آخر الأخبار

واقع اللجوء الفلسطيني في لبنان: من إدارة الأزمة إلى استراتيجية وطنية موحدة

22

 خالد فرحات  

سكرتير لجنة اقليم لبنان لحزب الشعب الفلسطيني

منذ نكبة عام 1948، يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان واقعا استثنائيا طال أمده، وتراكمت خلاله الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، حتى أصبحت أوضاعهم اليوم نتاج مجموعة مترابطة من العوامل والمسؤوليات التي لا يمكن فصل بعضها عن بعض، أو تحميل نتائجها لطرف واحد دون سواه.
فالأزمة لم تعد مجرد تراجع في خدمات الأونروا، ولا مجرد قضية حقوق تقع على عاتق الدولة اللبنانية، ولا مسؤولية تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين تحملها منفردة.
إنها حصيلة عقود من اللجوء والحرمان من حقوق أساسية، وتراجع الخدمات، والاكتظاظ السكاني داخل المخيمات، والقيود على البناء والترميم، إلى جانب تزايد الإجراءات والتضييقات الأمنية وغياب معالجة شاملة للوجود الفلسطيني في لبنان.
ولا يمكن فصل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة عن القيود المفروضة على حق الفلسطيني في العمل والتملك. فمن الصعب مطالبة اللاجئ بالاعتماد على نفسه فيما تغلق أمامه أبواب واسعة للعمل والاستقرار الاقتصادي، ثم محاولة معالجة نتائج هذا الحرمان بالمساعدات والإغاثة،فالحقوق الإنسانية والاجتماعية، وفي مقدمتها العمل والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، لا تعني التوطين ولا تتعارض مع حق العودة، بل تعزز قدرة اللاجئ على الصمود والتمسك بهويته الوطنية وحقه في العودة.
وتزداد الأزمة تعقيدا داخل المخيمات، حيث تضاعفت أعداد السكان عبر العقود، بينما بقيت المساحات محدودة والبنى التحتية عاجزة عن مواكبة هذا النمو. وتتفاقم المشكلة مع القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والإعمار والترميم إلى عدد من المخيمات، رغم تهالك الأبنية وازدياد الحاجة إلى السكن، إضافة إلى التضييق الأمني والإغلاقات والقيود على الحركة في بعض المخيمات.
وفي موازاة ذلك، تتراجع خدمات وكالة الأونروا الإغاثية والصحية والتربوية والتشغيلية والاجتماعية، في وقت تتزايد فيه احتياجات اللاجئين. ولا يمكن فصل هذا التراجع عن الأزمة المالية المزمنة للوكالة والهجمة السياسية الإسرائيلية والأميركية التي تستهدف دورها وولايتها، باعتبارها شاهدا دوليا على استمرار قضية اللاجئين. لذلك فإن الدفاع عن الأونروا يجب أن يقترن بالمطالبة بتحسين خدماتها وعدم تحميل اللاجئين نتائج أزماتها، وبالضغط على المجتمع الدولي لضمان تمويلها واستمرار ولايتها إلى حين حل قضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي ظل هذا الواقع، انتقل جزء متزايد من الأعباء إلى منظمة التحرير الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين في لبنان. وقد قدمت القيادة الفلسطينية ومؤسسات المنظمة مساعدات وبرامج مهمة لدعم صمود اللاجئين، من بينها صندوق الرئيس محمود عباس لدعم الطالب الفلسطيني في لبنان، وصندوق التكافل، ورواتب المتفرغين، ومخصصات أسر الشهداء، إلى جانب تقديمات دائرة شؤون اللاجئين في مجالات صيانة وتأهيل المخيمات ومشاريع البنى التحتية، بما فيها شبكات المياه والآبار والكهرباء، إضافة إلى الضمان الصحي الفلسطيني.
لكن اتساع الفقر والبطالة والحاجات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتراجع خدمات الأونروا، وتراكم مشكلات السكن والبنى التحتية، جعل حجم الأعباء يتجاوز قدرة منظمة التحرير والسفارة ومؤسساتهما على معالجتها منفردة. فالمنظمة ليست بديلا عن الدولة اللبنانية، كما أنها ليست بديلا عن الأونروا والمجتمع الدولي، مثلما أن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها الوطنية في الدفاع عن اللاجئين وحقوقهم وقيادة التحرك السياسي لمعالجة قضاياهم.
وفي المقابل، لا يمكن للدولة اللبنانية أن تتحلل من مسؤولياتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين أو أن يستمر التعامل مع وجودهم بصورة أساسية من الزاوية الأمنية. فالأمن والاستقرار مصلحة فلسطينية ولبنانية مشتركة، لكن الأمن الدائم لا يصنع بالحواجز والإغلاقات والتضييق وحدها، بل يحتاج أيضا إلى معالجة الفقر والبطالة والسكن والحقوق وانسداد الآفاق أمام الأجيال الشابة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: عندما يحرم الفلسطيني من العمل تزداد حاجته إلى المساعدة، وعندما تتراجع خدمات الأونروا تنتقل أعباء إضافية إلى منظمة التحرير والمؤسسات الفلسطينية، وعندما تغيب الحلول لمشكلات السكن والاكتظاظ والبنية التحتية تتفاقم الأزمات الاجتماعية، وعندما تتراكم البطالة والفقر وانعدام الأفق تصبح المشكلات الأمنية أكثر تعقيدا. أي أن تراجع مسؤولية أي طرف يضاعف العبء على الأطراف الأخرى، وفي النهاية يدفع اللاجئ الثمن.
لهذا لم يعد المطلوب إدارة كل أزمة عند وقوعها، وإنما الانتقال إلى استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة، تقودها منظمة التحرير بالتكامل مع سفارة دولة فلسطين، وتشارك فيها القوى والفصائل واللجان الشعبية والاتحادات والمؤسسات والكفاءات الفلسطينية. استراتيجية توحد الموقف الفلسطيني في الحوار مع الدولة اللبنانية والأونروا والمجتمع الدولي، وتربط بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتطوير المخيمات وحماية الأونروا والأمن والاستقرار، بدلا من التعامل معها كملفات منفصلة.
وبالمقابل، المطلوب حوار فلسطيني – لبناني ينتقل بالوجود الفلسطيني من المقاربة الأمنية إلى مقاربة سياسية وحقوقية واجتماعية متكاملة، تحفظ سيادة لبنان وأمنه، وتصون في الوقت نفسه كرامة اللاجئ الفلسطيني وحقوقه الإنسانية.
إن قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ليست قضية مساعدات فقط، وليست ملفا أمنيا، ولا عبئا يمكن أن تتحمله منظمة التحرير وحدها. إنها مسؤولية متداخلة تتطلب أن يتحمل كل طرف واجباته، بدلا من نقل الأعباء من طرف إلى آخر.
وبعد أكثر من سبعة عقود على النكبة، آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها؛ بما يعزز صمود اللاجئ وكرامته، ويحمي المخيمات ويطورها، ويحافظ على الأونروا، ويفعل دور منظمة التحرير والسفارة الفلسطينية، ويفتح مسارا جديا مع الدولة اللبنانية لمعالجة الحقوق الإنسانية والاجتماعية.
فتعزيز صمود اللاجئ الفلسطيني في لبنان ليس بديلا عن العودة ولا مدخلا للتوطين، بل هو أحد شروط حماية حق العودة نفسه، إلى أن يعود اللاجئون إلى ديارهم التي هجروا منها قسرا وفق القرار الدولي 194.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة