آخر الأخبار

إسرائيل بين عقيدتين

00680b42-8f46-44ce-a4e3-572cc27d487c

مهدي عقيل

عند كلّ مواجهة أو حرب تخوضها إسرائيل، تُستحضر العقائد العسكرية والأمنيّة، ويعمل المستوى السياسي والعسكري على الاقتداء بها، ولا سيما المُجرّبة منها والمُثبتة «نجاعتها». وفي خضمّ الحرب التي لم تضع أوزارها بشكل نهائي بعد، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وحزب الله من جهة ثانية، ثمة عقيدتان برزتا على السطح في أروقة مراكز القرار والتقدير في الكيان العبري، تحاكيان المأزق الذي يعيشه الأخير: عقيدة مؤسّس الكيان ديفيد بن غوريون، وعقيدة رئيس أول حكومة يمينية مناحيم بيغن (1977-1983).
أولاً- عقيدة بن غوريون: تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسية لا يمكن للكيان أن يربح حرباً ويستمر على قيد الحياة بدونها بحسب صاحبها، تبدأ بـ«الردع» و«الإنذار المبكر» وتنتهي بـ«الحسم».

وتفرض هذه المبادئ اشتراطات أو استراتيجيات عسكرية، منها:
1-حرب قصيرة: بحيث يُعمل على وضع استراتيجية لأن تكون الحرب قصيرة وخاطفة قدر الإمكان، على غرار حرب 1956، والمعروفة بـ«العدوان الثلاثي على مصر»، و«حرب الأيام الستة» أو ما يُعرف بـ«نكسة 67»، والتي خاضتها إسرائيل ضد أربع دول عربية، مصر وسوريا والأردن والعراق، وأسفرت عن احتلال أراضٍ فلسطينية جديدة (الضفة الغربية وغزة)، وأراضٍ عربية (سيناء والجولان السوري)، والتي توازي مساحتها ثلاثة أضعاف المساحة التي احتلتها عام 1948، وأقامت عليها «الوطن القومي لليهود».

2- نقل الحرب إلى أرض العدو: هذا مبدأ ركّز عليه كثيراً مؤسّس الكيان، على اعتبار أن مساحة الكيان صغيرة جداً قياساً بدول المنطقة، ومن ذلك تعزّزت نظرية «إسرائيل الكبرى».

3-تقليص عدد القتلى: يحظى الجنود الإسرائيليون بمكانة خاصة في المجتمع الإسرائيلي، وأمر الحفاظ على حياتهم ومعنوياتهم، وتحريرهم إذا ما تعرّضوا للأسر، أحياء كانوا أم أمواتاً، من الموجبات الوطنية، وثمة عبارة شهيرة لبن غوريون نفسه في توصيفه للجيش، تقول إنّ لدينا «جيشاً له دولة»، بخلاف كل دول العالم التي تنشئ جيشاً للدولة وليس العكس.

وفي بداية الألفية الثالثة تغيّر الكثير من عقيدة بن غوريون، حيث خيضت غالبية الحروب على أرض فلسطين المحتلة، وليس على أرض العدو، ليصل تجاوز العقيدة المذكورة مع حكومة بنيامين نتنياهو الحالية إلى ذروته، وبصورة فاقعة، بعد عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما أعقبها من حروب على جبهات متعدّدة، والتي قلبت الكيان والإقليم رأساً على عقب.
تبنّى نتنياهو استراتيجية الدفاع المتقدّم، أو الدفاع الاستباقي، وورّط الجيش في أهداف غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع، ما استدعى في حربه والولايات المتحدة على إيران أن تدخل الأخيرة في مواجهة مباشرة مع الكيان. وانتهت الحرب بمذكّرة تفاهم أميركية-إيرانية، تكون إحدى موجباتها لجم نتنياهو، ومنعه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية التي وضعها بُعيد «الطوفان»، لجهة بناء «شرق أوسط جديد»، تتسيّده إسرائيل، وخالٍ من أي تهديد قائم أو مُحتمل أو وشيك تجاهها.

