بوابة اللاجئين الفلسطينيين
واقع لا يشبه نظراءه في أحياء وضواحي التهميش حول العالم، يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في مخيماتهم في لبنان، في ظل انعدام معيشي، وتضييق قانوني في فرص العمل، وتقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. أمام هذا المشهد، يجد مئات الفلسطينيين أنفسهم أمام خيار الهجرة كملاذ أخير.
غير أن هذا الخيار تحوّل لدى كثيرين إلى فخّ محكم، بعد وقوعهم ضحايا شبكات سماسرة استغلّت هشاشتهم القانونية والاجتماعية، وسلبتهم مدّخراتهم، بل ومنازلهم، تحت وعود سفر “شرعي” إلى أوروبا، انتهت أخيراً بعودتهم إلى مخيماتهم، وقد خسروا كلّ شيء.
شهادات متقاطعة من مخيمات عين الحلوة، شاتيلا، ومار الياس، تكشف نمطاً متكرراً من الاحتيال، تتشابه فيه الأسماء، والوعود، والمسارات، والنهايات، رصدتها بوابة اللاجئين الفلسطينيين من ضحاياها.
رهونات منازل… ووعد بطريق “آمن”
محمد عبد الرازق، لاجئ من مخيم عين الحلوة، يقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إنه كان واحداً من بين “عشرات العائلات، بل مئات الأشخاص” الذين تعرّضوا للاحتيال من قبل شخص يُكنّى بـ”أبو محمد”. ويوضح أن هذا السمسار يستهدف الفلسطينيين تحديداً مستغلاً هشاشة أوضاعهم القانونية والاجتماعية في لبنان، “لأنهم بلا سند يحميهم”.
عبد الرازق واحد من العشرات ممن رهنوا منازلهم، كما رهن شقيقه منزله، وجمعا مبلغاً كبيراً سلّماه للسمسار على أساس تأمين سفر قانوني إلى أوروبا.
وصل عبد الرازق إلى إسبانيا بالفعل، لكن الرحلة لم تكن كما وُعد بها. فبعد سبعة أيام فقط، تُرك هو ومن معه، ليبدأ فصل جديد من المعاناة استمر أربعة أشهر ونصف، تنقّلوا خلالها بين جزر وأماكن مختلفة دون إقامة قانونية أو مسار واضح. ويقول: “كنا نناشده أن يُكمل إجراءات السفر، لكنه كان يعاقبنا بقطع الاتصال إذا طالبناه بحقنا”.
لاحقاً نقلوا إلى جزيرة “كابو فيردا” الأفريقية، حيث أبلغوا بأن الجزيرة لم تستقبل فلسطينيين سابقاً، وأنه لا يمكنهم العبور منها إلى أوروبا، وطلب منهم التوجه إلى السنغال، في مسار لم يكن ضمن أي اتفاق مسبق.
ويؤكد عبد الرازق أنه لم يكن يريد ركوب البحر والمخاطرة بحياته، بل دفع المال على أساس سفر قانوني، مضيفاً: “عدنا إلى نقطة البداية، ولا أعلم إن كنت أستطيع جمع هذا المبلغ مجدداً أو استعادة منزلي”.
تأشيرات “شنغن” وهمية عبر الهاتف
في مخيم شاتيلا، يروي محمد عابد قصة مشابهة مع سمسار يُدعى ياسر الحاج. ويقول إن الهدف كان تحسين الظروف المعيشية خارج لبنان، لا المغامرة عبر البحر. السمسار وعدهم بتأشيرات “شنغن” قانونية، وأرسلهم إلى دول أفريقية بحجة وجود مسار آمن إلى أوروبا.
لكن في المطارات، كانت المفاجأة، حيث تبيّن أن الحجوزات “وهمية”، ولا وجود لتأشيرات عبور حقيقية.
ويؤكد عابد أن السمسار كان يرسل صور تأشيرات عبر الهاتف، ليتبيّن لاحقاً أنها مزوّرة. وفي إحدى المحاولات عبر فرنسا، وصلوا إلى المطار، لكن الأمن العام أوقفهم وأبلغهم بعدم وجود أي حجز قانوني.
ويشير عابد إلى أن مئات الفلسطينيين من مختلف المخيمات عالقون في الدوامة نفسها، بعد أن دفعوا مبالغ كبيرة لا يمكن استعادتها.
ويربط عابد بين انتشار هذه الظاهرة وتدهور الأوضاع في المخيمات، خاصة بعد تقليص خدمات “أونروا” وغياب فرص العمل، قائلاً إن أي شخص يملك مبلغاً بسيطاً بات يفكر في الهجرة، “لأنه لم يعد هناك أفق للحياة هنا”.
ثمانية أشهر انتظار… و11 ألف دولار دين
خميس أبو عفش، لاجئ من مخيم مار الياس، يروي تجربة امتدت ثمانية أشهر من الانتظار والمماطلة. ويقول لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إن السمسار كان يؤجل السفر يوماً بعد يوم، فيما كان الضحايا يستدينون لتغطية نفقاتهم في لبنان وخارجه، وبعضهم من ذوي الإعاقة، وآخرون بلا مصدر دخل.
بعد ثمانية أشهر، اقتيدوا إلى المطار، لكن السلطات أوقفتهم بحجة أن الطائرة “لم تصل”. ويعتقد أبو عفش أن هذه كانت إحدى وسائل الاحتيال المتكررة، حيث يترك الضحايا حتى تنفد أموالهم، ثم يقال لهم إن المبالغ صُرفت عليهم.
ويؤكد أنه دفع 11 ألف دولار، إضافة إلى مصاريف معيشة في بلدين، وكلها ديون. ويقول: “كنت أظن أنني سأصل خلال شهر وأبدأ العمل، لا أن أبقى ثمانية أشهر بلا عمل وأغرق في الديون”.
ويضيف أبو عفش أنه تلقّى تهديدات صوتية من السمسار، تضمنت تلميحات بمعرفة عنوان منزله، في محاولة لإسكاته.
الهجرة كخيار اضطراري
حمادة عابد، من مخيم شاتيلا، يختصر الدافع الأساسي بقوله إن اللاجئ الفلسطيني في لبنان يعيش بلا كرامة ولا أفق واضح. ويشير إلى أن القيود على التملك والعمل، والإجراءات الأمنية المحيطة بالمخيمات، تدفع كثيرين إلى التفكير بالهجرة كخيار اضطراري لا ترف فيه.
دفع عابد 10,500 دولار أمريكي، على أساس إقامة قصيرة في قبرص لا تتجاوز عشرة أيام قبل الانتقال إلى إسبانيا، لكنه بقي هناك خمسة إلى ستة أشهر على نفقته الخاصة، من دون أي تقدم فعلي في إجراءات السفر.
ويقول: “لو كنا نعيش بكرامة في لبنان لما فكرنا في الهجرة”، مضيفاً أن غياب المستقبل هو ما يدفع الناس إلى المخاطرة، حتى وإن كانت النتائج كارثية.
وتُظهر الشهادات أن ما جرى ليس حالات فردية، بل نمط احتيال منظم يستهدف اللاجئين الفلسطينيين تحديداً، مستفيداً من هشاشتهم القانونية وحرمانهم من حقوق أساسية في العمل والتملك، إضافة إلى تراجع الخدمات الاجتماعية.
وبين رهونات منازل، وديون بعشرات آلاف الدولارات، وإقامات عالقة في دول أفريقية وجزر معزولة، يجد الضحايا أنفسهم أمام خسارة مزدوجة: فقدان المال، وانهيار الأمل.
في ظل غياب آليات واضحة للمحاسبة أو استعادة الأموال، تتكرر القصص في المخيمات، فيما يبقى السؤال معلقاً: إلى متى سيبقى اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين خيار البقاء بلا أفق، أو الهجرة عبر طرق محفوفة بالاستغلال والخداع؟