أيهم السهلي
خشيت قيادة حركة فتح، والسلطة الفلسطينية، من التحالف الناشئ بين التيار الفتحاوي الإصلاحي (محمد دحلان) وحركتي حماس والجهاد الإسلامي. ولذلك أصدر رئيس السلطة الفلسطينية مرسومه الذي كان متوقعاً في 10 الشهر الجاري، الذي أجّل بموجبه الانتخابات إلى 11 أيلول 2027، على أن تجري حينها انتخابات شاملة رئاسية وتشريعية. واستند عباس في تأجيل الانتخابات على العوائق الإسرائيلية التي تحول دون إجراء الانتخابات في القدس وغزة.
عدا عن الخشية، وهي لها ما يبررها لدى «فتح»، فهذا التحالف، وإن كان لا يُفضّل البعض فيه «التيار الإصلاحي» إلا إنه بات يقبله على مضض مقابل الحالة القائمة منذ سنوات، ولا سيّما تفرّد الرئيس عباس بقراراته، هو والقيادة التي حوله، ولا سيّما المرشحون لخلافته.
«فتح» اليوم أمام إشكالات لن تجد بعد طريقاً لحلها. والطريق واضحة، هي الوقوف أمام الذات، والقيام بمراجعة صارمة، والسؤال عن أسباب العزوف والرفض لمن كانت بحق «أم الجماهير». وبتقديري لن تسأل «فتح» نفسها السؤال الأعمق: لماذا كان هناك احتمال تشكيل قائمة فتحاوية مستقلة عن قائمة الحركة الرسمية، يقود هذه المبادرة عضو اللجنة المركزية في الحركة الأسير القائد مروان البرغوثي، الحائز أعلى الأصوات في مؤتمر الحركة الأخير؟
عدم طرحها الأمر للنقاش الداخلي أو الخارجي، والهروب إلى الأمام بتأجيل الانتخابات، سرّه في كواليس اللجنة المركزية الفتحاوية، لكن هذه الكواليس بات كل متابع للشأن الفلسطيني يدركها في يوميات القضية الفلسطينية على مستوى إداراة المشهد السياسي، وعلى مستوى المواقف التي تتخذها «فتح» في الداخل والخارج. من تغيّب أعضاء لجنة مركزية عن اجتماعات لجنتهم احتجاجاً على قرارات وترتيبات أبو مازن وبعض من حوله. إلى محاولات التسوية مع البرغوثي الذي لا يريد التعامل إلا بوطنية عالية، آخذاً بعين الاعتبار الانكسارات في المشهد الفلسطيني الحالي.
عدا عن القائد مروان البرغوثي، القيادة «الفتحاوية» الحالية تتعامل مع الحالة الفلسطينية، كأنها الوحيدة التي تمتلك القرار، وكأن الفلسطينيين مجمعون على وحدانية تمثيل «فتح»، في حين أن المعظم مجمع على تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لهم، لكن ليس بوضعها الراهن، التي يقرر الرئيس متى يشاء وقف حقوق فصيل معيّن لكونه لا يؤيد «الرئيس الفلسطيني-رئيس حركة فتح-ورئيس منظمة التحرير».
منذ سنوات، كنت بصحبة زملاء وأصدقاء في مدينة عربية، فجأة وصلت سيارة إلى المكان، فترجّل منها رئيس دائرة المفاوضات السابق الراحل صائب عريقات، فتقدم منا ليسلم علينا، ولم يكن يعرف أي أحد منا، وبادرنا بأسئلة تعارفية. بعد انتهاء المجاملات اللطيفة، سألته، وكان الربيع العربي في أوجه، عن حالة الحكم في فلسطين، فانتبه بذكاء وسرعة بديهة إلى ما كنت أرمي إليه، فقال لي: لن تكون فلسطين كأي دولة عربية، لن تكون ديكتاتورية ولن يحكمها ديكتاتور، ولايستطيع أحد فعل ذلك، وعاد في الحديث إلى انتخابات 2006، فقال: فازت المعارضة. انتهى الحديث، نظراً للفعالية التي كانت ستبدأ خلال دقائق، ولم نتطرق إلى الانقسام الذي ندفع ثمنه كشعب وقضية حتى اليوم، جراء فوز «المعارضة».
لم يعش عريقات إلى يومنا هذا ليرى ما آلت إليه القضية الفلسطينية، وبعض الفلسطينيين في مواقع القرار هم من أسباب سوء أحوالنا، من دون إغفال دور الاحتلال الذي إن ظلت الأمور كما هي الآن، فسيتحكّم بأنفاس الفلسطينيين. وضمن هذا الواقع، لا يمكن إغفال دور الحالة الفلسطينية ككل، ولا سيّما بقية الفصائل الفلسطينية الفاعلة والمؤثرة في السياسة الفلسطينية، فهي جزء من الخراب القائم، وهي من صنّاعه، تحديداً حركة حماس التي يجب عليها أن لا تغفل على الإطلاق عن أنها كانت تُستخدم ربما من أجل مصالحة فتحاوية فتحاوية، تفتح فيها الحركة عباءتها وتضم من جديد ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
المؤكد أنه لا يوجد «فتحاوي» واحد، يريد أن تخرج السلطة من يد حركته، سواء الذين يدينون بالولاء الكامل لـ«أبو مازن» أو أولئك الذين يدينون لدحلان، أو الذين يعارضون الطرفين. وهذا ليس غريباً على أي حزب أو حركة في العالم تصل إلى الحكم. لكن في حالة فلسطين، الحال أن السلطة بلا سلطة، حتى على نفسها، والدولة المنوي إقامتها معظم الدول الداعمة لقيامها لن تفعل شيئاً من أجل وجودها، ولن تقف في وجه إسرائيل بأكثر من المواقف والبيانات. والأهم أن كل المواقف مرهونة بتبدّل مزاج الناخبين مثلاً، فإذا ما أتوا بحكومة يمين، فإن مواقف السلطات الحالية المؤيدة للفلسطينيين قد تتبدّل، إسبانيا مثالاً، مع غض النظر عن موقف الشعب الذي لم تصنعه حكومة سانشيز، بل انسجمت معه واتبعته.
حركة فتح الثورية انطفأت، وتحولت إلى حزب حاكم، كأي حزب في العالم. ونسيت بعض قياداتها أسباب وجود هذه الحركة المستمرة حتى اليوم، والتي تختصر بالاحتلال. وأي حزب في العالم إذا ما لم يجدد نفسه، ويعيد قراءة نفسه تقييماً ونقداً، ويقرأ الواقع كما هو ليس كما يتمنى، سيترهل ويفشل ويتحول إلى ديكتاتور، وسيسقط.
وكجزء من قراءة الواقع، التأكد من الكادر الحقيقي المنتمي للحركة فعلياً، وليس مصلحياً. ففي «فتح» اليوم مجموعة من الكوادر، غالبيتهم تقتصر مهمتهم على ترديد عبارات «كل الاحترام» و«كل التقدير» محاباة لما تفعله القيادة التي أصبحت متكبرة ومغرورة وغير واقعية، وهذه لعمري الوصفة المجرّبة لإسقاط أعتى سلطة في التاريخ ذاتياً.
تأجيل الانتخابات ليس المشكلة الوحيدة، وحتى الانتخابات نفسها. المعضلة هي النظام السياسي الفلسطيني المعطّل بفعل القوتين “فتح” و”حماس” اللتين توافقتا على تأجيل الانتخابات، وذلك بعد أن عرفت “فتح” باللحم الحي خريطة التحالفات التي لا تناسبها، وعرفت “حماس” حجم التناقضات التي أمامها وعليها تجاوزه إن استطاعت.
* كاتب فلسطيني