فاديا منصور / بوابة اللاجئين الفلسطينيين
في أحد أحياء مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين، شمالي لبنان، تحوّلت علاقات الجيرة الممتدة منذ سنوات بين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين إلى شبكة من الروابط الاجتماعية والعائلية والمصالح اليومية المشتركة، تبدأ من السكن والعمل والتسوق، وتصل إلى المصاهرة بين العائلات.
وتحمل المنطقة اسم “الحارة اللبنانية” نسبة إلى اللبنانيين الذين شكّلوا جزءاً كبيراً من سكانها عند نشأتها، قبل أن تتوسع عمرانياً واجتماعياً وتصبح مساحة يسكن ويعمل فيها أبناء الجنسيات الثلاث.
ولا ينفي السكان وقوع خلافات فردية، لكنهم يرون أنها لا تعبّر عن طبيعة العلاقة العامة في الحارة، ولا تختلف عن الإشكالات التي يمكن أن تقع في أي مجتمع، مؤكدين أن الجيرة والاحترام والتعامل اليومي تغلب اختلاف الجنسية أو الانتماء.
“أهل المخيم أهلنا”
يقول المواطن اللبناني أبو بلال التركماني، من سكان “الحارة اللبنانية”، إن العلاقة بين أهالي المنطقة وسكان المخيم تقوم على التفاعل اليومي والتبادل التجاري، إذ يقصد متجره زبائن من داخل المخيم وخارجه، فيما يشتري بدوره احتياجاته من محاله.
ويختصر هذه العلاقة بقوله: “أهل المخيم يأخذون من عندنا، ونحن أيضاً نأخذ منهم”، في إشارة إلى المصالح المتبادلة التي تشكل جزءاً أساسياً من حياة السكان.
ويقع منزل أبو بلال ومتجره داخل المخيم، حيث اعتاد الحياة وأصبح جزءاً من نسيجه الاجتماعي. ويصف أجواء المنطقة بأنها “حلوة كثير”، معتبراً أن الإشكالات التي تقع أحياناً بين الناس أمر طبيعي يمكن أن يحدث في أي مكان.
ويعبّر عن ارتباطه بالحارة والمخيم بالقول: “المخيم أحلى مكان، وأحلى جو، وأحلى عالم.”
حين تتحول الجيرة إلى قرابة
ولا تقتصر الروابط بين العائلات على الجيرة والتبادل التجاري، إذ تقول المواطنة اللبنانية مريم التركماني إن الصورة التي كانت تحملها عن الحياة داخل المخيم قبل السكن بالقرب منه اختلفت عما وجدته على أرض الواقع.
وتصف علاقتها بأهالي المنطقة بأنها طبيعية، مضيفةً: “كلنا جيران وأقارب كمان”، ومشيرةً إلى وجود مصاهرات بين عائلات لبنانية وفلسطينية، بينها زواج عمها من فلسطينية، إلى جانب زيجات أخرى شهدتها المنطقة.
وتتسوق مريم باستمرار من داخل المخيم، سواء لشراء الملابس أو الطعام والشراب، بسبب قربه وتوفر احتياجاتها في محاله وأسواقه.
وترى أن اجتماع الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين في المنطقة لم يمنع نشوء علاقات اجتماعية طبيعية، مؤكدةً أنها لم تشعر بوجود تمييز في تعامل الناس معها.
وتقول إن الخلافات الفردية، حين تقع، لا تختصر طبيعة العلاقات بين السكان، إذ يمكن أن تحدث في أي مجتمع، قبل أن تنتهي بالمصالحة من دون أن تتحول إلى قطيعة أو ضغينة دائمة.
“لا فرق بين فلسطيني ولبناني وسوري”
بالنسبة إلى اللاجئ الفلسطيني عماد السيد، تمثل “الحارة اللبنانية” مكاناً للسكن والعمل والحياة اليومية، وليست مجرد تسمية تميز جزءاً من المخيم عن غيره.
ويصف علاقته بسكانها بأنها “طبيعية جداً”، مؤكداً أنه لا يفرّق في التعامل بين الفلسطيني واللبناني والسوري، وأن أبناء المنطقة جميعاً “إخوة.”
ويربط السيد اسم الحارة بتاريخ نشأتها، موضحاً أن عدداً كبيراً من سكانها الأوائل كانوا لبنانيين، وأن المبنى الذي يقيم فيه حالياً كان يسكنه لبنانيون، بينما يُعد هو الفلسطيني الوحيد فيه.
ويشير إلى أن المنطقة بدأت بعدد محدود من المنازل اللبنانية، ثم توسعت مع مرور السنوات لتصبح حارة كاملة، فيما استمرت علاقات الجيرة بين سكانها على اختلاف خلفياتهم.
ويؤكد اللاجئ الفلسطيني حمزة حمدان أن هذه العلاقات تجاوزت حدود الجيرة، لتنشأ روابط اجتماعية وعائلية متداخلة بين الفلسطينيين واللبنانيين.
ويقول إن التعامل اليومي جعل السكان أكثر تقارباً، فيما يتسوق أبناء المنطقة من داخل المخيم وخارجه بحسب احتياجاتهم، لافتاً إلى أن السنوات الماضية شهدت نشوء “نسب وترابط بين العائلات.”
“الدين بالنسبة إليّ هو المعاملة”
ويرى اللاجئ الفلسطيني يوسف عباس أن اختلاف الدين أو الجنسية يجب ألا يتحول إلى سبب للخلاف بين السكان، مؤكداً أن علاقته بأهالي المنطقة تقوم على المحبة والاحترام.
ويقول عباس: “ما بفرّق بين مسلم ومسيحي، الدين بالنسبة إليّ هو المعاملة”، مشدداً على أهمية الحفاظ على العلاقات الاجتماعية بعيداً عن التفرقة.
ويشير إلى أن الفلسطينيين عاشوا سنوات طويلة من الحروب والمعاناة، معرباً عن أمله في تحسن أوضاعهم، ولافتاً إلى أن عدداً من أقاربه يرتبطون بعائلات لبنانية من خلال الزواج، بما يعكس حجم الروابط التي تشكلت بين السكان.
السوريون جزء من تفاصيل الحارة
وتضم “الحارة اللبنانية” أيضاً عائلات وأفراداً سوريين أصبحوا جزءاً من حياتها اليومية. ويقول أحد السوريين المقيمين في مخيم البداوي إن العلاقة بين أبناء الجنسيات الثلاث “جيدة جداً”، وإن الإشكالات التي يمكن أن تقع تبقى مرتبطة بأفراد ولا تمثل العلاقة العامة بين السكان.
ويقيم الرجل في المنطقة منذ نحو عشرة أو أحد عشر عاماً، ويؤكد أنه لم يتعرض خلالها لأي أذى، بل عاش إلى جانب جيران فلسطينيين ولبنانيين وسوريين بصورة طبيعية.
ويشير إلى أن اجتماع أبناء الجنسيات الثلاث داخل المبنى أو الحي نفسه بات أمراً مألوفاً، داعياً إلى الابتعاد عن الأصوات التي تحاول إثارة الخلافات بين السكان، ومؤكداً أنهم “في غنى عنها“.
بدوره، يقول السوري حمادي شهاب، الذي يعمل في “الحارة اللبنانية” ويسكن داخل المخيم، إنه لم يتعرض للتمييز بسبب جنسيته خلال تجربته في المنطقة.
ويعمل شهاب في الحارة منذ نحو سنة إلى سنة ونصف، فيما تضعه إقامته داخل المخيم على تماس يومي مع الفلسطينيين واللبنانيين في مكانَي السكن والعمل.
ويصف معاملة السكان له بأنها “جيدة ومحترمة”، مؤكداً أنه لم يتعرض لمضايقة أو إساءة بسبب كونه سورياً، سواء في عمله أو منزله أو علاقته بجيرانه.
وعن مستقبله، يقول شهاب إنه إذا غادر المخيم فلن تكون وجهته سوى سوريا، مفضلاً البقاء في المكان الذي يعيش فيه حالياً إلى حين تمكنه من العودة إلى بلده.
اسم لبناني وحياة مشتركة
تحتفظ الحارة باسم يروي جانباً من تاريخ نشأتها، لكن واقعها اليومي بات أكثر تنوعاً وتداخلاً؛ فالفلسطيني واللبناني والسوري يتشاركون الأبنية والأسواق وأماكن العمل، فيما ربطت المصاهرة بين عدد من عائلاتهم.
ولا يقدم السكان الحارة بوصفها مكاناً يخلو من الخلافات، بل باعتبارها نموذجاً لحياة يومية تمكّنت فيها العلاقات المباشرة من احتواء الاختلافات الفردية، ومنعها من التحول إلى قطيعة بين المكونات الاجتماعية.
وفي “الحارة اللبنانية”، لا تختفي هويات السكان وتسمياتهم، لكنها تتقاطع داخل مساحة واحدة تجمعهم فيها الجيرة والمصلحة والقرابة، وتبقى المعاملة والاحترام أساس العلاقة بينهم.
