آخر الأخبار

المحور الإسرائيلي

2

خليل كوثراني

تقوم تصوّرات دونالد ترامب لـ«اليوم التالي» إقليمياً للحرب على إيران، على موقع مركزي لإسرائيل في الإقليم؛ وأن تكون إسرائيل، وهي تلعب دوراً شبه إمبراطوري، مندمجة مع دول المنطقة وحلفاء الولايات المتحدة وتحديداً السعودية. هذا ما ظهر في خطابه أثناء الحرب في مؤتمر ميامي الاستثماري، حين توجّه إلى محمد بن سلمان بالقول: «حان الوقت للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام». إلّا أن هذه التصوّرات تظلّ أقلّ طموحاً ممّا لدى شريك ترامب، بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر قبل أيّام، أن إسرائيل، رغم صغر حجمها، هي الآن «قوة عظمى» إقليمية، بل هي على نحو ما – وفق توصيفه – باتت أيضاً «قوة عظمى دولياً».

لكنّ خطاب نتنياهو الأهمّ في سياق الصراع على إعادة تشكيل الإقليم ومفاعيل الحرب، استبق الحربَ نفسها، حين أعلن أمام قيادات «الشاباك» في 22 شباط، أن إسرائيل تعمل على إنشاء تحالف إقليمي خاص بها لمواجهة محورَي «الإسلام الراديكالي» الشيعي والسنّي، «يشمل العديد من الدول. بعضها يزورنا، حتى في هذه الأيام. وبعضها الآخر نزوره. أنا أتحدّث عن دائرة كاملة تشمل الشرق الأوسط». وقال إن «الغرض من هذا المحور هو ربط الدول التي تشترك في فهم الواقع الإقليمي والتهديدات التي تواجهها»، مشيراً إلى الهند واليونان وقبرص ودول عربية وأفريقية لم يسمّها.

وبحسب ما ينقله يوني بن مناحيم في «مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية» عن مصادر، فإن هذا المشروع عبارة عن «تحالف سداسي» يضمّ إلى إسرائيل كلّاً من: الهند، اليونان، قبرص، إثيوبيا والإمارات. وهذه إشارة تقتصر على الدول القائمة، ولا تشمل بؤر التفتيت الناشئة كما في الصومال والسودان واليمن وسوريا وغيرها، والتي باتت ركناً آخر في شبكة السياسات الخارجية الإسرائيلية. ولئن اعتدنا على الإعلام الإسرائيلي أن يشير إلى تركيا – سوريا – «الإخوان» (وتضاف قطر أحياناً) كأطراف مقصودة بـ«المحور السنّي»، فقد بدأت أخيراً تَصدر في ذلك الإعلام التحذيرات من «تحالف رباعي»: تركي – باكستاني – سعودي – مصري.

السؤال هنا: ما الذي يجعل نتنياهو يقفز مفرّطاً بالرهان على مشروع التطبيع مع السعودية وعوائده الكبيرة، نحو إنشاء «محور إسرائيلي» يواجه كلّ مراكز القوى الإقليمية الأخرى مجتمعةً أو مفترقة؟ تذهب أجندة نتنياهو إلى هذا الخيار انطلاقاً من جملة موجبات تصطدم مع مصالح دول المنطقة:

– مشروع اليمين الحاكم لـ«الحسم» في فلسطين التاريخية، ومساره في تبديد فرص قيام دولة فلسطينية وضمّ الضفة، والذي يعدم إمكانية التسوية مع العرب.
– تغذية التفتيت حيث أمكن، كحاجة تفرضها العقيدة الأمنية الجديدة لتعزيز مكانة إسرائيل وتوسّعها، ووأد أيّ مخاطر مستقبلية محتملة.
– التغوّل الإسرائيلي المتعاظم في هذه الحرب، والذي يرتكز على رفض التعايش مع أي قوة إقليمية سواء كانت معادية كإيران أم منافسة كغيرها، ويربط تأمين مستقبل المشروع الصهيوني بضرب أيّ قوة مقابلة.

«المحور الإسرائيلي»، كحال مخطّطات نتنياهو الأخرى، يواجه تحدّي الأسباب التي قد توصل إلى تحقيق الهدف

هذه السياقات تؤشّر إلى أن إسرائيل تسير بعيداً من طموحها التاريخي للاندماج في المنطقة، والذي بلغ ذروته مع «الاتفاقات الإبراهيمية»، نحو معركة إعادة تشكيل الإقليم، وخلق فضاء تفاعل إقليمي يتجاوز حقائق الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ. ويبدو الرهان الإسرائيلي هنا، أكثر اعتماداً على مفاهيم من مثل «الجيو-اتصالية» لمُنظِّرها الأميركي من أصل هندي باراغ خانا، بمعنى التطلّع إلى بنى تحتية وتشابك اقتصادي وأمني عابر للمقوّمات الكلاسيكية في الجيوبوليتيك – كالجغرافيا نفسها -، وذلك بناءً على ما توفّره الطفرة التكنولوجية من تجاوز للأقاليم الطبيعية والجغرافيا السياسية إلى «الجغرافيا الوظيفية».

ولئن كان التفاعل الإقليمي الإسرائيلي تاريخياً تطوَّر من التشبيك في الستينيات مع البلدان المحيطة بالعالم العربي، كتركيا وإيران وإثيوبيا، إلى محاولات الاندماج مع الإقليم العربي عبر اتفاقيات التطبيع والسلام، فإن نتنياهو يفكّر اليوم بتجاوز هذه التقسيمات، لكن على قاعدة لا تختلف كثيراً؛ إذ هو يستغلّ التناقضات وعداء كلّ دولة لجارٍ لها ترى فيه تهديداً مشتركاً كما في حالتَي اليونان وتركيا والهند وباكستان، علماً أن الحرب الأخيرة أعادت الاعتبار إلى حقائق الجيوبوليتيك التقليدية، جغرافيا وموارد وديموغرافيا، كما رأينا في إغلاق مضيق هرمز.

إن هذا التصوّر للسياسة الخارجية في المنطقة يستكمل مشروع «إسرائيل الكبرى»، الذي جعل نتنياهو منه الممرّ الوحيد لتحقيق الأمن لإسرائيل والنجاة للمشروع الصهيوني. نتنياهو الذي أخرج مشروع «إسرائيل الكبرى» من مربّعه الأيديولوجي «اليوتوبي» في الصهيونية إلى برنامج أمن قومي، يريده أن يتحقّق بالعدوانية الفعّالة، وأحزمة الاحتلال الحدودية العازلة، وضرب القوى المعادية، ووأد المخاطر المحتملة، وتفتيت الدول والمجتمعات المحيطة. والآن، يتوّج مساره، وكلّ ذلك السلوك شبه الإمبراطوري، بمحاولة خلق فضاء إقليمي بديل.

«المحور الإسرائيلي»، كحال مخطّطات نتنياهو الأخرى، يواجه تحدّي الأسباب التي قد توصل إلى تحقيق الهدف؛ إذ تبدو الوسائل هنا أكثر «طموحاً» من الغاية نفسها. يبني نتنياهو على افتراضات يعتبرها مكاسب مُتحقّقة، كافتراضه سابقاً أن الدول الإقليمية ستنضمّ إليه لقتال إيران، وكافتراضه الآن تدمير «المحور الإيراني»، أو افتراضه لاحقاً أنه لن يواجه سوى منطقة مشرذمة لا تتقارب قواها إلّا على أساس الهوية الطائفية، فيما قد تجد هذه الدول نفسها، بفعل التغوّل الإسرائيلي المنفلت، تتشارك التهديد نفسه.

* من أسرة «الأخبار»

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة