في عقدهم الدفاعية صمدوا أشهرًا طويلة بلا طعام ولا شراب كاف، وبلا اتصال بالعالم، وقاتلوا ببسالة وإيمان، هؤلاء هم رجال رفح وأبطالها الذين انقطع الاتصال بعدد غير معلوم منهم وباتوا حديث الجميع في الأيام الماضية مع إعلان الاحتلال وعصاباته اعتقال واغتيال عدد منهم.
وتوالت في الأيام الماضية الأنباء عن الهجمة الشرسة التي يشنها الاحتلال وعصاباته من العملاء والتي تستهدف مجموعات من مقاتلي المقاومة في مدينة رفح ممن انقطعت أخبارهم منذ أشهر طويلة داخل شبكة الأنفاق، في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا منذ أكثر من عامين. على قطاع غزة.
فالأبطال يتحركون تحت القصف والجوع، ويواجهون عمليات ملاحقة وتصفيات جسدية متكررة داخل الأنفاق والمناطق المدمرة التي أصبحت مسرحًا مفتوحًا للاجتياحات والاعتقالات.
صمود في بيئة مستحيلة
تكشف شهادات محلية وتقارير لفصائل المقاومة أن المقاتلين المحاصرين في رفح صمدوا نحو عام كامل دون غذاء كاف أو ماء أو خطوط اتصال، وعملوا في بيئة يستحيل على البشر احتمالها، وقاتلوا من بين الأنقاض وخلف أسوار الرمال التي صنعتها الحرب.
واعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه بوقع عملياتهم، وأقر بأن بعض الهجمات التي نفذوها خلف خطوط العدو أدت إلى خسائر مباشرة في صفوف قواته.
في بيان له قال «التَّجمُّع الوطنيَّ لعلماء ودعاة ومثقَّفي غزَّة» إنه يتابع بإجلال واعتزاز ما يسطره رجال رفح الأشدَّاء منذ نحو عام كامل، وهم معزولون تمامًا عن العالم، محاصرون تحت القصف والجوع، يقاتلون من بين ركام البيوت، وفي الأنفاق الَّتي حفروها بأظافرهم وأرواحهم، دون سند يليق بتضحياتهم، ولا نصرة من عالم أدار ظهره لجراحهم.
وأشار التجمع في بيان له إلى أن أولئك الرِّجال صمدوا في مشهد هو من أقدم وأصفى صور البطولة، صمود نادر في تاريخه ومشهوده، عاهدوا الله عليه، ورفضوا الاستسلام تحت أيِّ ظرف، ودافعوا عن أنفسهم وعن شعبهم، حتَّى ارتقى بعضهم شهداء، بوجوه بيضاء ستلقى ربَّها وهي تحمل أمانة العذر إلى الله؛ وقد أدُّوا الَّذي عليهم، وما نقضوا عهدًا ولا ولَّوا ظهورهم.
الملحمة الرَّفحيَّة
وشدد على أنَّ هذه الملحمة الرَّفحيَّة ليست صفحة عابرة، بل هي ذاكرة عزٍّ وفخار، وعلى كلِّ من خذلهم أن يخجل من مقامهم، فهم الَّذين ثبتوا حين انهارت جدران العالم من حولهم، وبقوا يقاتلون في وجه محتلٍّ مجرم لم تنفعه حرب ممتدَّة ولا آلة عسكريَّة في منع المقاومة من مواصلة رسالتها في كلِّ بقعة من القطاع.
وفي مواجهة الصور التي ينشرها الاحتلال لمحاولة إهانة الأبطال، أكد التجمع أن الصُّورة الواجبة للتَّاريخ هي صورة العزِّ لا صورة الأسى؛ فقد قدَّم أولئك الرجال كلَّ ما يستطيعونه وفوق طاقتهم، ونفد منهم الزَّاد، ولم تنفد منهم العزيمة. وسيلقون ربَّهم -من استشهد منهم- على أحسن ما يلقى به المجاهدون: نصر أو شهادة، وكلاهما فوز عظيم.
موقف حماس
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أكدت أن الجريمة الوحشية التي يرتكبها الاحتلال عبر ملاحقة وتصفية واعتقال المجاهدين المحاصَرين في أنفاق مدينة رفح تُعَدّ خرقًا فاضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودليلًا دامغًا على المحاولات المستمرّة لتقويض هذا الاتفاق وتدميره.
وقالت الحركة في بيان لها إنها بذلت طوال الشهر الماضي، جهودًا كبيرة مع مختلف القيادات السياسية والوسطاء لحلّ مشكلة المقاتلين وعودتهم إلى بيوتهم، وقدّمت أفكارًا وآليات محدّدة لمعالجة هذه المشكلة، في تواصلٍ كامل مع الوسطاء والإدارة الأمريكية بصفتها أحد ضامني اتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضحت أنّ الاحتلال نسف كل هذه الجهود، مُغلِّبًا لغة القتل والإجرام والملاحقة والاعتقال، في إجهاضٍ لجهود الوسطاء الذين بذلوا جهدًا كبيرًا مع مختلف الأطراف الدولية لوضع حدٍّ لمعاناة هؤلاء المقاتلين الأبطال.
وحملت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة مجاهدينا، ودعت الوسطاء إلى التحرّك العاجل للضغط على الاحتلال للسماح لأبنائنا بالعودة إلى بيوتهم، باعتبارهم نموذجًا فريدًا في التضحية والبطولة والصبر، وعنوانًا لكرامة وحرية الشعب الفلسطيني.
تفاعل وإشادات
وتفاعل آلاف المدونين مع قضية الأبطال، حتى تصدر وسم “رجال رفح” و”مقاتلو رفح” منصات التواصل الاجتماعي، وسط إشادات كبيرة بصمود هؤلاء المقاتلين الذين أمضوا مدة طويلة في الأنفاق في ظروف حصار وقصف وتجويع، ومن دون مأوى أو دعم، وواجهوا الاحتلال بإرادة لم تنكسر، ودافعوا عن الأرض والعرض، وسطروا كما وصفهم المغردون “ملحمة البطولة والعزة بدمائهم”.
يتساءل الصحفي أحمد حمدان: هل يستحق رجال رفح، بعد كل صمودهم، أن يُتركوا للمجهول؟!
وقال: عارٌ على العالم أن يصمت وهم محاصرون بين الجوع والخوف وآليات لا ترحم.. هؤلاء الذين ثبتوا وقاتلوا لأجل شعبهم، تُعلق حياتهم اليوم بلا مخرج ولا حل.
وكتب المدون والإعلامي خالد صافي عن الأبطال قائلا: في أنفاق رفح، يقبع رجالٌ يصارعون الجوع والخذلان وأطول حصارٍ عرفه التاريخ الحديث.
وتداول ناشطون وصفا إنسانيا لحكاية من داخل الأنفاق، قالوا فيه “إن رفح ليست مجرد مدينة، بل إنها نفق يحمله رجال من خيرة أهل الأرض، حملوا وصية الله ورسوله، ومضوا بثبات يقدمون أرواحهم فداء للحق والأرض، في مواجهة أعتى قوى البطش، بلا سند إلا إيمانهم، وبلا سلاح إلا ما أعدته سواعدهم”.
الإعلامي إبراهيم مسلم أشار إلى صمود الأبطال 365 يومًا من الثبات رغم القصف والحصار، مؤكدا أنهم واجهوا الاحتلال بإرادة لا تنكسر وتصدّوا لأعتى الهجمات وبقوا في مواقعهم ودافعوا عن الأرض والعرض رغم فقدان المأوى
كتبوا بدمائهم ملحمة البطولة والعزة.