ملاك عطوي
لم يمنع الخراب والدمار الذي تعرّض له الجنوب أبناءه من إحياء مراسم عاشوراء هذا العام، بل زادهم تمسكاً بها، وكأنّ الألم الذي يعيشونه اليوم يعيد إحياء معاني الثورة الحسينية في وجدانهم. فما نشهده من ظلمٍ وقتلٍ ومجازر ليس سوى امتداد لذلك الظلم الذي واجهه الإمام الحسين، يوم وقف في وجه الباطل رافضاً الاستسلام، ومعلناً أنّ الدم ينتصر على السيف.
في جنوب لبنان، لا تُختصر عاشوراء بمجرد طقوس أو مناسبات، بل هي نهج حياة، يُغرَس في النفوس منذ الطفولة، ويكبر مع الإنسان ليصبح جزءاً من هويته. هي مدرسة القيم التي علّمت الأجيال معنى الكرامة، والحق، والصبر، والتضحية. ومن هذه الأرض، خرجت حكايات الصمود، وتجسّدت المبادئ التي ما زالت تُروى منذ أكثر من 1400 عام.
ورغم الجراح المفتوحة، والبيوت المهدّمة، والقلوب المثقلة بالفقد، عاد أبناء الجنوب ليملؤوا الساحات والطرقات، يحيون العاشر من محرّم في القرى والبلدات، رافعين الرايات ومردّدين الشعارات التي تؤكد أنّ درب الحسين باقٍ لا ينطفئ.
وفي الضاحية، شهدت الشوارع مسيراتٍ حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف، في مشهدٍ يعكس وحدة الناس حول قضية الحق، وإصرارهم على مواجهة الظلم مهما اشتدّت التحديات. كانت الخطوات متعبة، لكنها ثابتة، وكانت العيون دامعة، لكنها مليئة بالعزم.
عاشوراء اليوم في الجنوب ليست فقط ذكرى، بل رسالة حيّة تُكتب بالفعل قبل الكلمات: أن أتباع الحق لا ينكسرون، وأنّ صوت العدالة لا يُقمع، وأنّ من تربّى على نهج الحسين لا يمكن أن يقبل بالذل أو يساوم على كرامته.
هنا الجنوب… حيث يتحوّل الحزن إلى قوة، والدمع إلى صمود، والذكرى إلى عهدٍ متجدّد بأن نبقى مع الحق، مهما كانت التضحيات…