أبو الشريف رباح 

لم يعد الخط الأصفر في قطاع غزة مجرد خط عسكري تفرضه إسرائيل لتنظيم انتشار جيشها بل بات عنواناً لمشروع خطير يعيد رسم جغرافية القطاع بالقوة ويكرّس السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من أراضيه فمع خضوع نحو 53% من مساحة غزة لسيطرة جيش الاحتلال مقابل وجود الفلسطينيين في المساحة المتبقية تتصاعد المخاوف من تحويل هذا الخط إلى حدود أمر واقع تفصل بموجبها الأراضي عن أصحابها ويحرم النازحون من العودة إلى منازلهم ويتحول الاحتلال العسكري المؤقت إلى تقسيم جغرافي طويل الأمد، وهنا نسأل، هل أصبح الخط الأصفر مقدمة لاقتطاع جزء من قطاع غزة وفرض حدود جديدة لدولة الاحتلال على حساب الأرض والحقوق الفلسطينية؟ إن خطورة هذا الواقع لا تكمن في التقسيم الجغرافي فحسب بل في احتمال تحوله إلى تقسيم دائم بفعل استمرار السيطرة العسكرية وتغيير خطوط الانتشار ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم، فالمعطيات بشأن خريطة إنتشار جيش الاحتلال فإن نحو 47% من مساحة القطاع يوجد فيها الفلسطينيون، فيما يخضع نحو 53% لسيطرة جيش الإحتلال وهذه النسب لا تعني أن المناطق المتواجد فيها الفلسطينيين تتمتع بالسيادة أو بحرية الحركة فالسكان يعيشون في مساحة ضيقة ومحاصرة وسط الدمار والنزوح القسري وانعدام مقومات الحياة، وفي المقابل باتت مساحات واسعة من أراضيهم ومنازلهم بعيدة عن متناولهم فيما يشكل الاقتراب من الخط الأصفر أو تجاوزه خطراً على حياتهم في ظل إطلاق النار والاستهداف.

وبعد مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لا تزال التساؤلات قائمة بشأن الالتزام بمقتضياته في ظل استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتعثر الانسحاب وإعادة الإعمار ويزداد القلق من أن تتحول الوقائع المفروضة على الأرض مع مرور الوقت وغياب الضغط الدولي الفاعل إلى أمر واقع يصعب تغييره، وهنا تبرز أسئلة هامة، أين أصبحت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي طرحت لوقف الحرب وإطلاق مسار نحو الانسحاب وإعادة إعمار القطاع؟ وأين الإدارة الأميركية من ضمان تنفيذ تعهداتها ومنع توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية؟ وما قيمة الاتفاقات إذا لم تنجح في حماية المدنيين وإنهاء معاناتهم وضمان عودتهم إلى منازلهم وأراضيهم؟ إن مسؤولية واشنطن لا تقتصر على رعاية الاتفاقات وإعلان التفاهمات، بل تشمل استخدام نفوذها السياسي للضغط من أجل تنفيذها، ومنع فرض وقائع تتناقض مع أهدافها المعلنة. كما تقع على عاتق الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولية التحرك لحماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري، والتمسك بحق الفلسطينيين في العودة، وعدم السماح بتحويل الخط الأصفر إلى حاجز دائم يفصلهم عن أراضيهم، أما بالنسبة للدول العربية والإسلامية فإن المرحلة تتطلب الانتقال من بيانات التضامن والإدانة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي فاعل يضمن وقف العدوان والانتهاكات ويجبر جيش الاحتلال على الانسحاب وإعادة الإعمار والمحافظة على وحدة الأراضي الفلسطينية ورفض أي محاولة لاقتطاع أجزاء من قطاع غزة أو فرض ترتيبات تنتقص من حقوق شعبنا الفلسطيني، لأن غزة ليست أرضاً بلا أصحاب ولا مساحة يمكن إعادة رسم حدودها وفقاً لموازين القوة العسكرية بل هي جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية ولا تسقط بفعل الحرب والدمار والنزوح، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن إنهاء الاحتلال ولا أن ترتبط بقبول تقسيم القطاع أو التخلي عن حق العودة، وقد يتحول الخط الأصفر إلى حدود أمر واقع إذا استمر التوسع العسكري الإسرائيلي وغاب الضغط الدولي الجاد لكنه لن يتحول بذلك إلى حدود شرعية معترف بها فالقوة قد تفرض وقائع مؤقتة لكنها لا تمنح الاحتلال حق السيادة ولا تلغي حقوق الفلسطينيين في أرضهم وحريتهم وعودة النازحين إلى ديارهم.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب والدول العربية والمجتمع الدولي، هل سيكون الخط الأصفر مرحلة مؤقتة تسبق الانسحاب وإنهاء الحرب أم يتحول إلى عنوان لتقسيم غزة وترسيخ الاحتلال؟ إن الخط الأصفر ليس حدوداً لدولة، ولن يمنح إسرائيل شرعية لاقتطاع أي جزء من قطاع غزة أو فرض سيادتها على أرض فلسطينية محتلة. وأي محاولة لتحويله إلى حدود دائمة تمثل تكريساً للاحتلال وتقسيماً للأرض الفلسطينية بالقوة، في انتهاك لحقوق الشعب الفلسطيني وعليه فإن المسؤولية اليوم تقع على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي رعى خطة وقف الحرب، وعلى الدول العربية والمجتمع الدولي، للتحرك الفوري والضغط من أجل إلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق، والانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها، وضمان عودة النازحين إلى منازلهم، وبدء إعادة إعمار القطاع، ومنع فرض أي وقائع جغرافية جديدة، فغزة ليست أرضاً للمساومة والخط الأصفر ليس حدوداً شرعية والاحتلال الى زوال مهما طال الزمن، فإما أن تتحول التعهدات الدولية إلى خطوات عملية تنهي الاحتلال وتحفظ وحدة الأرض الفلسطينية وإما أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية السماح بفرض تقسيم جديد على حساب شعب أعزل وحقوقه الوطنية، إن مطالب الشعب الفلسطيني واضحة، إنهاء الاحتلال واستعادة وحدة قطاع غزة وضمان حق الفلسطينيين في أرضهم، لا شرعنة الأمر الواقع بالصمت والتقاعس.