لاجئ نت
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار وتراجع وتيرة التصعيد الأمني، تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان حالة من “الهدوء الحذر” الذي لا يعكس انفراجاً حقيقياً في الأوضاع، بل يخفي وراءه أزمة معيشية متفاقمة، وسط ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة وتراجع حاد في القدرة الشرائية.
ففي الوقت الذي خفت فيه أصوات الحرب، تصاعدت ضغوط الحياة اليومية، ليجد اللاجئون أنفسهم أمام ما يصفونه بـ”حرب من نوع آخر”، عنوانها الفقر والديون وانكماش فرص العمل.
برج البراجنة.. “اختناق صامت” وحياة على الحد الأدنى
في مخيم برج البراجنة بضاحية بيروت الجنوبية، تبدو الحركة اليومية بطيئة وثقيلة. الشوارع التي كانت تعج بالحركة الاقتصادية باتت تعكس ركوداً واضحاً، فيما يصف السكان واقعهم بأنه مرحلة “اختناق صامت”.
يقول أبو أحمد (عامل مياوم في المخيم):
“منذ أشهر لا يوجد عمل ثابت. اليوم نعيش على ما يتوفر فقط، أحياناً لا يكفي ثمن الخبز، وكل شيء أصبح غالياً بشكل لا يُحتمل”.
ومع توقف العديد من الأعمال الصغيرة وتراجع النشاط التجاري، ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب والعمال بشكل كبير، ما انعكس مباشرة على قدرة العائلات على تأمين احتياجاتها الأساسية.
مخيمات صور.. ركود تجاري وديون متراكمة
جنوباً، وفي مخيمات الرشيدية والبص وبرج الشمالي في منطقة صور، يبدو المشهد أكثر قتامة، مع شبه شلل في الحركة التجارية داخل الأسواق الشعبية التي تشكل شريان الاقتصاد المحلي للمخيمات.
يقول أحد أصحاب المحلات في مخيم برج الشمالي:
“الحركة شبه معدومة. الناس تشتري فقط ما يبقيها على قيد الحياة. المبيعات تراجعت بشكل كبير، والديون تتراكم علينا للتجار والموردين”.
ويضيف: “لدينا إيجارات متأخرة، وفواتير كهرباء وإنترنت، ولا يوجد أي دعم أو حلول. الوضع أصبح خانقاً بكل معنى الكلمة”.
ويرى التجار أن الأزمة لم تعد مجرد ارتفاع أسعار، بل تحولت إلى انهيار فعلي في الدورة الاقتصادية داخل المخيمات، مع تقلص القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.
مخيم الجليل.. ركود مشابه وضغط معيشي متصاعد
وفي مخيم الجليل في بعلبك، لا يختلف المشهد كثيراً عن باقي المخيمات، حيث يواجه السكان أوضاعاً معيشية متدهورة في ظل تراجع فرص العمل وغياب أي تحسن في الحركة الاقتصادية.
ويقول أحد سكان المخيم:
“الوضع صعب جداً. لا وظائف، ولا دخل ثابت، والغلاء يزداد كل يوم. حتى الاحتياجات الأساسية أصبحت عبئاً كبيراً على العائلات”.
ويعاني المخيم من ركود اقتصادي مشابه، مع اعتماد غالبية السكان على أعمال مؤقتة أو مساعدات محدودة، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية وغياب أي حلول مستدامة.
انتقادات واسعة للأونروا والسفارة الفلسطينية
بالتوازي مع التدهور المعيشي، تتصاعد انتقادات اللاجئين الفلسطينيين لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، إلى جانب مؤسسات وجمعيات محلية، بسبب ما يعتبرونه غياباً شبه كامل للمساعدات خلال الحرب، وحتى بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ.
ويقول أحد الناشطين في مخيم الرشيدية:“لم تصل مساعدات كافية طوال فترة الحرب، وحتى بعد التهدئة لم يتغير شيء. الاحتياجات تتزايد، والاستجابة ما زالت محدودة جداً”.
كما يوجه اللاجئون انتقادات حادة إلى السفارة الفلسطينية في لبنان، متهمين إياها بـ”الغياب الكامل” عن متابعة أوضاع المخيمات، خصوصاً في منطقة صور.
ويقول أحد أبناء المخيم: “لا نرى أي دور فعلي للسفارة. هناك شعور بأن معاناة الناس لا تصل إلى أحد، وكأننا خارج الحسابات”.
ويطالب السكان بتحرك عاجل يشمل برامج إغاثية طارئة، ودعماً مباشراً للأسر الأكثر تضرراً، إضافة إلى تفعيل دور رسمي فلسطيني أكثر حضوراً في متابعة أوضاع اللاجئين في لبنان.
بين هدنة السلاح وأزمة المعيشة
وبينما خفتت أصوات الحرب، لم تخفت تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. فالمخيمات الفلسطينية في لبنان تبدو اليوم أمام مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تنهِ الهدنة معاناة السكان، بل نقلتها إلى مستوى آخر أكثر عمقاً.
وفي ظل غياب حلول ملموسة، يبقى اللاجئون عالقين بين ركود اقتصادي خانق وارتفاع متواصل في تكاليف الحياة، في وقت تتقلص فيه فرص النجاة يوماً بعد يوم، بانتظار تدخل قد يخفف من وطأة أزمة باتت تهدد الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.