حسام عبد الكريم
منذ بداية وصول المهاجرين اليهود من شرق أوروبا إلى فلسطين، في زمن الدولة العثمانية، كان البعد العسكري للمشروع الاستيطاني حاضراً في أذهان الصهاينة ومخطّطاتهم. ورغم حرص الصهاينة الأوائل على إظهار «سلمية» و«إنسانية» حركة الهجرة إلى فلسطين أمام الدول الكبرى آنذاك، وادّعائهم بأن مشروعهم «تنموي» و«نهضوي» في الأساس، وسيعود بالفائدة على العرب الموجودين في فلسطين، لكن حقيقة أفعالهم على الأرض أظهرت نواياهم وتوجّهاتهم العسكرية بكل وضوح حتى في تلك الفترة المبكرة.
وبعيداً عن «بيع الحكي» الذي أتقنه الصهاينة، كان الشغل لتأسيس نواة حربية مقاتلة لمشروعهم القائم على الهجرة والاستيطان أساسياً في عقيدتهم وترتيباتهم. واليهود من ناحية تاريخية لم يُعرفوا بأنهم أهل حرب وقتال، وطالما كانوا في أوروبا عرضة لنوبات غضب وهجمات من أطراف عديدة من دون أن يتصدوا لذلك عسكرياً، بل كانوا ينتظرون من يحميهم، من جانب الدولة القائمة أو من جانب المجتمع. كما ظلّت صورة «المساكين» و«المشرّدين» و«اللاجئين» هي السائدة في التعامل معهم، والنظر إليهم من جانب معظم الحكومات والدول، وكان ذلك يناسب الصهاينة ويسهّل مهمتهم في ذلك الوقت.
تُظهِر دراسة نشأة المستوطنات الأولى في فلسطين، وخصوصاً ظاهرة «الكيبوتسات» أن الصهاينة كانوا مدركين وواعين تماماً بالطبيعة العدوانية لهذه «الكيبوتسات» تجاه أهل البلاد الأصليين، أي الفلسطينيين. فلم تكن لديهم أي أوهام بهذا الشأن، ولذلك بدأوا مبكراً إعداد مجتمعاتهم «الكيبوتسية» للصراع المسلح مع العرب، وشيئاً فشيئاً حوّلوها إلى مواقع عسكرية متقدّمة في خدمة المشروع الصهيوني من حيث التدريب والتسليح والجاهزية للقتال، وفي داخل «الكيبوتس» كان العمل يسير بخطين متوازيين، الجميع يعمل في الزراعة والاستيطان، ويتدرّب على القتال والسلاح في الوقت ذاته، الجميع بلا استثناء، رجالاً ونساء.
وحرص الصهاينة أمام السلطات على إظهار الأمر أن التدريبات هي من أجل الأمن والحماية والتنظيم، وأنه احتياطي للدفاع الذاتي أمام هجمات أو اعتداءات من جانب اللصوص وقطّاع الطرق.
تحمّل الصهاينة كل أنواع المشقة، بل والإهانات، من أجل السير بمشروعهم العسكري إلى الأمام. وعندما تقدّم الصهاينة الذين طردهم الوالي العثماني من فلسطين بطلب للقائد العسكري الإنكليزي في مصر من أجل إنشاء «كتيبة يهودية» تعمل في خدمة الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى، رفض الجنرال ماكسويل الطلب لأنه لم يرَهم أهلاً «لشرف» الانضمام كجنود مقاتلين في خدمة الإمبراطورية، واكتفى بأن قدّم لهم عرضاً مُهيناً إلى أقصى درجة، وهو تشكيل كتيبة صهيونية تكون مختصة برعاية بغال الجيش البريطاني التي تُستعمل لأغراض النقل والتموين. بلع الصهاينة الإهانة، ووافقوا على تشكيل «كتيبة صهيون» للعناية ببغال الجيش البريطاني! كل ذلك لإدراكهم أن العسكرية مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مشروعهم، وأن عليهم البدء بأي ثمن وبأي شكل في سبيله.
في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين، لم يكتفِ الصهاينة بحماية الدولة العظمى صاحبة وعد بلفور، بل قاموا بتأسيس النواة المسلحة لمجتمع المستوطنين «الهاغاناه» التي سوف تصبح نواة الجيش الإسرائيلي في ما بعد. استفاد الصهاينة من قوات الجيش البريطاني كثيراً، والعديد من ضباطهم وقياداتهم نالوا تدريباً مهنياً عالياً في صفوفه، وشاركوا في خدمة الإمبراطورية داخل فلسطين وخارجها. وفي الوقت ذاته الذي كان فيه التيار الصهيوني الرئيسي (العمالي) بقيادة بن غوريون منهمكاً في ترتيباته وتعاونه مع بريطانيا العظمى، كان التيار الصهيوني المعارض بقيادة جابوتنسكي (الصهيونية التصحيحية) يقيم تعاوناً عسكرياً وثيقاً مع خصم لدود لبريطانيا، أي إيطاليا الفاشية بزعامة موسوليني الذي قدّم لهم دعماً مهماً، وأسّس لهم «أكاديمية بيتار البحرية» في ميناء تشيفيتافيكيا الإيطالي عام 1934.
وبعد الانسحاب البريطاني من فلسطين عام 1948، كانت غالبية معسكرات ومنشآت الجيش البريطاني من نصيب الصهاينة، ومن أهمها مطار اللد. لذا لم يكن الانتصار العسكري الكبير الذي حقّقه الصهاينة على الجيوش العربية سنة 1948 مفاجئاً، بل كان في الحقيقة انعكاساً لموازين القوى على الأرض. فالاستعداد الصهيوني لهذه الحرب يعود إلى ربع قرن للوراء، بينما الجيوش العربية الخمسة التي دخلت فلسطين كانت بلا جاهزية ولا خطة ولا استعداد. وبينما كان عديد القوات الصهيونية 100 ألف مقاتل، كان عديد الجيوش العربية التي دخلت إلى فلسطين 25 ألف جندي.
بعد انتصار الصهاينة وإعلان الدولة، والحصول على شرعية دولية وتوقيع اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية، لم يهدأ الصهاينة يوماً واحداً. فقد بدأوا الاستعداد للجولة القادمة من الحرب التي اعتبروها مسألة وقت فقط، وذلك قبل أن يواصلوا مشروعهم وتوسّعهم. وهذه المرة صارت تحضيراتهم بلا قيود وبلا حدود، فحصلوا على السلاح من جهات مختلفة، عدا تصنيعهم الذاتي وتوجّههم نحو امتلاك القنبلة النووية. أمّا العسكرية الإسرائيلية، ففرضت على الشباب، الذكور والإناث، تجنيداً إلزامياً لمدة ثلاث سنوات متواصلة، ليتحوّل بعدها المواطن «المدني» إلى جندي احتياط، يؤدّي خدمة فعلية في الجيش مدة شهر كل سنة.
ولم تبخل عليهم الدول الكبرى، الإمبريالية، بالدعم، بل رفعت مستوى دعمها العسكري للكيان الجديد إلى مستويات أعلى لأنها رأت فيه موطئ قدم لها، وموقعاً متقدّماً في المنطقة. والكيان بدوره كانت هذه الوضعية تناسبه، مع جاهزية لتقديم كل الخدمات.
وفي سنة 1956، جاءت أول فرصة لهم لردّ الدين، وتقديم خدمات للإمبريالية. فظهر الكيان على حقيقته، مخلب قط للقوى الاستعمارية تستعمله عند الحاجة في مشاريعها في المنطقة. انخرط الكيان في الحرب البريطانية – الفرنسية ضد مصر، وهاجم سيناء واحتلها، رغم أنه لم يكن طرفاً مباشراً في النزاع. حرب 1967 لم تكن مفاجئة للصهاينة، وخطة الحرب وتدمير سلاح الجو المصري واحتلال الجولان والضفة الغربية وسيناء كانت جاهزة ومُعدّة منذ أكثر من 10 سنوات، بانتظار التنفيذ فقط عندما تحين اللحظة ويصدر الأمر.
ذهب السادات إلى القدس سنة 1977، ووقّع معهم اتفاقية سلام شاملة باسم مصر. تعامل الكيان مع اتفاقية السادات على أساس المقايضة. هدوء ووقف العدوان على الحدود الغربية مقابل إطلاق اليد على الجبهة الشرقية. هكذا فهموا معاهدة كامب ديفيد، أنها فرصة للانطلاق والتمدّد باتجاه الشرق، الضفة الغربية والقدس وسوريا ولبنان والعراق. تصاعدت اعتداءاتهم حتى وصلت إلى احتلال بيروت سنة 1982، وقصف العراق وضم الجولان وتكثيف الاستيطان في القدس وما حولها. إذاً سبّبت معاهدة كامب ديفيد زيادة في منسوب الشراسة لدى العسكرية الصهيونية.
وفي سنة 1993، وقّع معهم ياسر عرفات اتفاقية أوسلو، وبعد عام وقّع الملك حسين اتفاقية وادي عربة. لم يتغير أي شيء على الإطلاق في العقيدة العسكرية الإسرائيلية رغم تلك المعاهدات. فاستمرت العسكرة على أشدّها في الكيان، بل وانتقلت إلى آفاق تكنولوجية أكبر. واليوم توجد لديهم اتفاقيات وتفاهمات مع عدة بلدان عربية أخرى، كالإمارات والبحرين والمغرب. وحتى لو شملت اتفاقياتهم الدول العربية كافة، فإن الكيان لن يتوقف ولن يهدأ. وبعد الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران والدمار الذي ألحقوه بها، خرجت أصوات داخل الكيان تنال من تركيا!
إن طبيعة الكيان الاستيطاني الصهيوني في فلسطين هي هكذا، ثكنة عسكرية قائمة على الحروب والتدمير. والاقتصاد الإسرائيلي قائم على الناحية العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الحربية. فلا يمكن له أن يعيش بسلام، حتى لو جنح كل خصومه المحتملين له. إسرائيل ليست دولة طبيعية أو عادية يمكن التعامل معها كغيرها من بلاد العالم. إنها تعلم أنها مفروضة على المنطقة بالغصب والقوة، وتبقى في حالة اشتباه تجاه كل من حولها حتى لو لم يقم بأي فعل. لذا لن تتحوّل إلى بلد طبيعي أبداً. فهي أصلاً «بلد» غير طبيعي، ولا يمكن أن تغيّر جوهرها وأساس كيانها.
* كاتب من الأردن