مازن كريّم -قدس برس
يحلّ شهر رمضان هذا العام على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في ظل ظروف معيشية تُوصف بأنها من الأكثر قسوة منذ سنوات، مع استمرار الانهيار الاقتصادي اللبناني، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع قرار تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.
ففي الأزقة الضيقة للمخيمات، لم يعد السؤال عن موائد الإفطار العامرة، بل عن القدرة على تأمين الحد الأدنى من الطعام، في وقت تتزايد فيه معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وفي هذا الإطار، أكد مدير منظمة “ثابت” لحق العودة، سامي حمود، أن “المخيمات الفلسطينية في لبنان تستقبل شهر رمضان المبارك هذا العام تحت ضغط معيشي صعب جدًا، في ظل استمرار الانهيار الاقتصادي وغياب أي استقرار اقتصادي أو اجتماعي، ما جعل الأولوية لدى معظم العائلات تنحصر في تأمين الطعام والاحتياجات الأساسية”.
وأوضح حمود في تصريح خاص لـ”قدس برس” أن “الواقع داخل المخيمات يعكس حالة انعدام أمن غذائي حاد، مشيرًا إلى أن أكثر من 90% من العائلات تعيش تحت خط الفقر وتعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات، في ظل غياب شبكة أمان حقيقية سواء من قبل أونروا أو الجهات الفلسطينية المعنية”.
تقليص أونروا ضربة لصمام الأمان
وفي تقييمه لقرار تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، اعتبر حمود أن القرار “خطير ويضرب صمام الأمان الاجتماعي للاجئين الفلسطينيين في لبنان”، موضحًا أن “تخفيض الخدمات والرواتب بنسبة 20% يهدد القطاعات الصحية والتعليمية والإغاثية، ويزيد من معاناة مجتمع يعاني أصلًا من الفقر والحرمان”.
وأضاف أن “استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تفاقم التوتر الاجتماعي داخل المخيمات، في ظل غياب البدائل الفعلية القادرة على سد النقص”.
ورغم وجود مبادرات اجتماعية وأهلية خلال شهر رمضان، تشمل توزيع طرود غذائية وإقامة موائد إفطار، شدد حمود على أنها “تبقى محدودة ولا تستطيع تعويض تقليص خدمات أونروا أو مواجهة حجم الأزمة المتفاقمة”.
وأشار إلى أن “بعض المبادرات تتجه أيضًا لدعم غزة، نظرًا للأوضاع الإنسانية الكارثية هناك، ما يضاعف الضغط على الموارد المتاحة داخل المخيمات في لبنان”.
الضرائب والغلاء… عبء إضافي
وحول تأثير الضرائب الجديدة وارتفاع الأسعار، قال حمود إن “اللاجئ الفلسطيني يتحمل أعباء الغلاء وزيادة الضرائب دون أن يستفيد من خدمات أو حقوق إنسانية من قبل الدولة اللبنانية، ما يجعل تأمين الغذاء والدواء تحديًا يوميًا لمعظم العائلات الفلسطينية”.
دعوة لتحرك عاجل
ودعا حمود إلى “تحرك عاجل على ثلاثة مستويات: تراجع إدارة أونروا عن قرارات تخفيض الخدمات والرواتب، وضمان استمرار تمويل الوكالة، والعمل على توفير دعم إغاثي طارئ، إلى جانب تعزيز التكافل الاجتماعي والوحدة الوطنية لحماية المجتمع من الانهيار”.
بدوره، قال الكاتب والباحث في الشأن الفلسطيني في لبنان، إياد حسن، في تصريح خاص لـ”قدس برس” إن “رمضان يأتي هذا العام في ظل ظروف اقتصادية خانقة داخل المخيمات، حيث تعاني آلاف العائلات من انعدام الأمن الغذائي وعدم القدرة على تأمين الحاجات الأساسية للإفطار والسحور”.
وبحسب حسن، فإن نسب الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان “تتجاوز في بعض المخيمات 80 إلى 90 في المئة، استنادًا إلى تقارير حقوقية وتقارير سابقة صادرة عن أونروا”، ويعزو ذلك إلى القيود القانونية المفروضة على ممارسة العديد من المهن، إلى جانب الأزمة اللبنانية العامة، وتراجع المساعدات والتحويلات.
وأضاف أن خفض المخصصات عن آلاف الأسر أدى إلى “زيادة الضغط الاجتماعي والنفسي، خاصة على أسر الشهداء والأسرى والجرحى”، فيما أدى الغلاء الفاحش في أسعار الغذاء والدواء والكهرباء إلى “مضاعفة الفقر، وانتشار ظاهرة الاستدانة من المتاجر الصغيرة داخل المخيمات لتأمين الحاجات اليومية”.
تقليص خدمات أونروا… توقيت حساس
ورأى حسن أن قرار تقليص خدمات أونروا جاء في “توقيت بالغ الحساسية”، في ظل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان، ما يضاعف أثره على اللاجئين.
وأشار إلى أن تقليص الموارد “يهدد استمرارية العملية التعليمية والخدمات الطبية داخل المخيمات، كما يرفع منسوب التوتر الاجتماعي”.
وأضاف أنّ “كثيرين ينظرون إلى إضعاف دور أونروا بوصفه مساسًا بموقعها كشاهد أممي على قضية اللاجئين الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948، ما يثير مخاوف من محاولات تقليص دورها تدريجيًا”.
انعكاسات اجتماعية خطيرة
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب المعيشي فقط، إذ يحذّر حسن من “تفاقم آفات اجتماعية خطيرة داخل بعض المخيمات، مثل انتشار تجارة المخدرات والجريمة المنظمة، في ظل ضعف المعالجات الجذرية وغياب مشاريع تنموية حقيقية، كما دفعت حالة اليأس وانسداد الأفق مئات الشباب إلى التفكير بالهجرة غير النظامية، رغم مخاطرها الكبيرة، بحثًا عن فرصة عيش كريمة”.
ما المطلوب؟
وشدّد حسن على أن “حماية اللاجئين من الانعكاسات الاجتماعية الخطيرة تتطلب تمكينًا اقتصاديًا فعليًا، عبر توفير فرص عمل قانونية والسماح بممارسة المهن دون قيود واسعة، وتعزيز الحقوق المدنية، ودعم التعليم والتدريب المهني، إلى جانب مكافحة شبكات الاستغلال والمخدرات”.
كما دعا إلى “شراكة لبنانية–فلسطينية–دولية تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، دون المساس بالحقوق السياسية للاجئين”.
المخيم… بين القسوة والصمود
ورغم قسوة المشهد، أكّد حسن أن “المخيمات الفلسطينية في لبنان لم تكن يومًا مجرد مساحة بؤس، بل كانت عبر العقود مساحة صمود وإنتاج ووعي وطني”.
وختم بالقول إن “رمضان، بما يحمله من قيم التكافل والصبر، يعيد تذكير الناس بأن الضيق مهما اشتد لا يدوم، وأن المخيم الذي صمد سبعة عقود قادر على تجديد نفسه من جديد”.
هذا ويأتي شهر رمضان في المخيمات الفلسطينية في لبنان كل عام محمّلًا بمعاني التكافل الاجتماعي والتضامن الأسري، إذ تشهد الأزقة مبادرات تطوعية، وموائد إفطار جماعية، وحملات توزيع طرود غذائية، إلا أن السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019، غيّرت ملامح المشهد الرمضاني داخل المخيمات، حيث طغت الأولويات المعيشية على الأجواء الروحية.
وتعاني المخيمات من معدلات بطالة مرتفعة جدًا، خصوصًا بين الشباب، نتيجة القيود القانونية المفروضة على ممارسة عشرات المهن، إلى جانب تقلص فرص العمل في السوق اللبنانية.
وقد أدى تآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والدواء والطاقة إلى تعميق حالة العوز، حيث باتت غالبية الأسر تعتمد على المساعدات الإغاثية أو التحويلات المحدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.