آخر الأخبار

إيران وإسرائيل ليستا وجهين لعملة واحدة!

b595a7d3-c206-4c1e-b5ab-8771562ca8c8

زينب نصار

نشر نظام الحضارة الغربية الرأسمالية، على مدار القرن العشرين، خطاباً تبنّاه الجميع، حول حقوق الإنسان وحماية الحرّية الفردية والديمقراطية. ونشأت في سياقه تيارات مثل: النازية والفاشية والصهيونية وغيرها من جماعات التطرّف العنصري، حاول النظام التبرؤ منها باعتبارها غير عقلانية، فهل هي فعلاً كذلك؟
وللمفارقة، يستعينها اليوم بحلة جديدة، فتنتشر مصطلحات مثل الليبراليين الجدد، المحافظين الجدد، النازيين الجدد، وآخرها حركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة من جديد). فهل هذه وتلك جديدة؟

يدفعنا هذا لتتبّع مصدر الفاشية وأخواتها، فيعيدنا إلى نشوء الرأسمالية ومسار تطورها، الذي انعقد على ثنائية: تراكم رأس المال والعنف. يعيد لازارتو في مقالته «الولايات المتحدة والرأسمالية الفاشية»، ترتيب مواقعهما، ليبيّن أن العنف يتقدّم ويمهّد لعملية التراكم، وينقذه عند كل أزمة. ومنذ الفصل العنيف للمنتجين عن وسائل الإنتاج، أصبح الاقتصاد هو المُحدّد، وصارت السياسة على دِين الاقتصاد، باعتبار إرادة القوة وإرادة التراكم وجهين لعملة واحدة.

نجحت الحضارة الرأسمالية على مدى قرنين بفرض تفوّقها التكنولوجي، مصحوباً بتوالي أزماتها، التي ما انفكّت تتفجر عنفاً، تكشّفت معه حقائق الأشكال التأسيسية للرأسمالية، من إبادة السكان الأصليين، والتسييج وخلق البروليتاريا. تشكّلت الاحتكارات كنتيجة لتصارع الرأسماليين، والإمبريالية لضرورة توسّع رأس المال، ولحماية الداخل بالاستعمار، ما قاد الدول الرأسمالية إلى إشعال الحرب العالمية الأولى، التي فاقمت نتائجها المروّعة تأزم حالة التراكم الرأسمالي، ودفع حركات اليمين قدماً لتلبية الحاجة إلى دورات عنف جديدة.

هكذا وبطلب الاتحاد العام للصناعيين، وصل موسوليني، القائل إن اندماج السلطة الحكومية مع القوة الاقتصادية هو الفاشية، بها حكم إيطاليا، بين عامي 1922 و1943، قدّم إعانات ضخمة للشركات الكبرى، وأنقذها بفرض ضريبة على الأجور بعد تخفيضها وتسريح العمال الفائضين، أي إنه نفّذ وصفات الرأسمالية الصالحة لكل حين، بفرض التقشّف، الذي ما انفكّ ينتج الإفقار المجتمعي. وظّفت الفاشية يأس الناس من الواقع الاقتصادي، وجهدت لتجنّب تحويله ضد الرأسمالية، أو كما يبيّن سمير أمين أن الأشكال المختلفة من الفاشية هي أساليب معيّنة لإدارة الرأسمالية وليست أشكالاً سياسية تتحدَّى شرعية الأخيرة.

ولبسط سيادة رأسمالية الاحتكارات رفعت النازية إلى السلطة هتلر وأصبح مستشاراً بعد إفطار تاريخي مع أوبنهايم، مصرفي من كولونيا، وفون بابن، صناعي كبير في سار، ما منح النازيين موافقة رأسمالية، مقابل ولائهم غير المشروط للرأسمال الاحتكاري.
جسّد الاثنان نتاجاً طبيعياً لمسار تطوّر الرأسمالية وعقلانيتها، التي دمّرت أوروبا، بنتيجة تأزم عملية التراكم الجوهرية لرأس المال. لكنّ النظام برّر ظهورهما كرد بمواجهة التهديد الشيوعي المتنامي. أعادت شركات التسلح الخاصة في الدول التي تعهّدت بمنع إعادة تسلّح ألمانيا، تسليح الألمان المهزومين، لتشكيل تحالف كبير للتقدّم نحو موسكو. لا بل إن هتلر تمثّل مذابح إنكلترا في الهند، ونفّذ مثيلتها، في تتمة لإرث ألمانيا الدموي في ناميبيا. هكذا يتبين أن توجهات السياسة النازية تتطابق في الواقع مع الاتجاهين الرئيسيين للرأسمالية آنذاك الاحتكار والإمبريالية.

الحروب ركيزة الحضارة الغربية

عبّر كساد عام 1929 عن عمق أزمة مسار التراكم الرأسمالي الإنتاجي، لكنه أتى في وقته، سهّل للنظام دورات عنف هائل، في الداخل وبين دوله، فكانت الحرب العالمية الثانية. قطفت ثمارها، دون أن تخوضها الولايات المتحدة، الفاشية ذات الوجه المبتسم. وتزعّمت النظام الرأسمالي، بعد سقوط القوى الإمبريالية الأخرى، وأخضعتها لسيطرتها عبر برامج التمويل كـ«مارشال» وأخواته. وأضحت القوة الاقتصادية الوحيدة المستقلة. هذه الوضعية أتاحت للولايات المتحدة ثلاث مرات تغيّر وفرض قواعد اقتصادية وقانونية على السوق العالمية والنظام العالمي (1945 تحكم مؤسسات بريتون وودز، 1971 نيكسون فك علاقة الدولار بالذهب، البترودولار، و1991 النيوليبرالية وسيطرة الأسواق المالية).

هكذا أصبحت للبعض سوريا والكيان وجهين لعملة واحدة، ثم طاولت الوصمة لاحقاً «حماس»، وكأنها سلسلة لسردية يجب تثبيتها

وقد عبّرت أزمة عام 2008 بشكل صريح عن تأزم عملية التراكم، بفعل ترك الأمور للأسواق المالية، لعجز المال عن توليد المال. لمواجهة نتائجها، تنفّذ الولايات المتحدة اليوم الانقلاب الرابع، مهندسه الرئيس الحالي ترامب.
بهدف درء انهيار دورة التراكم وإنعاش الاقتصاد الأميركي المأزوم، وفي محاولة شبه مستحيلة لـجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، يجهد للاستيلاء على ثروات مجتمعات الأقنان العالمية، بعد أن استنفد النهب عبر التمويل والديون طاقته، بتعليق جميع قواعد النظام الرأسمالي العالمي.

هكذا يصبح استخدام القوة غير الاقتصادية شرطاً أساسياً للإنتاج الاقتصادي الضروري، عبر علاقات القوة بالقوة، وإحلال «السلام الأميركي» بالقوة، والرأسمالية المفروضة بالقوة، عبر سلسلة من الاستيلاءات والمصادرات والنهب، عبر العنف، بأشكاله، من الترهيب الاقتصادي، والابتزاز، والتدخل العسكري، وآخرها العدوان على إيران.

تأتي خطورة الانقلاب الرابع الذي يحدث، أنه يتضمن مفاعيل كل الانقلابات، ويختمها، بانهيار النظام الدولي القانوني الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف تجنب حرب عالمية ثالثة، أو، كما يقول هوبسباوم، إنهاء عصر التطرّف. لمنع كوارث الحروب، أنتجت منظمات هذا النظام حينها نصوصاً ومعاهدات، لمواجهة الشيوعية والنازية والفاشية، كسبب رئيسي لهذا التطرف، وتم توصيف هذه الأيديولوجيات بأنها مُهدِّمة عصر الأنوار، يجب مواجهتها للعودة إلى ذلك العصر، وهو ذاته عصر العبودية، والاستعمار، والكولونيالية.

النازية والستالينية وجهان لعملة واحدة

لكنّ خطاب المؤسسات الرسمية للنظام، أنتجه مفكرون مرموقون في هذه الفترة، وليست صدفة أن واحداً من أهم الكتب، والمُعتمد في الجامعات، هو «أسس التوتاليتارية» للفيلسوفة المعروفة حنة أرندت بأسلوبها الشيق، حيث قدّمت النازية والستالينية كوجهين لعملة واحدة. وساوت ببساطة بين حركة عنصرية قامت على استعلاء عرقي، وبين أول تجربة تمرد داخل النظام الرأسمالي، والمستندة إلى الفكر الماركسي-اللينيني. هاجمت النازية كل دول أوروبا، بما فيها الاتحاد السوفياتي، بينما الثانية، ورغم ما لها وما عليها، تحملت كلفة أن تقول لا، 27 مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، دفاعاً عن الوطن-الأم والسيادة، وجعلت أحلام الدول للتخلص من الاستعمار واقعاً.

فهل تجوز المقارنة؟ خطورة هذا الطرح، الذي قدّمته أرندت، ليس حول ديكتاتورية الأنظمة التوتاليتارية، وهذه ملء الدنيا، يساراً ويميناً، ولتتم محاكمتها، ولكن من قبل شعوبها، وهذا حقها. فالناس يفهمون بشكل أفضل ضد ماذا هم، وليس مع من. ببساطة قدّمت أرندت براءة ذمة للنظام الرأسمالي وكأنه واحة حرية، مع معرفتها أن ديمقراطية أرسطو نفسه كانت للصفوة وليست للعامة. وهي إن كانت عانت على المستوى الشخصي من النازية، لكنها لم تكن على خصومة فكرية تامة مع كبار فلاسفتها هايدغر، وغير معروف أنها زارت يوماً الاتحاد السوفياتي.

لكن تأثير طرحها يمتد إلى وقتنا الحالي، وقد استفاد منه النظام ومؤسساته، في إنتاج خطاب يوجه دائماً باتجاه القوى أو الدول أو حركات المقاومة التي لا تنضوي، فيحاربها باستحضار نقيضها ومساواتها بوكيل النظام في العدوان والإبادة والتطهير. هي وصفة جاهزة لكل من يقول لا، يُحاصر ومن ثم تُفرض عقوبات تعسفية غير قانونية، تعاني نتائجها الشعوب مباشرة، ثم وصمة التساوي مع الكيان المجرم كوجهين لعملة واحدة. هذا ليس إلا صك براءة للكيان الاستيطاني. هكذا أصبحت للبعض سوريا والكيان وجهين لعملة واحدة، ثم طاولت الوصمة لاحقاً «حماس»، وكأنها سلسلة لسردية يجب تثبيتها. الأنكى أن البعض يطرحها اليوم ضد إيران رغم العدوان عليها، وملحمة تصدّيها، وكمون الحرب ضدها وضد المنطقة كلها.

ضحالة هذا الطرح، الذي لا يرتقي فكرياً إلى مستوى خصومة مشروعة، يقدّمه أكاديميون يؤدّون وظيفتهم، بعدما تهاوى الفكر، تدفع لسؤال متبنيه ماذا يتوقعون؟ أي نوع من المشاعر يستفزّونها أو تستطيع أن توقظه هذه المساواة بين إيران والكيان، أو بماذا يحسون هم أنفسهم؟ اليأس، الخجل، أم أنهم يقدّمون صك براءة لضميرهم أمام نظام دولي جائر، تتالى مؤشرات انهياره، مذ طُبّق ضد يوغوسلافيا، وإيران وفنزويلا وروسيا. لكن النقطة التي أشارت إلى انهياره، كما يشير إيلان بابيه، هي لحظة محاولة تطبيقه على الكيان الكولونيالي الاستعماري، بفعل الإبادة في غزة. فكيف يمكن أن يُطبّق، أو يكون مشروعاً حضارياً، إذا كان يحتاج إلى كل هذا العنف والدمار؟
تجدر الإشارة إلى أن كل حلقة دمار جديدة في لبنان وسوريا وغيرهما ما هي كلها إلا محاولات كي تصبح غزة أبعد. لأن الحقيقة هي غزة –فلسطين.

إلى الحرب در: هكذا يُسقِط النظام الرأسمالي روايته

يصعب اليوم حتى الحديث عن الرأسمالية كـ«نمط إنتاج»، لأننا نواجه ارتداداً إلى نمط ريعي، إلى تاريخ فعل «سيد» يقرّر بشكل تعسفي مقدار الثروة التي يحق له استخلاصها من إنتاج «أقنانه». وقد صرّح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، دون أدنى حرج، بأن الولايات المتحدة ستتعامل مع ثروات «حلفائها» كما لو كانت ثرواتها الخاصة: فقد التزمت اليابان وكوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة، وقبل كل شيء أوروبا، بالاستثمار «وفقاً لرغبات الرئيس». يتعلّق الأمر بـ«صندوق ثروة سيادي، يُدار وفقاً لتقدير الرئيس، لتمويل عملية تصنيع جديدة». ويصفه مذيع قناة «فوكس نيوز»، في حالة من الذهول، بأنه «صندوق مخصصات خارجي». فيرد بيسنت: «أوه، إنه صندوق ثروة سيادي أميركي، لكن بأموال الآخرين».

إنه كدفع الجزية للدولة «المحتلة»، لبناء وتمويل الجيوش الاستعمارية القادمة. لم تعد آلة الدولة الرأسمالية البربرية تُفوِّض العنف الهائل للفاشيين، بل باتت تتولاه بنفسها، هكذا عجّلت النيوليبرالية انتهاء مدة صلاحية الحداثة الغربية.
ولحجز حصتها من دماء الشعوب، تقدّم الطبقة الأوليغارشية في الدول الرأسمالية الكبرى خدماتها كمرتزقة لاستمرار الحروب، كفتح مضيق هرمز، أو تشارك إحداثياتها في العدوان على دول المنطقة، وتقرع طبول الحرب في أوروبا اليوم ضد روسيا، لا بل إن روح الحرب الخاطفة التي كانت سائدة في ألمانيا عام 1941 تنتشر في وسائل الإعلام، مع عدم وجود ذكريات عن ستالينغراد عام 1943 أو برلين المُدمّرة عام 1945.
إنه جنون النظام الإمبراطوري الرأسمالي… فلنستعد جميعاً لدورة عنف جديدة.
* أستاذة جامعية

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة