آخر الأخبار

الجمعيات والأطر الشعبية في منظمة التحرير… بين ضغط الأزمة وواجب المواجهة

GettyImages-595451098

بقلم: عصام الحلبي

لم تعد أزمة توقف رواتب أسر الشهداء والجرحى والأسرى مجرد تفصيل مالي يمكن احتواؤه بقرارات إدارية مؤقتة، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا، بعدما تداخل فيها العامل الاقتصادي مع الضغط السياسي المباشر. فالتوقف الاضطراري لرواتب هذه الأسر لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة ضغوط أمريكية وأوروبية متواصلة على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، تُستكمل بسياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على احتجاز أموال المقاصة، في محاولة واضحة لخنق القرار الوطني ووضع القيادة الفلسطينية أمام خيارات قاسية.
هذا الضغط لا يستهدف فقط منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية الفلسطينية كمؤسسات سياسية، بل يطال بشكل مباشر بنية المجتمع الفلسطيني، ويضرب في الصميم الفئات التي دفعت أثمانًا باهظة في مسيرة النضال. وعندما تُمسّ هذه الشريحة تحديدًا فإن الرسالة تتجاوز البعد المالي إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي الوطني، عبر الضغط على رمزية الشهداء والأسرى ومكانتهم.
لكن، ورغم خطورة هذا المشهد، فإن حصر المواجهة في الإطار الرسمي وحده لا يكفي، فالأزمة أكبر من قدرة مؤسسة واحدة مهما كانت، على احتوائها. وهنا يبرز الدور الحاسم للجمعيات والمؤسسات الأهلية والمدنية، التي لا يمكن أن تُعفى من مسؤولياتها تحت أي ذريعة.
إن الحديث عن مؤسسات منظمة التحرير لا يعني أن بقية مكونات المجتمع تقف على الحياد، بل يفرض العكس تمامًا. فالمطلوب اليوم هو إعادة توزيع الأدوار على قاعدة الشراكة، بحيث تتحمل كل جهة مسؤوليتها، وتتحول حالة التضامن من شعارات إلى خطوات عملية ملموسة.
البداية يجب أن تكون من الميدان، عبر إجراء مسح اجتماعي دقيق لأسر الشهداء والجرحى والأسرى، لتحديد الأكثر تضررًا، خصوصًا تلك التي فقدت المعيل ولا تمتلك أي مصدر دخل. فهذه الأسر لا تحتمل الانتظار، وهي بحاجة إلى تدخل مباشر وسريع، يراعي الأولويات ويمنع الانزلاق نحو كارثة اجتماعية أوسع.
وفي موازاة ذلك، يصبح توحيد قواعد البيانات بين المؤسسات أمرًا ملحًا، بالتعاون مع الجهات المختصة برعاية هذه الأسر، لتفادي الازدواجية وضمان عدالة التوزيع، وتحقيق أقصى فاعلية ممكنة في استخدام الموارد المحدودة.
غير أن الاستجابة لا يجب أن تقتصر على تقديم المساعدات الطارئة، رغم ضرورتها، بل ينبغي أن تترافق مع خطة مرحلية واضحة، تؤمّن الحد الأدنى من مقومات الحياة ،من الغذاء والدواء، إلى دعم بدلات الإيجار، ومنع قطع الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء. فهذه ليست مطالب إضافية، بل حقوق إنسانية لا يمكن التنازل عنها.
كما أن هذه اللحظة تستدعي توسيع دائرة المشاركة، لتشمل القطاع الخاص، والمبادرات المجتمعية، وأبناء الجاليات الفلسطينية في الخارج، ضمن رؤية موحدة، تخرج من العفوية إلى التنظيم، ومن رد الفعل إلى الفعل المبادر.
إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد أزمة مالية، بل محاولة ضغط سياسي بأدوات اقتصادية، تستهدف إعادة صياغة الأولويات الوطنية. والرد على ذلك لا يكون فقط برفض هذه الضغوط، بل ببناء جبهة داخلية متماسكة، قادرة على حماية الفئات الأكثر تضررًا، وصون كرامتها.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن قوة أي مشروع وطني لا تُقاس فقط بقدرته على الصمود في وجه الضغوط الخارجية، بل بمدى قدرته على حماية أبنائه في الداخل. وأسر الشهداء والجرحى والأسرى، التي كانت في طليعة التضحية، يجب أن تبقى في طليعة الرعاية… لأن التقصير بحقها، تحت أي ظرف، هو تقصير بجوهر القضية نفسها.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة