بوابة اللاجئين الفلسطينيين
“الجيش يقوم الآن، قدر الإمكان، بطوق أمني حول المخيمات لضبطها قدر المستطاع”.
عبارة أوجز فيها الرئيس اللبناني، جوزيف عون، سياسة عهده تجاه المخيمات الفلسطينية، ورؤيته للوجود الفلسطيني في لبنان.
وبنى عون تلك السياسة على نظرة أمنية بحتة للمخيمات، قائلاً إن “السلاح الفلسطيني داخل المخيمات بات عبئاً على الفلسطينيين، التقاتل كان بين الفلسطينيين، وباتت المخيمات بؤراً للمخدرات والإرهاب”، وذلك في استمرار لسياسة الدولة اللبنانية وسرديتها منذ بداية الوجود الفلسطيني في لبنان.
وفي مقابلة بثّها تلفزيون لبنان في ذكرى مرور عام على بداية عهده، قسّم الرئيس اللبناني المخيمات إلى شرعية وغير شرعية، مشيراً إلى أن الوضع القانوني للمخيمات لا يسمح للدولة بإقامة مراكز فيها، فيما فكّك الجيش اللبناني المخيمات غير الشرعية، مثل قوسايا والناعمة وعدد آخر من مخيمات التدريب.
ما أبرز التضييقات التي تعرّضت لها المخيمات منذ بداية العهد؟
من أقصى الشمال إلى آخر مخيمات الجنوب، طالت التضييقات اللبنانية عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، ومست حركتهم اليومية، وقوت يومهم الذي بالكاد يسد رمقاً.
في مخيم البداوي، شرع الجيش اللبناني في الأسبوع الثاني من شهر أبريل/نيسان الماضي بإغلاق عدد من الطرق الفرعية، الهادفة إلى حصر مداخل المخيم بمدخلين: شمالي وجنوبي. وحتى اليوم، تم إغلاق 19 مدخلاً من أصل 23 في المخيم الذي يتجاوز عدد سكانه العشرين ألفاً.
وتتداخل منازل عديدة داخل المخيم مع المناطق المجاورة، فيما يسلك كثير من الطلاب الطرق المغلقة للوصول إلى مدارسهم. ولا تقف آثار هذه الإغلاقات عند إعاقة الحركة فقط، بل طالت حركة البيع والشراء داخل المخيم، إذ كان كثير من صغار التجار يعتاشون من السكان القادمين من الخارج، لكن مع الإغلاقات بات الدخول والخروج من المخيم صعباً، ويمتد لمسافات أطول، ما حرمهم من عدد كبير من الزبائن.
وتتواصل الاحتجاجات في البداوي منذ تطبيق تلك الإجراءات التي جعلت المخيم في “عزلة خانقة”، بحسب وصف الأهالي.
واختصر أحد أعضاء اللجنة الشعبية الوضع، في حديث سابق مع “بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، قائلاً: “…إغلاق المداخل بهذا الشكل يجعلنا نشعر وكأننا في سجن. نحن لا نعاني من أي مشاكل أمنية، ولسنا في حالة خلاف مع الدولة أو مع الجوار، بل نعيش تحت سقف القانون، فقط نطالب بأن يكون تطبيق القانون منصفاً وعادلاً، لا ظالماً ولا مجحفاً بحقنا”.
جنوباً، شدّد الجيش اللبناني في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إجراءاته على مدخل مخيم الرشيدية، وشملت الإجراءات التدقيق في الأوراق الثبوتية وتفتيش السيارات بشكل دقيق، ما تسبب بازدحام مروري خانق، وتعطّل أعمال المعتمدين على التنقل اليومي للعمل خارج المخيم.
وفي الشهر الموالي، أغلق الجيش المنفذ الوحيد المؤدي إلى منطقة “سكة البط”، وهي المتنفس الوحيد لأهالي المخيم ومقصدهم الترفيهي، في ظل انعدام أي مساحات عامة داخل المخيم.
كما باشرت وحدات من الجيش اللبناني بإنشاء نقاط مراقبة جديدة في محيط المخيم، ضمن سياق خطة أمنية تهدف إلى إعادة ترتيب الواقع الميداني في محيط المخيمات الفلسطينية في الجنوب، بما ينسجم مع التفاهمات التي تمت بين السلطة الفلسطينية والدولة اللبنانية عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع كيان الاحتلال العام الماضي، والذي فشل في وقف الانتهاكات “الإسرائيلية” اليومية.
كما شهد مخيما البرج الشمالي في صور، والمية ومية في صيدا، تشديدات غير مسبوقة عند المداخل.
وقد حوّلت هذه الإجراءات الحواجز عند مداخل المخيمات من تدابير روتينية إلى أداة لضبط الحركة وإعاقة تنقّل عشرات آلاف اللاجئين، الذين يعانون أصلاً من فقر مدقع وحرمان من أبسط الحقوق.
وتتواصل التشديدات على مداخل مخيم عين الحلوة، أكبر المخيمات في لبنان. ومؤخراً، اشتكى سائقو الأجرة من إعادة العمل بقرارات وإجراءات لبنانية منذ شهر حزيران/يونيو 2025، تقضي بفرض تصاريح خاصة لمزاولة مهنة سائق “تاكسي” والتنقل عبر الحواجز، وهو ما اعتبره السائقون خطوة جديدة لتضييق الخناق على مصدر رزقهم الوحيد، في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة داخل المخيم.
وبالطبع، لا يمكن عزل هذه التحركات والإجراءات عن السعي الحثيث من قبل الرئاسة اللبنانية والحكومة والسلطة الفلسطينية لتسليم سلاح المخيمات، باعتبارها خطوة تمهيدية لنزع سلاح حزب الله، ومرحلة جديدة للمخيمات توصف لبنانياً بـ”مرحلة ما بعد اتفاقية القاهرة”.
ولا يزال الجدل الفلسطيني–اللبناني مستمراً حول السلاح في المخيمات، إذ تؤكد حركة حماس وغيرها من الفصائل عدم امتلاك أسلحة ثقيلة في أي من المخيمات، فيما يكرّر مسؤولون لبنانيون الحديث عن “عناد” حركة حماس في “حلحلة” هذا الملف.
وتجدر الإشارة إلى أن عزم الحكومة اللبنانية، وفق إعلان رئيسها نواف سلام، الشهر الفائت، البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من عملية حصر السلاح بيد الدولة، بعد إنجاز المرحلة الأولى من خطة الجيش اللبناني المتمثلة بحصر السلاح جنوب نهر الليطاني، قد يؤدي إلى مزيد من التضييقات والإجراءات، ولا سيما في مخيمات الجنوب اللبناني.
ما المطلوب فلسطينياً؟
يؤكد مسؤول العلاقات السياسية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – لبنان، عبد الله الدنان، أن المطلب الأول فلسطينياً يتمثل في إعادة تفعيل هيئة العمل المشترك كمرجعية للشعب الفلسطيني.
ويوضح، في حديث مع “بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، أن على الهيئة “وضع برنامج أو رؤية للتعاون مع الدولة والأشقاء اللبنانيين، بما يشمل بحث كل الوجود الفلسطيني”.
ولا يشترط الدنان أن تكون المرجعية هيئة العمل الفلسطيني حصراً، قائلاً: “لا مشكلة في تفعيل أي جهة، بغض النظر عن التسميات، بشرط أن تضم جميع مكونات الشعب الفلسطيني في لبنان”.
ويتابع: “نحن ضيوف في هذا البلد، وعلينا أن نتحاور مع الدولة اللبنانية بكل حقوق الشعب الفلسطيني وواجباته… وهذا يحتاج إلى رؤية فلسطينية موحّدة من كافة مكونات شعبنا الفلسطيني في لبنان… جميع الفصائل لديها علاقات جيدة مع الدولة اللبنانية… نحن لسنا معادين للبنانيين، ونعتبرهم أشقاء لنا، ويجب أن تُحلّ المشاكل بالحوار”.
أين واجبات الدولة تجاه اللاجئين؟
وحول التشديدات والتضييقات على المخيمات، يتساءل الدنان: “لماذا عزل المخيمات؟ لماذا عزل الشعب الفلسطيني عن محيطه؟ ألا يكفي شعبنا الفلسطيني عدم حصوله على حق العمل وحق التملك والعديد من الحقوق المفترض أن تمنح من الدولة اللبنانية؟”.
ويؤكد أن الفلسطيني في لبنان يقوم بواجباته تجاه الدولة اللبنانية، وأن العلاقة يجب أن تكون بين الشعب الفلسطيني والدولة اللبنانية كدولة حقوق وواجبات، مضيفاً: “الدولة اللبنانية تعطي الفلسطيني حق الإقامة، وتكتب على الهوية أن فلاناً هو <<مقيم>>، وكلمة مقيم يترتب عليها حقوق للدولة اللبنانية وواجبات لهذا اللاجئ الفلسطيني”.
ويشدّد، في سياق التوطين – وهو الذريعة اللبنانية سياسياً وإعلامياً لتبرير حرمان الفلسطينيين من حقوقهم – على أن “اللاجئ الفلسطيني متمسك بالعودة إلى فلسطين مهما كانت الظروف، ولا يحلم بالتوطين”.
ويحذّر من أن هذه التضييقات تدفع الفلسطيني إلى الهجرة، وهو ما لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الثوابت الوطنية، وفق قوله.
“اللاجئ الفلسطيني ضحية بازار الصراعات الطائفية”
من جهته، يؤكد عضو اللجنة المركزية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والمحامي سهيل الناطور أن التعاطي القانوني اللبناني مع اللاجئين الفلسطينيين منذ سبعة وسبعين عاماً اتسم بالسلبية.
ويشير، في حديثه مع “بوابة اللاجئين الفلسطينيين”، إلى أن اللاجئ الفلسطيني وقع ضحية بازار الصراعات الطائفية حتى اليوم، ما أدى إلى حرمانه من الحقوق الإنسانية واستنزاف كبير في الطاقات البشرية، ولا سيما بين فئة الشباب.
ويوضح أن آثار التضييقات اللبنانية المستمرة أدت إلى ارتفاع كبير في معدلات البطالة والفقر، فيما ضاعفت هشاشة البنية التحتية في المخيمات من المعاناة، وأدت إلى سقوط ضحايا من الأطفال جراء صعقات كهربائية في مخيمات عين الحلوة وبرج البراجنة وشاتيلا وغيرها، في حين وصلت الهجرة غير الشرعية إلى مستويات قياسية.
وبالنسبة للناطور، فإن المطلوب فلسطينياً يتمثّل في تضافر الجهود والتعاون المباشر بين الهيئات والاتحادات والمؤسسات والفصائل، لوضع خطة عمل استراتيجية للنهوض بأوضاع الشعب الفلسطيني، ومعالجة القضايا الملحّة بأسرع وقت ممكن.