سياسات بيبي هذه، دفعت العديد من الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين الإسرائيليين، للمطالبة بإحياء «عقيدة بن غوريون»، ولا سيما في ما يخصّ تعزيز الرّدع ونقل الحرب إلى أرض العدو، وعدم المخاطرة بحياة الجنود الإسرائيليين، الذين وصفهم أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، في الجنوب اللبناني، بـ«البط في حقل رماية».
ثانياً- عقيدة بيغن: وتنطلق من مبدأ وجوب تفوّق الجيش الإسرائيلي على جيوش المنطقة العربية والإسلامية كافة، وهي تختص بالقضاء على كل نواة أو احتمال أو شك بأي دولة تسعى لامتلاك السلاح النووي، سواء كانت عدوّة أو صديقة، خشية تحوّل الأصدقاء إلى أعداء مستقبلاً.

عليه، دمّر سلاح الجو الإسرائيلي عام 1981 مفاعل تموز العراقي (أوزيراك)، وأطلق على العملية اسم «عملية أوبرا»، تنفيذاً لقرار وعقيدة رئيس الوزراء آنذاك، مناحيم بيغن. مع العلم أن وثائق أميركية رُفعت عنها السرية عام 2021، أكّدت أن فرنسا، التي ساهمت في بناء ذلك المفاعل، كانت سراً تقوم بجعل المواد الكيميائية المُصدّرة إلى مفاعل تموز غير قابلة للتحويل إلى سلاح نووي. هذا من حرص فرنسا على تفوّق الكيان، وهذا الحرص ينسحب على الدول الغربية كافة. ورغم ذلك، دمّره الأخير، ولم يردّ صدام حسين الذي كان منشغلاً في حربه مع إيران.

واستمرت إسرائيل في اعتماد «عقيدة بيغن»، حيث قامت حكومة إيهود أولمرت في 5 سبتمبر/أيلول 2007، باستهداف منشأة الكُبر في محافظة دير الزور السورية، في ظل حكم بشار الأسد، والذي لم يرد في حينه أيضاً.
بدورها، حكومة نتنياهو الثانية، أعدّت خطة عام 2009، لضرب المفاعلات النووية الإيرانية دون تنسيق مع الولايات المتحدة. إلا أنّه، عندما علمت الاستخبارات الأميركية بالأمر، تم إفشال الخطة ودفنها في مهدها.

وظل هاجس القضاء على النووي الإيراني في مخيلة ووجدان نتنياهو حتى ظفر في جرّ الولايات المتحدة إلى ضرب تلك المفاعلات في اليومين الأخيرين من العدوان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في حزيران/يونيو 2025. وجرى تدمير ثلاثة مفاعل (فوردو، أصفهان وطهران)، لكن ثبت لاحقاً عدم صحة ادعاء إدارة البيت الأبيض بأنها قضت على المشروع النووي الإيراني، خصوصاً أنّ الملف النووي هو إحدى أبرز قضايا «مذكّرة التفاهم الأميركية-الإيرانية» التي ستُناقش على مدى ستين يوماً بعد وقف إطلاق النار، وقابلة للتمديد.

في المحصّلة، أخفقت الحكومة الإسرائيلية في الوصول إلى مرحلة «الحسم» التي شدّدت عليها «عقيدة بن غوريون»، على مدار ثلاث سنوات متواصلة من الحرب على مختلف الجبهات. وأخفقت أيضاً في القضاء على المشروع النووي الإيراني، على شاكلة ما انتهت إليه المشاريع النووية والكيماوية في كل من العراق وسوريا، تنفيذاً لـ«عقيدة بيغن»، في الوقت الذي تصرّ فيه إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم على أرضها، ما يؤشر من المنظور الأميركي والإسرائيلي إلى نيّة إيران امتلاك السلاح النووي في المدى البعيد على الأقل.

وعليه، يسعى بيبي من خلال المفاوضات المباشرة مع لبنان إلى تحقيق ما عجز عنه في الميدان، لجهة حسم الحرب لصالح الكيان من جهة، ولا سيما بعد توقيع اتفاق الإطار مع الحكومة اللبنانية. ومن جهة ثانية، هو يدفع بإدارة البيت الأبيض إلى تفاوض حازم مع إيران في الموضوع النووي، علّه يظهر أمام جمهوره أميناً مُحلّفاً على عقائد الأمن الإسرائيلية! والتي بدونها يبقى التهديد قائماً بزوال الكيان.
* باحث في
الشؤون الإقليمية

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة