذات وظيفة إنسانية عليا يمتدّ ظل تأثيرها إلى شعوب الأرض قاطبة، ولهذه الوظيفة ــــــ التي انتقلت إلى حالة الفعّالية بعد السابع من أكتوبر ــــــ مجموعة عوامل تأسيسية: الأول، كون احتلال فلسطين نقطة ارتكاز الهيمنة العدوانية على منطقتنا. والثاني، كونها نقطة توافق الشعوب المسلمة. وقد ظهر بعد «الطوفان» عاملان إضافيان لا يقلّان أهمية: أولهما تحوّلها إلى نقطة إجماع شعبي عالمي، وثانيهما أنها فرضت نفسها شاخصاً يعزل الحكومات التابعة في بلاد العرب والمسلمين ويضعف التحفّز الشعبي للدفاع عنها.
تشكّلت هذه الوظيفة من هذه العوامل، وسمحت لفلسطين أن تكون حافزاً تحررياً هائل التأثير، بما لم يكن ربّما متوقعاً، لكن السؤال الذي يستحق الوقوف: هل نالت فلسطين وأهلها مُكتسبات موازية مقابل هذه الوظيفة التاريخية؟ أم أن جهد الغرب والصهاينة والعرب قد نجح في فصل الساحات ومنع دخول فلسطين حالة التغيّر التاريخي المنشود؟ فهل كانت الوظيفة على حسابها أم لأجلها؟

تقدّمت غزة بالتحديد نحو المبادرة، فهي نصل فلسطين وعمدة مقاتليها، وأدّت تضحياتها العظيمة وصبر أهلها وثباتهم إلى تقويض الجذور المؤسسة للكيان الغاصب المرتكز على نفوذ عميق في الدول الغربية في تأسيسه وبقائه وقدراته. ومنع ذلك التقويض، الذي لم يكتمل حتى الآن، تحوّلَ الحرب إلى مواجهة مباشرة وشاملة مع المجموعة الغربية، وقلّص بالتدريج من الدعم التسليحي والسياسي، ولا يزال خط التأثير ممتداً نحو محطات الانتخابات القادمة في تلك الدول، لتتغير الحكومات والقوانين والقرارات لصالح فلسطين بدرجات متفاوتة لكنها حقيقية ومؤثّرة.
بعد أن أدّت غزة وظيفتها الأساسية في عزل الكيان (قالها نتنياهو بالحرف: كانت حماس تريد عزلنا)، بدأت معركة الساحات في لبنان ثم في إيران مروراً باليمن والعراق، وقد فشل الكيان في حسم تلك المواجهات منفرداً، ثم انتقل بعد حرب رمضان إلى حالة تعدد الأولويات وتحقيق درجة من الإشباع.

دخلت الولايات المتحدة إلى جانب الكيان مباشرة في الحرب لتعويض الفشل في الحسم، على أساس أن استهداف الرأس سيقضي على الأطراف، وكانت النتيجة استهدافاً مدمّراً للقواعد العسكرية وإسقاط تكنولوجيا الدفاع الصاروخي وكشف ضعفها وتخلّفها، وانكشاف تواطؤ دول عربية حاربت كتفاً إلى كتف مع نتنياهو.
شكّلت حرب إيران نقطة الذروة للعدوان الصهيوني/الأميركي/العربي على محور المقاومة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الدفاع المرتكز على مشروعية شعبية والهادف إلى تحرير غرب آسيا من الهيمنة العسكرية المباشرة، بالاستفادة من التراجع الأميركي وتقييد الكيان المؤقّت.

يستنزف الدفاع المحلي في إيران واليمن بنية الهيمنة بشكل غير مسبوق منذ بداية الاستعمار، ويُضعِف الجذر الغربي لوجود الكيان عسكرياً واقتصادياً، ويؤثّر فيه سياسياً، كما يُضعِف بنية ومنظومة الدفاع عن إسرائيل، قيادة السنتكوم والدول الخاضعة لإدارتها، ويخنق شرايين النفط والمال التي تموّل الغرب ومصانع سلاحه وديونه، بما يجعل من «إسرائيل» عبئاً متعدّد المستويات، ويبطل وظيفتها بالتدريج بالنسبة إلى شعوب الغرب والكثير من نخبه وشركاته.

هذا المسار الذي لا يتحرك الآن داخل أرض فلسطين بل في جوارها الجيوبولتيكي القريب، ضارباً بعمق بشكل متزامن في جذور البنية الغربية الداعمة، يستكمل ما بدأته غزة بشكل عضوي، فإن كانت فلسطين قد حاربت مشروعية الغاصب وفضحته، فإن معركة التحرر الإقليمي تستهدف جدوى الكيان والمصلحة من بقائه، وبهذين المستويين تتكامل مقدّمات التحرير، والتي يصعب تخيّل خوض حرب حقيقية لتحرير فلسطين دون تحقيقها.

* مدير مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة