آخر الأخبار

فلسطين شعب يقاوم وفصائل خارج الزمن

b1c240ee-f394-41ca-ba6f-346a9efd7437-rt9fl4ecthl2xeooxxy049hydbdcwo8ojng78qtmcw

حمزة البشتاوي

منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، شكّلت الفصائل الفلسطينية عنواناً أساسياً من عناوين النضال الوطني الفلسطيني، وحملت على عاتقها مسؤولية التحرير والعودة والدفاع عن الهوية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال. واستطاعت هذه الفصائل، في زمن العمل الفدائي والانتفاضة، أن تعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العربي والدولي، عبر الكفاح الوطني بأشكاله كافة، وبوجود مناضلين دفعوا أثماناً باهظة من حياتهم واستقرارهم، وقدّموا الكثير من التضحيات. لكن وضع هذه الفصائل أصبح مختلفاً على صعيد الفاعلية والحضور، وتطوير الأدوات، والإجابة عن أسئلة الناس المتعلقة بالحالة الراهنة والمستقبل والمصير، وتحديات الأوضاع في غزة والضفة ومخيمات اللجوء، واستمرار عدوان الاحتلال.
تعيش فصائل فلسطينية في قصور من البلاغة، دون أن تنتبه إلى أن الزمن تغيّر، وأن الشعب لم يعد قادراً على تحمّل الخطابات نفسها، بشعارات ثورية تحوّلت إلى غطاء لأكثر الممارسات جموداً، وكأن صلاحية الشعب عندها قد انتهت. لكن بقاء الفصائل الفلسطينية أو انتهاء دورها لا يُقاس فقط بقدراتها الذاتية أو بخطاباتها، بل أيضاً بامتدادها الاجتماعي، وقاعدتها الشعبية، وقدرتها على التكيّف مع الظروف والمتغيرات، وتطوير أدوات العمل السياسي والشعبي دون التنازل عن المبادئ، وإجراء مراجعة شاملة، وإطلاق المبادرات وفقاً لمصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
تطلق في الساحة الفلسطينية شعارات سياسية لا نعرف منها ما يمكن ان ترفضه الفصائل، وما يمكن ان تقبله ، وما هي الاولويات لدى فتح وحماس وفصائل منظمة التحرير وقوى التحالف والمؤسسات والنخب الفكرية والاجتماعية ، قد يكون المستقبل القريب متجهاً نحو إعادة تشكيل هذه الفصائل، أو اندماج بعضها، أو تراجع بعضها الآخر إلى مستويات أدنى مما هي عليه الآن، أو نشوء قوى سياسية واجتماعية جديدة، باستراتيجية عمل جديدة أيضاً، تستجيب للتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، ضمن مشروع وطني جامع لا مساومة فيه، وبمساحات أوسع من البنى التنظيمية القائمة، دون التفريط بالكيان السياسي والمعنوي، ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتي يجب ان تضم مختلف القوى والتيارات السياسية والاجتماعية على اساس الشراكة والمسؤولية في اطار المشروع الوطني العام.
لا تزال الفصائل الفلسطينية، رغم ما أصابها من تراجع، تعقد الاجتماعات وتصدر البيانات وتحشد ما أمكنها في المناسبات، مستندةً إلى التضحيات السابقة التي تعتبرها بمثابة حصانة سياسية لها، دون تقديم أي أجوبة عن أسئلة الحاضر والمستقبل والوحدة وفعل المقاومة بأشكالها كافة في ميدان المواجهة مع الاحتلال. وقد بات من حق الناس أن يسألوا، بعد سنوات من العجز عن إنهاء الانقسام: هل أصبحت المصالحة خطراً على مصالح بعض القيادات، أم أن مصالح تلك القيادات باتت تشكّل خطراً على المصالحة؟
إن المصالحة يجب أن تتم الآن، لا غداً، وفق مبادئ واضحة تتعلق بوحدة الأرض والشعب والتمثيل، ورفض التهجير، ومواجهة الاحتلال والاستيطان، ضمن رؤية واضحة للمستقبل، وبما يعبّر عن العمل الوطني الفلسطيني الذي بات مثقلاً بالكثير من التراجع والجمود والهشاشة الذاتية، في ظل قيادات مأزومة ترفض حتى الحديث عن أزمتها، وتعيش في قوقعتها، وتسمّي ذلك، ببرودة مطلقة، حياةً سياسية. وبسبب هذه القيادات، خرج الشعب الفلسطيني من الحياة السياسية في حالة من التشتت والضياع والإحباط، نتيجة عجز قواه السياسية عن الفعل.
ولذلك، بات الفلسطينيون يبحثون عن صيغ جديدة للعمل السياسي تؤمّن لهم الخلاص الفردي والجماعي، والانتقال من الشعارات التي «طفّشتهم» من السياسة إلى الفعل والتنظيم، ومن الانتظار إلى اليقظة، ومن التشاؤم إلى التفاؤل. وهذه من صفات الشعب الفلسطيني المقاوم، الذي يقدّم التضحيات في مواجهة الاحتلال، رفضاً للخضوع والإذعان.
تحوّلت الفصائل الفلسطينية في المرحلة الراهنة إلى تنظيمات ساكنة ومتكلّسة، وأطر شكلية بعيدة عن الواقع، وأصبحت موضع انتقاد دائم من الناس ومن المجتمع السياسي الفلسطيني، الذي اعتبر أن عجز هذه الفصائل عن تحقيق المصالحة والوحدة ، والتوافق ، واجراء الانتخابات وتفعيل المقاومة الشاملة قد دفع بالقضية الفلسطينية نحو أزمة مغلقة، حدودها التفكك والإحباط.
ويأتي ذلك وسط إصرار هذه الفصائل على الاستمرار في عقد الاجتماعات الضيقة والموسعة، واجتماعات «النص نص»، حول الوحدة والحوار الوطني وإنهاء الانقسام والانتخابات. وإضافة إلى ذلك، تحاصر هذه الفصائل الشعب الفلسطيني بمعايير ناقصة التحديد، مثل «حق عادل للاجئين» و«الدولة المستقلة» و«السلطة الوطنية»، وهي معايير لا ترقى إلى مستوى ما يريده الشعب الفلسطيني من المشروع الوطني بأبعاده الأخلاقية والثقافية والتاريخية.
كما أن هذه الفصائل تقول ما تقول دون أن تقرن أقوالها بالأفعال، وهو ما يدفع إلى القول إنه لم تعد هناك ضرورة لوجودها خارج إطار الدور المطلوب منها وطنياً. فالضرورة القصوى اليوم هي جعل السياسة شأناً وطنياً يشارك فيه الجميع، لا حكراً على قيادات تعيش داخل حيزها المغلق، بلا نوافذ ولا أبواب.
إن فلسطين اليوم، وهي تواجه محاولات المحو والإبادة والعدوان، لا تحتاج إلى فصائل تشكّل عائقاً أمام المشروع الذي نشأت من أجله، بل تحتاج إلى فصائل وقوى قادرة على الدفاع عن الأرض والشعب، والعمل من أجل تحقيق العودة والاستقلال، والخلاص من الاحتلال، وتجسيد الأقوال بالأفعال، بلا خوف، وبلا قهر، وبلا انقسام.

 

كاتب وإعلامي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة