بقلم: عصام الحلبي
في كل بلاد العالم التي وقعت تحت الاحتلال وقاوم شعبها هذا الاحتلال من أجل حريته واستقلاله، كان للشهداء مكانة خاصة في ذاكرة الوطن. لم يكونوا مجرد أسماء رحلت، بل أصبحوا جزءاً من تاريخ بلادهم ومن مسيرتها نحو الحرية والاستقلال والسيادة.
الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن وطنهم تركوا خلفهم عائلات وأطفالاً وأمهات وآباءً وأخوة. تركوا بيوتاً غاب عنها من كان سندها ومعيلها، وتركوا فراغاً لا يمكن أن يملأه أحد.
ولهذا فإن تكريم الشهيد لا ينبغي أن يتوقف عند تخليد اسمه أو إطلاق اسمه على شارع أو مدرسة أو إقامة نصب تذكاري له. كل هذه الأمور مهمة لأنها تحفظ الذاكرة الوطنية، لكن الوفاء الحقيقي للشهيد يجب أن يصل أيضاً إلى أسرته.
فخلف كل شهيد عائلة تعيش مع الغياب كل يوم. أم فقدت ابنها، وزوجة فقدت زوجها، وأطفال فقدوا والدهم وهم في أمس الحاجة إليه. وهذه العائلات لا تحتاج إلى كلمات في المناسبات فقط، بل تحتاج إلى أن تشعر بأن وطنها لم ينسها.
في تجارب كثيرة لشعوب قاومت الاحتلال وناضلت من أجل استقلالها، بقي الشهداء جزءاً من الذاكرة الوطنية، وأصبحت رعاية أسرهم مسؤولية وطنية واجتماعية. فالدولة التي تكرم شهداءها لا تكرم من رحلوا فقط، وإنما تحافظ أيضاً على كرامة من تركوهم خلفهم.
ومن هنا فإن تأمين حياة كريمة لأسر الشهداء ليس منّة من أحد، ولا هو مكافأة على فقدان عزيز. إنه واجب تجاه عائلات دفعت ثمناً كبيراً من أجل الوطن.
والكرامة هنا لا تعني المال وحده. هي أن يحصل أبناء الشهداء على التعليم، وأن تتوفر لعائلاتهم الرعاية الصحية والاجتماعية، وأن تتاح لهم فرص العمل والحياة الكريمة، وأن لا تتحول الشهادة إلى سبب في انتقال الأسرة من الفقد إلى الحاجة والعوز.
وفي الحالة الفلسطينية تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً. فالشعب الفلسطيني عاش عقوداً طويلة تحت الاحتلال، وقدم آلاف الشهداء في مسيرة نضاله من أجل الحرية والاستقلال. ولكل شهيد قصة، ولكل عائلة حكاية، ولكل بيت وجع لا يعرفه إلا من عاشه.
وراء صورة الشهيد التي نراها في المناسبات هناك أم ما زالت تحمل صورة ابنها، وطفل كبر من دون والده، وزوجة وجدت نفسها أمام مسؤوليات لم تكن مستعدة لها. هناك عائلة تحاول أن تستمر في حياتها رغم غياب شخص كان جزءاً أساسياً منها.
لهذا لا يجوز أن تتحول قضية أسر الشهداء إلى ملف موسمي يظهر في المناسبات ثم يغيب. هؤلاء جزء من المجتمع، وحقهم في الحياة الكريمة يجب أن يكون ثابتاً ومحفوظاً.
كما أن تكريم الشهداء يجب أن يبقى بعيداً عن المزايدات والخلافات. الشهيد أكبر من أي خلاف، وأسرته لا ينبغي أن تكون طرفاً في أي تجاذب. من فقد عزيزاً لا يحتاج إلى خطاب طويل بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر أن وطنه يقف إلى جانبه.
الشهداء هم أحد معالم الوطن، وهم جزء من ذاكرته ومن تاريخه. وحين نتحدث عن الاستقلال والسيادة والحرية، لا يمكن أن نتجاهل الذين دفعوا حياتهم ثمناً لهذه القيم.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أسماء الشهداء وقصصهم، وأن تعرف أن الأوطان لم تبنَ بالكلمات وحدها، وأن وراء كل مرحلة من مراحل النضال أناساً دفعوا من أعمارهم وحياتهم من أجل أن يبقى الوطن حاضراً.
لكن حفظ الذاكرة وحده لا يكفي. فالوفاء الحقيقي للشهيد يبدأ من حفظ اسمه وذكراه، لكنه لا ينتهي هناك. الوفاء الحقيقي هو أن تبقى أسرته عزيزة ومكرمة، وأن يشعر أبناؤه بأن المجتمع لم ينسَ من فقدوه، وأن غياب والدهم لم يجعلهم وحدهم في مواجهة الحياة.
إن الوطن الذي يحفظ ذاكرة شهدائه ويحمي كرامة أسرهم هو وطن يعرف قيمة تضحيات أبنائه.
فالشهيد وإن غاب عن الحياة، يبقى حاضراً في ذاكرة الوطن، أما أسرته فهي التي تحمل غيابه كل يوم.
ولهذا فإن رعاية أسر الشهداء ليست مجرد واجب اجتماعي، بل هي جزء من الوفاء للشهيد، وجزء من الوفاء للوطن نفسه.
الشهيد لا يغيب عن ذاكرة الوطن ولا ينبغي أن تغيب أسرته.