آخر الأخبار

بيت أطفال الصمود… ٥٠ عامًا من العطاء والوفاء وحماية الذاكرة

Screenshot

١٢ آب ١٩٧٦ – ١٢ آب ٢٠٢٦
خمسون عامًا من الصمود… خمسون عامًا من العطاء والوفاء

في الثاني عشر من آب عام ١٩٧٦، وفي أعقاب المأساة التي حلّت بمخيم تل الزعتر، ولدت مؤسسة بيت أطفال الصمود من رحم الألم، لتكون شاهدًا على واحدة من أصعب المحطات في تاريخ شعبنا الفلسطيني، ولتحوّل المأساة إلى رسالة حياة، والألم إلى عمل، والتهجير إلى تمسّك بالهوية والحق والكرامة.

لم يكن تأسيس المؤسسة مجرد استجابة لحاجة اجتماعية عابرة، بل كان فعلًا إنسانيًا وتربويًا ووطنيًا، انطلق من الإيمان بأن الأطفال الذين فقدوا أهلهم وبيوتهم يحتاجون إلى أكثر من الرعاية؛ يحتاجون إلى الأمان، والتعليم، والحب، والانتماء، وإلى من يحفظ لهم ذاكرتهم ويصون هويتهم الفلسطينية.

ومنذ انطلاقتها، حملت المؤسسة اسم بيت أطفال الصمود ليكون الاسم عنوانًا لمسيرة امتدت نصف قرن، تعاقبت خلالها الأجيال، وتغيّرت الظروف، وتبدّلت الاحتياجات، لكن بقيت الرسالة ثابتة: الإنسان الفلسطيني أولًا، والطفل في القلب، والهوية والذاكرة وحق العودة أمانة للأجيال.

من جرح تل الزعتر إلى رسالة ممتدة

كان مخيم تل الزعتر محطة مؤلمة في الذاكرة الفلسطينية واللبنانية، تركت آثارًا عميقة في حياة آلاف العائلات والأطفال. ومن بين ركام تلك المأساة، جاءت فكرة تأسيس بيت أطفال الصمود، لتمنح الأطفال فرصة جديدة للحياة، ولتقول إن فقدان البيت لا يعني فقدان الوطن، وإن الشتات لا يعني التخلي عن فلسطين.

تحولت المؤسسة مع مرور السنوات إلى مساحة للأمان والرعاية والتربية، وإلى بيت يحتضن الأطفال والعائلات، ويعمل على تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان.

خمسون عامًا من المحطات والإنجاز

على امتداد خمسة عقود، تطورت المؤسسة من تجربة رائدة في رعاية الأطفال إلى مؤسسة متعددة البرامج والخدمات، تواكب احتياجات المجتمع وتستجيب للتحولات التي مر بها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان.

وفي مسيرتها، عملت المؤسسة في مجالات متعددة، من أبرزها:

* التربية والتعليم والطفولة المبكرة ودعم الأطفال في مراحلهم التعليمية المختلفة.
* رياض الأطفال والأنشطة التعليمية والتربوية التي تساهم في بناء شخصية الطفل وتعزيز قدراته.
* الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والعائلات، خصوصًا في ظل الأزمات والحروب والضغوط المتراكمة.
* الرعاية الصحية من خلال العيادات والبرامج الصحية، ومن بينها خدمات طب الأسنان والصحة الإنجابية.
* إنشاء مراكز متخصصة للإرشاد الأسري تضم اختصاصيين وأطباء نفسيين
* التدريب المهني وتمكين الشباب وفتح مساحات أمامهم لاكتساب المهارات وتعزيز فرصهم في المستقبل.
* الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والموسيقية باعتبار الثقافة وسيلة لحماية الذاكرة وتعزيز الانتماء.
* تمكين المرأة ودعم الأسر وتعزيز مشاركتها في المجتمع.
* برامج التوعية والتثقيف المجتمعي والعمل مع الأطفال والشباب والمتطوعين.
* الاستجابة للطوارئ والأزمات وتقديم الدعم والمساعدات والخدمات للفئات الأكثر حاجة.
* الحفاظ على التراث والهوية الفلسطينية من خلال الأنشطة والبرامج التي تربط الأجيال بتاريخها وثقافتها وأرضها.

وهكذا، لم تكن المؤسسة مجرد مكان لتقديم الخدمات، بل أصبحت على مدى خمسين عامًا مساحة للتعلم والحماية والتمكين والحفاظ على الذاكرة الجماعية.

الإنسان الفلسطيني في قلب الرسالة

أهم ما يميز مسيرة بيت أطفال الصمود هو أن الخدمات لم تكن منفصلة عن الإنسان وقضيته.

فالطفل الذي يدخل المؤسسة ليس مجرد مستفيد من برنامج تعليمي أو صحي؛ هو طفل فلسطيني يحمل قصة عائلته وذاكرة شعبه، ولذلك كانت التربية بالنسبة للمؤسسة دائمًا أوسع من الصف والكتاب، وكانت الثقافة أوسع من النشاط، وكانت الرعاية أوسع من الخدمة.

إنها تربية على الصمود، وعلى الكرامة، وعلى معرفة الجذور، وعلى الاعتزاز بالهوية، وعلى الإيمان بأن فلسطين ليست مجرد مكان في الذاكرة، بل حق ثابت لا يسقط بالتقادم.

الهوية الفلسطينية وحق العودة

بعد خمسين عامًا، تبقى إحدى أهم مسؤوليات المؤسسة هي حماية الهوية الفلسطينية وحق العودة.

ففي ظل أجيال ولدت ونشأت بعيدًا عن فلسطين، وفي ظل محاولات النسيان والتهميش، تصبح المحافظة على الذاكرة مسؤولية وطنية وتربوية.

ومن هنا، تسعى المؤسسة إلى أن يعرف الطفل الفلسطيني اسم قريته ومدينته، وأن يتعرف إلى تراث شعبه وتاريخه، وأن يدرك أن وجوده في المخيم ليس نهاية الحكاية، وأن اللجوء ليس وطنًا بديلًا.

المخيم ذاكرة، وفلسطين وطن، والعودة حق.

وهذه الرسالة لا تعني فقط الحفاظ على أسماء القرى والمدن، بل الحفاظ على اللغة والثقافة والتراث والحكايات والصور والأغاني والعادات، ونقلها من الآباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد.

تحديات خمسين عامًا

لم تكن هذه المسيرة سهلة.

فقد واجهت المؤسسة، كما واجه المجتمع الفلسطيني في لبنان، حروبًا وأزمات ونزوحًا وفقرًا وبطالة وتراجعًا في الخدمات، إضافة إلى تحديات التعليم والصحة والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

وفي السنوات الأخيرة، ازدادت التحديات مع الأزمات المتلاحقة، وما رافقها من احتياجات إنسانية ونفسية واجتماعية متزايدة، خصوصًا لدى الأطفال والشباب.

لكن المؤسسة أثبتت في كل محطة أن الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية.

فكل طفل استمر في تعليمه، وكل أسرة تلقت دعمًا، وكل شاب اكتسب مهنة، وكل مريض تلقى علاجًا، وكل طفل وجد مساحة آمنة للعب والتعبير، وكل حكاية فلسطينية انتقلت إلى جيل جديد، كانت جزءًا من هذه المسيرة الطويلة.

من الماضي إلى المستقبل

في ذكرى تأسيسها الخمسين، لا تنظر مؤسسة بيت أطفال الصمود إلى الماضي باعتباره مجرد تاريخ، بل تنظر إليه باعتباره مسؤولية للمستقبل.

فالسنوات الخمسون المقبلة تحتاج إلى تطوير البرامج، والاستثمار أكثر في التعليم، والصحة، والدعم النفسي والاجتماعي، والتدريب المهني، وتمكين الشباب والنساء، وتوسيع المساحات الثقافية، والاستفادة من التكنولوجيا والابتكار، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات المحلية والدولية.

كما تحتاج المؤسسة إلى توثيق تجربتها وتاريخها، وحفظ أرشيفها وشهادات من مروا فيها، لأن تجربة خمسين عامًا ليست ملكًا للمؤسسة وحدها، بل هي جزء من الذاكرة الاجتماعية والإنسانية للشعب الفلسطيني في لبنان.

خمسون عامًا… والرسالة مستمرة

في الثاني عشر من آب ٢٠٢٦، تقف مؤسسة بيت أطفال الصمود أمام خمسين عامًا من العمل، تستذكر المؤسسين والعاملين والمتطوعين وكل من ساهم في بناء هذه التجربة، وتستذكر الأطفال الذين كانوا يومًا جزءًا من بيتها وأصبحوا اليوم آباء وأمهات، وربما أرسلوا أبناءهم إلى المؤسسة نفسها.

خمسون عامًا تغيّرت خلالها الوجوه، وتبدلت الظروف، لكن بقيت الفكرة حيّة:

أن نحمي الطفل، ونحفظ الإنسان، ونصون الهوية، ونتمسك بالذاكرة، ونورث الأجيال حق العودة.

من تل الزعتر، حيث كانت البداية في ظل واحدة من أقسى المآسي، إلى اليوم، بقي بيت أطفال الصمود شاهدًا على قدرة الإنسان الفلسطيني على تحويل الألم إلى أمل، والكارثة إلى مشروع حياة، واللجوء إلى صمود، والذاكرة إلى عهد.

٥٠ عامًا من العطاء والوفاء…
٥٠ عامًا من الصمود والإنسانية…
٥٠ عامًا نحفظ فيها ذاكرة فلسطين، ونبني الإنسان الفلسطيني، ونؤكد أن حق العودة لا يسقط، وأن الأجيال التي تحمل فلسطين في ذاكرتها قادرة على حملها إلى المستقبل.

كل عام ومؤسسة بيت أطفال الصمود بخير،
وكل عام ورسالتها مستمرة،
وفلسطين حاضرة في الذاكرة

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة