أحمد الدبش
يشهد المجال الأكاديمي الفلسطيني نقاشاً متصاعداً حول اعتماد مفهوم «الأبارتهايد» إطاراً مركزياً لتحليل المشروع الصهيوني وتأطير النضال الفلسطيني، خاصة مع تزايد الاعتراف الدولي بوصف إسرائيل دولة فصل عنصري. غير أنّ تبنّيه بوصفه أطروحة جامعة يثير إشكالية نظرية وسياسية: هل يكفي وحده لفهم طبيعة المشروع الصهيوني؟ تفترض هذه القراءة أن اختزال الصراع في الأبارتهايد، بمعزل عن إطار الاستعمار الاستيطاني، يفضي إلى تشخيص ناقص. فهو يخلط بين منطق المشروع الإحلالي وآليات إدارته التمييزية، ويحوّل القضية من مشروع تحرّر وطني إلى مطلب مساواة داخل بنية قائمة، متجاهلاً حقّ العودة وتقرير المصير، ومُنتِجاً استراتيجيات إصلاحية بدل تفكيك البنية الاستعمارية.
الاستعمار الاستيطاني أم الأبارتهايد؟
يمثّل الاستعمار الاستيطاني الإطار النظري الأكثر دقّة لفهم المشروع الصهيوني. فالصهيونية، منذ نشأتها، لم تكن مشروعاً استعمارياً استغلالياً تقليدياً يهدف إلى السيطرة على السكان الأصليين واستثمار عملهم، بل كانت مشروعاً إحلالياً يسعى إلى إنشاء مجتمع جديد محل المجتمع الأصلي. يقوم هذا المشروع على ثلاثية: الاستيطان-الاجتثاث-الإحلال. وقد عبّر تيودور هيرتسل بوضوح عن هذا المنطق في كتابه «الأرض القديمة – الجديدة»: «عندما أرغب في استبدال بناية قديمة ببناية جديدة فعليّ أن أهدم قبل أن أبني».
هذا التصوّر يتّسق مع أطروحة باتريك وولف التي عرّف فيها الاستعمار الاستيطاني بأنه «بنية لا حدث»، تسعى إلى إزالة السكان الأصليين واستبدالهم بمجتمع استيطاني جديد. الأرض هنا ليست مورداً اقتصادياً، بل هي جوهر المشروع الوجودي للمستوطن. يرى وولف أن الأرض ليست مجرد مورد اقتصادي، بل «جوهر المشروع الوجودي» للمستوطن، بما يجعل إزالة الأصلاني ضرورة بنيوية لا خياراً سياسياً عارضاً.
يختلف الأبارتهايد، بحكم تعريفه القانوني والنظري، عن الاستعمار الاستيطاني في الهدف النهائي والمنطق الداخلي. يعرّف القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الفصل العنصري بأنه «أيّ أفعال لا إنسانية…تُرتكب في سياق نظام مؤسّسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أيّ جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام».
في نظام الأبارتهايد، لا يسعى المشروع إلى إزالة المجموعة المُهيمن عليها، بل إلى إخضاعها واستغلالها مع بقائها كطبقة دنيا. في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، لم يكن المشروع يهدف إلى إزالة السكان السود، بل إلى إخضاعهم واستغلال أرضهم وعملهم مع إبقائهم كطبقة دنيا تعمل لصالح الأقلية البيضاء.
من النكبة إلى حرب الإبادة
تمثّل نكبة عام 1948 اللحظة التأسيسية الحاسمة للمشروع الاستيطاني الصهيوني. لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت تطهيراً عرقياً ممنهجاً. فقد خلّف عام 1948 ما يقرب من مليون فلسطيني مُهجّر. تمثّل النكبة اللحظة التأسيسية الحاسمة للمشروع الاستيطاني الصهيوني؛ فهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة في سياق حرب، بل عملية اقتلاع مُمنهجة أعادت تشكيل الأرض والديموغرافيا معاً. في ذلك العام، طُرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، ودُمّرت أكثر من أربعمئة قرية، وتحوّلت حياة من بقي إلى وجود هشّ تحت نظام جديد. كانت النكبة جزءاً من منطق تأسيسي يسعى إلى إنشاء كيان يهودي خالص على حساب المجتمع الأصلي.
وقد أشار عدد من المؤرّخين والمفكّرين إلى الطابع المُخطّط لهذه العملية. فإيلان بابيه يصف ما جرى بأنه «تصفية إثنية مخطّطة وممنهجة»، نتجت من نزعة أيديولوجية هدفت إلى جعل فلسطين حصراً لليهود. ويرى المفكّر الفرنسي، إنزو ترافيرسو، ذو الأصل الإيطالي، أن «سلوك الجيش الإسرائيلي خلال الصراع كان يندرج في إطار المشروع الصهيوني لإنشاء دولة يهودية من دون عرب». وبذلك ظهرت إسرائيل كـ«جمهورية من الدم والعقيدة»، أي ديمقراطية محدّدة على أسس طائفية وعرقية، مفتوحة أمام كل أنصار الشريعة الموسوية.
الأهم من ذلك، أنّ النكبة لم تكن حدثاً ماضياً، بل هي عملية مستمرة (النكبة المستمرة). فمنذ عام 1948، لا يزال نحو ثلثي الشعب الفلسطيني، نازحين قسراً، وجميعهم محرومون من حقهم في العودة إلى ديارهم. هذا الحرمان من حق العودة ليس مجرد إجراء سياسي، بل هو تأكيد على المنطق الإحلالي: فلو كان النظام مجرد أبارتهايد، لكان بإمكان اللاجئين العودة والبقاء كمواطنين درجة ثانية، لكنّ المنطق الاستيطاني يرفض عودتهم لأنها تهدّد اليهودية الديموغرافية للدولة.
يكمن الخلل المنهجي الأكبر في تبنّي الأبارتهايد كأطروحة مركزية في الخلط بين منطق المشروع الصهيوني التأسيسي وآليات إدارته اليومية
ويفسّر هذا البعد الإحلالي الطابع التوسّعي المستمر للمشروع. فالمشاريع الاستيطانية، كما يشير لورنزو فيراتشيني في كتابه «إسرائيل والمجتمع الاستيطاني»، لا تعترف بحدود نهائية، إذ يقوم منطقها الداخلي على التوسّع المتواصل. ومن هنا يمكن فهم استمرار الاستيطان في الضفة الغربية، وغياب أي تصوّر مستقرّ للحدود في الخطاب الأيديولوجي الصهيوني الذي يتحدّث عن «أرض إسرائيل الكاملة».
كما يمكن إدراج ما يجري في غزة ضمن هذا السياق الأوسع. فاستهداف البنية التحتية المدنية، وتدمير المستشفيات والمدارس والمخيمات، وخلق ظروف معيشية خانقة، يتجاوز كونه مجرد عمليات عسكرية، ليعكس محاولة إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي.
وتكشف بعض التصريحات والوثائق عن توجّهات تدعو إلى «نقل» الفلسطينيين خارج غزة، في امتداد واضح لمنطق التطهير العرقي.
بذلك، تبدو الممارسات الراهنة امتداداً لبنية استعمارية استيطانية عمرها أكثر من سبعة عقود. فما يجري اليوم، رغم فظاعته، لا ينفصل عن منطق تأسيسي بدأ مع النكبة ولا يزال يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، في سياق صراع يتمحور حول ثلاثية: الاستيطان-الاجتثاث-الإحلال.
خطأ تبنّي الأبارتهايد كأطروحة مركزية
يكمن الخلل المنهجي الأكبر في تبنّي الأبارتهايد كأطروحة مركزية في الخلط بين منطق المشروع الصهيوني التأسيسي وآليات إدارته اليومية. فالمشروع الصهيوني، في جوهره، مشروع استعماري استيطاني إحلالي، يقوم على إعادة تشكيل الأرض والديموغرافيا عبر إحلال مجتمع استيطاني محل المجتمع الأصلي. هذا هو منطقه البنيوي العميق.
أمّا الأبارتهايد، فيمثّل صيغة من صيغ إدارة الواقع الذي نتج من هذا المشروع، خاصة في التعامل مع الفلسطينيين الذين لم يُستكمل اقتلاعهم. بعبارة أوضح: الأبارتهايد يصف شكل السيطرة، لكنه لا يفسّر الدافع البنيوي الذي أنتجها. وعندما نجعل الأبارتهايد أطروحة مركزية، ينصرف اهتمامنا إلى أنماط التمييز والفصل، بينما يغيب السؤال الجوهري: لماذا وُجد هذا التمييز أصلاً؟ وما الغاية النهائية التي يخدمها؟
هذا الالتباس لا يقتصر على كونه إشكالاً نظرياً، بل يحمل تبعات استراتيجية عميقة. فإذا جرى فهم المشروع بوصفه نظام فصل عنصري فحسب، يصبح الحل المنطقي هو إصلاحه: إلغاء القوانين التمييزية ومنح الفلسطينيين مساواة قانونية. أمّا إذا أُدرك بوصفه مشروعاً استيطانياً إحلالياً، فإنّ المسألة تتجاوز الإصلاح إلى تفكيك البنية ذاتها، وإعادة الأرض إلى أصحابها، وتمكين عودة اللاجئين.
ويتمثّل الخطر الأكبر في الانزلاق نحو إصلاحية سياسية تسعى إلى تحسين شروط الاندماج داخل دولة إسرائيل بدلاً من تفكيكها وإزالتها. ويتجلّى ذلك في عدة مستويات:
أولاً- الاعتراف الضمني بالمشروع الصهيوني: عندما نطالب بالمساواة داخل إسرائيل (كمواطنين)، فإننا نعترف ضمنياً بشرعية الدولة الإسرائيلية، وبالتالي بالمشروع الصهيوني الذي أسّسها. نطالب بأن نكون مواطنين متساوين في دولة يهودية، وهذا تناقض جوهري. الدولة اليهودية، بحكم تعريفها، لا يمكن أن تكون دولة متساوية لجميع مواطنيها، لأنها دولة قومية لليهود وحدهم، كما أكّد قانون القومية 2018.
ثانياً- تحويل الصراع من وطني إلى حقوقي: الصراع الفلسطيني-الصهيوني هو في جوهره صراع وطني بين شعب أصلي ومشروع استعماري استيطاني. تحويله إلى صراع حقوقي (من أجل المساواة) يعني تجريده من بُعده الوطني والتحرري. نصبح نطالب بحقوقنا كأفراد، وليس بحقوقنا كشعب في تقرير المصير والعودة والاستقلال.
ثالثاً- إضفاء الشرعية على الاحتلال والاستيطان: عندما نركّز على الأبارتهايد في الضفة الغربية، فإننا نعترف ضمنياً بوجود إسرائيل هناك، ونطالب بمعاملة عادلة داخل هذا الإطار. لكن هذا يتجاهل أن الاحتلال نفسه غير شرعي، وأن الاستيطان جريمة حرب، وأن المطلوب هو إنهاء الاحتلال وإزالة المستوطنات، وليس تحسين أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال.
بناءً عليه، يتضح أن الأبارتهايد والاستعمار الاستيطاني نموذجان مختلفان من حيث الغاية والمنطق الزمني وأسس الشرعية. صحيح أن مفهوم الأبارتهايد يضيء جانباً مهماً من البنية التمييزية والمؤسسية القائمة، لكنه يظل قاصراً إذا استُخدم منفرداً لتفسير مشروع يقوم في عمقه على إعادة تشكيل الأرض والوجود السكاني.
لذلك، قد يكون من الأنسب التعامل مع الأبارتهايد بوصفه مستوى تحليلياً ضمن إطار أوسع هو الاستعمار الاستيطاني، حفاظاً على الدقّة النظرية، وتجنّباً لاختزال المشروع الوطني الفلسطيني في مطلب «إصلاح تمييز»، بدل الإبقاء على جوهره بوصفه مشروع تحرّر يهدف إلى تفكيك وإزالة بنية استعمارية بأكملها.
* مؤرّخ فلسطيني