أبو شريف رباح
في خضم العدوان المستمر على قطاع غزة عادت إلى الواجهة ما يعرف “بخطة ترامب” وهي خطة تقدّم بلباس اقتصادي إنساني بينما تخفي في جوهرها مقاربة خطيرة تختزل القضية الفلسطينية وغزة تحديدا في مشروع استثمار وعقارات وإعادة إعمار مشروطة متجاهلة جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، تعاملت هذه الخطة مع غزة باعتبارها مساحة جغرافية مدمّرة يمكن تحويلها إلى فرصة اقتصادية متناسية عمدا أن ما دمر غزة ليس الإهمال ولا الكوارث الطبيعية بل الاحتلال والحصار والحروب المتكررة، فكيف يمكن لمن كان شريكا في الحرب الإسرائيلية على غزة أن يتحدث اليوم عن الاستثمار وإعادة الإعمار وكأن الدم لم يجف بعد وكأن الركام لا يزال يخفي تحته آلاف الشهداء والمفقودين؟
غزة ليست أرضا بلا شعب ولا وطنا بلا تاريخ، غزة نصف الوطن الفلسطيني كانت على مدار تاريخها المتخم بالجراح خط الدفاع الأول في مواجهة الاحتلالات المتعاقبة، ومنذ أكثر من عامين قدمت غزة عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى والمفقودين في حرب مفتوحة على مصراعيها تقاتل وحدها وتحاصر وحدها وتباد ببطء وسط صمت عربي وإسلامي ثقيل لا يتجاوز بيانات التنديد والاستنكار والشجب، وفي مقابل هذا الصمود الأسطوري يظهر حجم الضياع العربي والإسلامي الذي تفاقم بعد ما سمي بالربيع العربي والذي لم ينتج ربيعا ولا نهضة بل دمارا للدول وتفككا للأوطان وحروبا أهلية لا تزال مشتعلة من ليبيا إلى السودان، ومن سوريا إلى اليمن والصومال دول انهارت وجيوش تفككت ومجتمعات استنزفت ما فتح الباب واسعا أمام المشاريع الخارجية لتعبث بمصير المنطقة وتعيد صياغتها وفق مصالحها وفي مقدمتها تصفية القضية الفلسطينية.
في ظل هذا المشهد العربي والإسلامي الممزق تطرح غزة اليوم كملف إنساني واقتصادي لا كقضية تحرر وطني يراد لها أن تنقذ بالاستثمار لا بالحرية وأن تدار بالمشاريع لا بالسيادة وأن يرضى شعبها القبول بالعيش تحت الركام مقابل بعض الأموال، وكأن دماء الشهداء يمكن أن تقايض بعقود الإعمار، لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عنها هي أن غزة ليست للبيع وليست أرضا للاستثمار السياسي والاقتصادي، غزة قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال وجزء لا يتجزأ من المشروع الوطني الفلسطيني الهادف إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
إن أي حديث عن إعمار أو استثمار في غزة دون إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية هو حديث مضلل يعيد إنتاج الأزمة ولا يحلها، وغزة التي صمدت في وجه الحروب والتجويع والإبادة لن تتحول إلى سلعة في بازار السياسة الدولية مهما اشتدت الضغوط ومهما طال الصمت العربي، وستبقى عنوان الكرامة ونصف الوطن الذي يرفض أن يختزل في مشروع أو يختطف تحت مسمى الاستثمار لأن الأوطان تحرر ولا تباع.