حسن السيدة
لم تعد الهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط مجرد محاولة محفوفة بالمخاطر للوصول إلى حياة أفضل، بل تحولت إلى مأساة إنسانية متكررة، تكشف عن عمق الأزمات التي تدفع الإنسان إلى المخاطرة بحياته بحثاً عن الأمان والكرامة والاستقرار.
وفي الحالة الفلسطينية في لبنان، لا يمكن فصل هذه الرحلات الخطرة عن واقع اللجوء الممتد، والأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، والقيود المفروضة على فرص العمل، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية، وانسداد الآفاق أمام فئات واسعة من الشباب والعائلات.
وفي أحدث الحوادث 19 تشرين أول 2026 التي تعكس خطورة هذا المسار، تأكدت، وفق المعلومات الواردة، وفاة الفلسطينيين سامي الطيار ومحمد فخري مبدي، من أبناء مخيم نهر البارد شمالي لبنان، والشاب أحمد فاعور من تعلبايا في البقاع، إثر انقلاب مركب مهاجرين في المسار البحري بين تركيا واليونان، فيما لا يزال مصير أربعة فلسطينيين مجهولاً، مقابل نجاة ثلاثة آخرين من مخيمي نهر البارد والبص.
ولا تقتصر هذه المأساة على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى عائلات تعيش الانتظار والقلق، وتواجه احتمال فقدان أبنائها من دون معرفة مصيرهم أو القدرة على الوصول إلى معلومات حاسمة بشأنهم.
إن هذه الحادثة ليست معزولة عن سجل المآسي البحرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. ففي 21 أيلول/سبتمبر 2022، غرق قارب انطلق من شمال لبنان باتجاه أوروبا قبالة الساحل السوري، فيما أكدت آنذاك وفاة ستة فلسطينيين على الأقل في الحادثة.
وقد شكّلت تلك الكارثة محطة مؤلمة كشفت عن حجم المخاطر التي يواجهها اللاجئون والمهاجرون عندما يضطرون إلى سلوك طرق بحرية غير آمنة بحثاً عن مستقبل أفضل.
حين يتحول البقاء إلى معركة يومية
تتجاوز أسباب الهجرة غير النظامية قراراً فردياً بالسفر، لتكشف عن واقع اجتماعي واقتصادي يدفع بعض اللاجئين إلى الاعتقاد بأن البقاء لم يعد يضمن لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة. ويجد اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أنفسهم أمام أزمات متداخلة، تشمل الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب محدودية فرص العمل والقيود القانونية التي تؤثر في قدرتهم على بناء مستقبل مستقر.
يعيش في لبنان نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني وفق التعداد الرسمي الصادر عن لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني عام 2017، أو نحو 250 ألفاً وفق التقديرات التشغيلية لوكالة الأونروا
ووفقاً للمسح الاجتماعي والاقتصادي للاجئين الفلسطينيين في لبنان الصادر عن الأونروا عام 2025، والمستند إلى بيانات جُمعت بين أواخر عام 2022 وبدايات عام 2023، بلغت نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين 83%، فيما وصل معدل البطالة إلى 32% ، وتعكس البيانات المنشورة على موقع وكالة (الأونروا) حجم الأزمة؛.
كما أظهرت البيانات أن النسبة يمكن أن ترتفع إلى 93% في غياب المساعدات النقدية الفصلية ، وتجد ر الاشارة إلى أن نسبة الفقر كانت تبلغ 65 في المئة عندما أجرت “الأونروا” مسحاً اجتماعياً اقتصادياً سابقاً في لبنان عام 2015.
وتتفاقم هذه الأوضاع عندما تتراجع المساعدات الإنسانية أو تصبح غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية، في وقت تظل فيه عائلات كثيرة معتمدة على دخل يومي متقطع، لا يوفر لها القدرة على مواجهة الأزمات أو الادخار أو التخطيط للمستقبل.
وفي هذا السياق، تروي السيدة (ز. م)، من سكان مخيم الرشيدية جنوبي لبنان، جانباً من معاناة أسرتها، قائلة:
يعمل زوجي عاملاً مياوماً في القطاع الزراعي، بأجر لا يتجاوز 10 دولار يومياً. ونعاني من الازمات المتلاحقة التي تاتي من ازمات اقتصادية وحروب متتالية وضيق الأمل لتأمين ادنى متطلبات الحياة التي لا تستطيع ان تؤمنها، وعن الدوافع التي قد تدفع بعض العائلات إلى التفكير في ركوب البحر، تقول: «إن ضيق العيش وانسداد الأفق يدفعان الناس إلى تحمل المخاطر والأهوال.
فالإنسان لا يغامر بحياته وحياة أطفاله إلا عندما يشعر بأن خيارات البقاء تضيق إلى حد كبير، وأنه لم يعد قادراً على تأمين حياة كريمة لهم. عندها يبدأ البحث عن أي نافذة أمل، حتى لو كان الطريق إليها محفوفاً بالمخاطر».
إن هذه الشهادة، على خصوصيتها، تعبّر عن جانب من واقع أوسع تعيشه عائلات فلسطينية في لبنان، حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على تراجع الدخل، بل باتت تمس القدرة على تأمين الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والسكن اللائق، وتضع الأسر أمام خيارات قاسية تتعلق بأولويات البقاء.
شباب بلا أفق… وشهادات لا تجد طريقها إلى العمل
ولا تقل معاناة الشباب الفلسطينيين خطورة عن معاناة العائلات. فسنوات الدراسة والتحصيل العلمي لا تضمن بالضرورة الحصول على فرصة عمل تتناسب مع المؤهلات، في ظل البطالة ومحدودية الفرص والقيود التي تطال ممارسة عدد من المهن. ويؤدي هذا الواقع إلى تآكل الثقة بإمكانية بناء مستقبل مستقر، خصوصاً لدى الشباب الذين يجدون أنفسهم عالقين بين طموحاتهم المهنية والواقع الاقتصادي والقانوني المحيط بهم.
ويعبّر الشاب (م)، الذي خاض رحلة هجرة بحرية غير نظامية باتجاه أوروبا، عن دوافع قراره قائلاً: لم يعد هناك أفق واضح للمستقبل في المخيمات. نتعلم ونحصل على الشهادات الجامعية، ثم نصطدم بأبواب العمل المغلقة. وإن وجدنا عملاً، فقد تكون الأجور زهيدة ولا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويشير إلى أن عدداً من الخريجين الجامعيين يضطرون إلى العمل في مهن لا تتناسب مع تخصصاتهم، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، رغم ما بذلوه من سنوات في الدراسة والجهد.
ولا ينبغي قراءة هذه الشهادات باعتبارها تبريراً للمخاطرة بالحياة، بل بوصفها مؤشرات على بيئة تضيق فيها الخيارات أمام الشباب، وتتراجع فيها فرص الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. فحين تتعثر سبل التعليم والعمل والحماية الاجتماعية، تصبح الهجرة لدى بعضهم خياراً يراهنون عليه للخروج من واقع يشعرون بأنه لا يمنحهم فرصة عادلة للحياة.
ومن هنا، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على التحذير من مخاطر البحر أو تشديد الإجراءات الأمنية، بل يجب أن تقترن بسياسات تعالج أسباب اليأس، وتوسّع فرص العمل، وتضمن الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتفتح مسارات آمنة وقانونية للحماية والتنقل.
بين شبكات التهريب وواجبات الحماية الدولية
لا يمكن تناول دوافع الهجرة من دون التوقف عند دور الأونروا في توفير الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولا سيما التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية.
فالوكالة تمثل مرجعاً أساسياً لتقديم الخدمات لشريحة واسعة من اللاجئين، ويؤثر أي تراجع في قدرتها التمويلية والتشغيلية بصورة مباشرة في الأسر التي تعتمد على خدماتها ومساعداتها.
ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة حشد الدعم السياسي والمالي للوكالة، وضمان استمرارية خدماتها الأساسية، وتعزيز برامج المساعدات النقدية والإغاثية الموجهة إلى الأسر الأكثر هشاشة، بما يراعي حجم الاحتياجات الفعلية ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة منتظمة وشفافة.
كما تبرز الحاجة إلى دعوة الأونروا والجهات المانحة إلى تقييم آثار تراجع المساعدات على الأمن الغذائي للأسر الفلسطينية، وعلى قدرة العائلات على تغطية تكاليف التعليم والصحة والسكن، والعمل على وضع استجابة طارئة واضحة عندما تتفاقم الأزمات أو تتعرض التجمعات الفلسطينية لمخاطر استثنائية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تُحمَّل الأونروا وحدها مسؤولية معالجة أزمة تتجاوز نطاق عملها الإنساني والخدماتي.
فمعالجة الأسباب البنيوية للفقر والحرمان تتطلب أيضاً خطوات من السلطات اللبنانية والجهات المعنية لتحسين أوضاع اللاجئين القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وتوسيع فرص العمل اللائق، وتخفيف العوائق التي تحول دون مشاركتهم في الحياة الاقتصادية، بما يحفظ كرامتهم ويعزز قدرتهم على الاعتماد على الذات.
إن تقديم المساعدات العاجلة ضرورة لا غنى عنها، لكنه لا يشكل بديلاً عن سياسات مستدامة تحمي الإنسان من الفقر والتهميش، وتمنحه فرصة حقيقية لبناء حياته داخل المخيمات واماكن اللجوء
من مواجهة المأساة إلى معالجة جذورها
إن تكرار حوادث الغرق يفرض تحولاً جذرياً في التعاطي مع هذه الأزمة، والانتقال من منطق الاكتفاء بإصدار التعازي وتقديم المساعدات الإغاثية اللحظية بعد وقوع المأساة، إلى تبني مقاربة وقائية متكاملة تتعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية حقوقية وتنموية وإنسانية قبل أن تكون ملفاً أمنياً.
ويتأتى ذلك من خلال ضمان تمويل مستدام لوكالة الأونروا والدول المانحة بما يكفل استمرارية الخدمات الأساسية، وتطوير برامج دعم نقدي وإغاثي للأسر الأشد فقراً تتسم بالشفافية والاستجابة السريعة لمستجدات الأزمات.
وفي التوازي مع الدعم المباشر، تُصبح الحاجة ماسة لإنشاء آليات تمويل طارئة ومستدامة توفر برامج تدريب وتأهيل وتشغيل، وتدعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة للشباب بالتعاون مع المؤسسات المختصة، بهدف خلق بدائل تنموية حقيقية تُصلح بيئة العيش وتُعالج جذور الفقر واليأس.
إن مأساة قوارب الموت لا تختصرها فقط أعداد الضحايا والمفقودين مهما بلغت فداحة الخسائر، بل تكشف عن واقع مأزوم يجد فيه الإنسان نفسه مفاضلاً بين البقاء في ظروف قاسية أو المخاطرة بحياته في عرض البحر.
ولذا، فإن الاستجابة الحقيقية لمثل هذه الكوارث تتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية، لتحمل مسؤولياتهم التاريخية في حماية أرواح اللاجئين، وتوفير الأمان الاقتصادي والاجتماعي الذي يضمن لهم خيارات حقيقية وحياة كريمة تحميهم من خوض رحلات الموت.