آخر الأخبار

أي بدائل بعد فشل وتعطيل الميكانيزم؟

1

سعد الله مزرعاني

كانت «الآلية» (MECANISM) الحالية تعاني من سوء استخدام فاضح. باتت الآن تعاني من التعطيل. الهدف دفع سوء الاستخدام إلى مداه الأقصى. الوسيلة هي اقتصار عضويتها على كلٍّ من ممثل واشنطن بقناع «وسيط»، وممثلين عن لبنان والكيان الصهيوني، بعد تغيير ورفع مستوى التمثيل واعتماد جدول أعمال تطبيعي «إبراهيمي». ذلك يعني استبعاد الأمم المتحدة وفرنسا من عضوية اللجنة. الطرفان هذان كانا ضيفين ثقيلين أقرب إلى شاهدي زور في أحسن الأحوال!

تحويل المفاوضات من «تقنية عسكرية غير مباشرة، إلى سياسية – اقتصادية مباشرة»، يشكل، مبدئياً، انتصاراً أميركياً إسرائيلياً مفروضاً بالحديد والنار والدماء والدّمار. الهدف طبعاً هو فرض شروطهما الكاملة على لبنان الرسمي الضعيف والمستفرد. يغري بذلك موقف سلطاته، المشوب بالكثير من التبعية والاختلالات السياسية. السلطة اللبنانية الحالية باشرت مهماتها قبل حوالى السنة. خضع وصول أقطابها إلى السلطة للمتغيرات التي حصلت بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان وعلى المقاومة. أحدثت تلك المتغيرات اختلالاً مؤثراً في نسبة القوى في لبنان. سرعان ما ارتقى دور واشنطن، داعمة وشريكة تل أبيب في كل الأوقات وبكل الأشكال، إلى مستوى الوصاية المباشرة والصارخة على بيروت. سار في ركابها أتباعها في الإقليم وفي الداخل اللبناني!

لكلٍّ من واشنطن وتل أبيب أسبابها في إقصاء الأمم المتحدة وفرنسا عن المفاوضات. هي، حالياً، أسباب متطابقة بالكامل. إسرائيل تخوض معركة ضارية ضد القرارات والقوات والمؤسسات الأممية، من الجنوب اللبناني إلى غزة والضفة الغربية فالقدس… موقفها من «الأونروا» يختصر هذا الجموح الدموي والوحشي الإسرائيلي في أكثر صيغه وقاحة. واشنطن دعمت مواقف إسرائيل دون تردد. بادرت إلى قطع التمويل عن «الأونروا» وتبعها عدد من حلفائها. شتم وتوعد رئيس ومسؤولو «البيت الأبيض» قضاة «المحكمة الجنائية الدولية» بالويل وبالعقوبات. إلى ذلك، تواصل واشنطن، في الشرق العربي والأوسط وفي كل العالم، سياسة عامة لإلغاء الأمم المتحدة والحلول مكانها بوصف إدارة ترامب، بالقوة وبالضغوط والصلافة، هي «الشرعية» الوحيدة التي يجب أن تسود العالم. ذلك أن واشنطن عجزت عن الاستمرار في تسخير الأمم المتحدة، والمؤسسات المنبثقة عنها، في خدمة مصالحها، كما فعلت لفترات طويلة سابقة.

أمّا بالنسبة إلى فرنسا، فتتفق كل من واشنطن وتل أبيب، خصوصاً، في هذه المرحلة، على استبعادها كلياً عن المشهد. تل أبيب ترفض إصرار فرنسا على استمرار دور قوات الأمم المتحدة في الجنوب حيث قوات باريس هي الطرف الأساسي فيها. أدى هذا إلى توترات بين الطرفين على قاعدة التباين بشأن غزة. من جهته، يخوض الرئيس ترامب معركة متصاعدة ضد الرئيس الفرنسي (وأوروبا عموماً) بشأن غرينلاند. هذا رغم أن واشنطن كانت قد استخدمت فرنسا، عضواً في «الميكانيزم»، لتغطية التفرد الأميركي، وللاستفادة من علاقاتها في لبنان، ومن دور شركاتها (توتال) في الساحل اللبناني.

لماذا تعثّر عمل «الميكانيزم»؟ ينبغي التفتيش أولاً عن الدور الأميركي، حتى قبل الدور الإسرائيلي! عقدت الولايات المتحدة، بموازاة اتفاق «وقف الأعمال العدائية» بين لبنان وإسرائيل، اتفاقاً موازياً (ولاغياً) مع تل أبيب: لكي يكون وقف «الأعمال العدائية» من طرف واحد! جاهرت إسرائيل بذلك. استمرت بعدوانها بتبرير وتشجيع أميركيين مقرونين بالضغط والتهديدات الأميركية بالتوسع في الحرب في حال لم يذعن لبنان للإملاءات الأميركية الإسرائيلية بنزع سلاح المقاومة بكل الوسائل.

العدوان الإسرائيلي، من جهة، وتغطيته من قبل واشنطن، من جهة ثانية، أسقطا «الميكانيزم» واقعياً و«رسمياً». الهدف هو وضع المفاوضات أمام خيار وحيد هو التحول نحو مفاوضات سياسية اقتصادية ثنائية برعاية واشنطن مع رفع التمثيل فيها إلى مستوى سياسي واضح. طبعاً سيوفر ذلك، في حال حصوله، كل الشروط الرسمية لتحقيق كل المطالب الإسرائيلية على الحدود، والأميركية في الداخل اللبناني. إنه التطبيع الكامل. لا تسمية له سوى ذلك!

السؤال الكبير الآن: هل هذا هو الخيار الوحيد الممكن؟ تروّج أوساط في السلطة وفريق سياسي يميني ذو تجارب مخزية مع العدو، بأن ليس على لبنان، أو ليس في وسعه، سوى الرضوخ. الذريعة، أن الفريق المقاوم قد هزم وانتهى دوره وتأثيره. أمّا هو، أي الفريق المساوم، فلا يجد ضيراً في الالتحاق بـ«السيد» الأميركي، والتعاون مع «الجار القوي» الإسرائيلي، والركون إلى «الحضن» العربي. روَّج رئيس الجمهورية لمثل هذا الاحتمال في مقابلته وخطاباته الأخيرة. حذّر من «عدم العقلانية» ومن «الانتحار». شدد على أن المفاوضات، في الصيغة الراهنة، أو المتحورة، هي خيار لبنان الوحيد كما «يفعل الجميع»!

يُسقط مجمل ما تقدّم بشأن الموقفين الأميركي والإسرائيلي، حقائق مهمة ومسؤوليات وواجبات وطنية، أهمها:
أولاً، مسؤولية الحرص على سيادة ومصالح لبنان الأساسية بعد خيبات الرهان على «الديبلوماسية» التي تنطلق من موقع الهزيمة فالرضوخ لإرهاب العدو وضغوط وابتزاز واشنطن.
ثانياً، مخاطر هذا النوع من التوجه على الوحدة الوطنية اللبنانية وما يتصل بذلك من «انتحار» حقيقي في الداخل وعلى الحدود، وحتى على الوجود نفسه.

ثالثاً، تجاهل قدرات حقيقية ما تزال متوافرة لدى الشعب اللبناني ممثلاً بفريقه أو قواه المقاومة. وهي قدرات كبيرة اختُبرت سابقاً: أجبرت العدو على الانسحاب مهزوماً عام 2000. أفشلت عدوانه عام 2006. كسرت محاولاته إعادة الاحتلال في حرب الـ 66 يوماً في عام 2024.
رابعاً، يستطيع لبنان أن يبلور ويبني مقاربة جديدة للدفاع عن سيادته ووحدته الوطنية، عبر بناء عناصر وحدة وطنية دفاعية (ولو غرّد فريق خارج السرب الوطني) تضم السلطة (الجيش) والمقاومة الشعبية المتنوعة والواسعة. تتصل بذلك المسارعة إلى اتخاذ قرار حازم بالتخلي عن الوساطة/الوصاية الأميركية، والإصرار على دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومؤسساتهما: مرجعية للتفاوض والوساطة وتحديد الحقوق والالتزامات.

هل هذا كلام كبير وخطير وخيالي؟! لا. إنه صدى بعض تضحيات وبطولات ومعاناة المواطنين المتشبثين، رغم الدماء والدمار، بأرضهم وحقوقهم وكرامتهم، مهما كان الثمن. إنه، بالتالي، السبيل الوحيد للحفاظ على لبنان سيداً، عربياً، حراً، وموحداً.
* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة