آخر الأخبار

اليرموك.. حين أصبح الطريق إلى «يافا» يمرّ عبر الذاكرة والمنافي

a99e4ce0-e93e-408f-8a32-739104a60352

صائب قبيعة

«أذكر يوماً كنت في يافا».. لطالما اختصرت هذه الكلمات الشهيرة للفنان الراحل وديع الصافي حلم جيل النكبة بأكمله. كانت يافا، ببرتقالها وبحرها، المدينة التي لم تغادر قلوب الآباء والأجداد رغم عقود اللجوء. لكن بالنسبة لأبناء مخيم اليرموك، فرضت التحولات القاسية والحروب المتلاحقة واقعاً جديداً، لتولد من رحم المعاناة أغنية أخرى مضمرة في الوجدان: «أذكر يوماً كنت في اليرموك”. لقد تقلصت مساحة الحلم بفعل جغرافيا المنافي المتسعة، حتى باتت العودة إلى أزقة المخيم تسبق -في إلحاحها- حلم العودة إلى يافا نفسها. لم يكن اليرموك يوماً بديلاً عن فلسطين، بل كان الحاضنة الإنسانية التي تعلّم فيها اللاجئون معنى الوطن؛ ففي شوارعه حفظت الأجيال أسماء حيفا، والقدس، وعكا، وصفد، والناصرة، وفيه صُقلت الهوية وحُفظت مفاتيح العودة الشاهدة على الحق التاريخي. كان اليرموك وطناً مؤقتاً سكن القلوب، ولم يدرك أهله قيمته الاستثنائية إلا بعد أن أرغمتهم الظروف على مغادرته، ليبقى حياً في ذاكرتهم، نابضاً بالحب والأمل، وشاهداً على أجمل سنوات العمر.
جغرافيا حية بين الفدائية والشهادة
تتجلى الرمزية السياسية والوطنية للمخيم في تفاصيل جغرافيتها البسيطة؛ إذ يكفي أن تنظر إلى خارطته الممتدة لتدرك عمق الحكاية. فمن “حارة الفدائية” في بدايته، وصولاً إلى “مقبرة الشهداء” في نهايته، تبدو الجغرافيا والتاريخ وكأنهما يرويان فصول المأساة الفلسطينية المستمرة في سوريا، معلنة أن اليرموك هو البداية والنهاية لأصل الحكاية.
المحطة والتأسيس:
تأسس مخيم اليرموك على مساحة جغرافية تبلغ نحو 2.11 كيلومتر مربع، ويقع على بعد حوالي ثمانية كيلومترات جنوب مركز العاصمة السورية دمشق. هذا الموقع الاستراتيجي حوّله على مدار العقود الماضية إلى حلقة وصل حيوية بين دمشق والمناطق الجنوبية المحيطة بها. وتشير البيانات التاريخية إلى محطات رئيسية في نشأة المخيم:
البدايات التأسيسية: تذكر أغلب المصادر التوثيقية أن الإعلان الرسمي عن تأسيس المخيم كان في عام 1957، في حين ترجع مصادر أخرى بدايات إنشائه الأولى إلى عام 1955.
استئجار الأرض: بدأت الحكاية قانونياً خلال عامي 1954 و1955، عندما استأجرت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا قطعة أرض تعود ملكيتها لعائلتي “الحكيم” و”المهايني”، وتتبع عقارياً لمنطقة الشاغور (البساتين) في مدينة دمشق.
نظام “النُمرة”: قامت الهيئة حينها بتوزيع قطع أراضٍ صغيرة بمساحة 40 متراً مربعاً لكل عائلة لاجئة، وهي المساحة التي عُرفت محلياً باسم “النُمرة”، حيث خُصصت نُمرة واحدة لكل أسرة. ولم يتجاوز عدد العائلات المستفيدة من هذه المنح في المرحلة الأولى العشرين عائلة، لتشكل النواة الأولى لما أصبح لاحقاً “عاصمة الشتات الفلسطيني”.
امتداداً لما شهدته سنوات اللجوء الأولى من محاولات بائسة للاستقرار وتأمين مقومات الحياة الأساسية في الخيام، لم يعد “مخيم اليرموك” مجرد تجمع مؤقت للاجئين، بل انتفض من ركام المعاناة ليتحول إلى مدينة نابضة بالحياة، شريان اقتصادي واجتماعي أساسي في العاصمة السورية دمشق.
ومع مرور العقود، استبدل السكان الغرف الطينية والبسيطة بأبنية إسمنتية طابقية متراصة. وضجت شوارع المخيم بالمحال التجارية، والأسواق الحيوية، وورش العمل الحرفية، لتتحول زواريبه الضيقة إلى طرقات رئيسية تعبرها سيارات الأجرة وحافلات النقل العام على مدار الساعة.
عصب اقتصادي ونسيج اجتماعي موحد
هذه الحركة الاقتصادية والنشاط التجاري المتصاعد في اليرموك، جعله نقطة جذب لآلاف السوريين الذين وفدوا للإقامة فيه؛ مدفوعين بتوفر فرص العمل المتنوعة، وانخفاض تكاليف المعيشة مقارنة بالأحياء المجاورة في دمشق. وتشير التقديرات إلى أن عدد سكان المخيم قبيل اندلاع الأزمة السورية اقترب من مليون نسمة، من بينهم نحو 800 ألف مواطن سوري و200 ألف لاجئ فلسطيني، ليصيغ اليرموك بذلك نموذجاً فريداً لمدينة سورية-فلسطينية بامتياز، تلاحم فيها أبناء الشعبين في نسيج اجتماعي وثقافي واحد.ولم يقتصر تميز المخيم على جانبه الاقتصادي، بل عُرف بارتفاع المستوى التعليمي لسكانه. وبرز من بين أبنائه جيل من الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والموظفين في مؤسسات الدولة، إلى جانب الكوادر العمالية والحرفية والتجارية، وهو ما رفع المستوى المعيشي فيه ليتجاوز نظيره في معظم المخيمات الفلسطينية الأخرى على الأراضي السورية.
لوحة جغرافية تمثل فلسطين كاملة
وتُظهر الدراسات الديمغرافية أن أصول الفلسطينيين المقيمين في سوريا تعود إلى أكثر من 300 قرية فلسطينية، تتوزع على 16 قضاءً شهيراً، منها: يافا، وحيفا، وعكا، وصفد، والناصرة، وطبريا، والقدس، وجنين، وبيسان. هذا التنوع الجغرافي العريق جعل من اليرموك صورة مصغرة ومكثفة عن فلسطين بكامل مدنها وقراها المحتلة.وتعود جذور هذا الوجود إلى محطة اللجوء الأولى عقب نكبة عام 1948، حين استقبلت سوريا نحو 85 ألف لاجئ فلسطيني، شكلوا آنذاك قرابة 10% من مجموع المهجّرين. وتوالت بعد ذلك موجات اللجوء القسري في أعوام 1956، و1967، و1971، و2006، ليصل عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) إلى نحو 587 ألف لاجئ وفقاً لإحصاءات عام 2010.

اندماج كامل وحقوق مدنية محصنة :
وتوزع اللاجئون الفلسطنيون على مختلف المحافظات السورية، مع تمركز ثقيل في العاصمة دمشق وريفها. واللافت في التجربة الفلسطينية في سوريا أن الوجود لم ينحصر داخل حدود المخيمات؛ إذ إن 28% فقط من اللاجئين عاشوا داخلها، في حين انصهرت النسبة الباقية (72%) في المدن والتجمعات السكنية السورية، في تجسيد لافت لمستويات الاندماج الاجتماعي والاقتصادي.
وقد شكّل القانون السوري رقم 260 الصادر عام 1956 الرافعة القانونية الأساسية لهذا الاندماج؛ إذ منح الفلسطينيين في سوريا معظم الحقوق المدنية والاقتصادية التي يتمتع بها المواطن السوري، باستثناء حقي الانتخاب والترشح . هذا الغطاء القانوني أتاح للاجئين العمل بحرية في مؤسسات الدولة وتولي مناصب قيادية هامة، في معادلة دقيقة سمحت لهم بالاندماج الكامل في المجتمع المضيف، مع الاحتفاظ الصارم بهويتهم الوطنية الفلسطينية وحقهم التاريخي غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم.
بدأ المخيم يتطور على شكل خطين غير متوازيين من الأبنية ذات الطبقة الواحدة والسقف الطيني- إذ لم يُسمح في البداية باستخدام الإسمنت المسلح- فبدأ الخط الأول بحسب “الموسوعة” من مدخله الشمالي المعروف بـ”منطقة الجسر”، وهناك تأسست أولى حاراته وهي حارة الفدائية، وامتد نحو الجنوب مشكلا شارع اليرموك، بينما يشكل الخط الثاني شارع فلسطين، وهو يمتد أيضا من منطقة الجسر وصولا إلى دوار فلسطين جنوبا، وأطراف بلدة يلدا في ريف دمشق.
وتوسع المخيم جنوبا خلال النصف الأول من ستينات القرن الماضي، وتمدد في الفترة ذاتها نحو الغرب مع انتعاش تجارة الأراضي في المناطق المتاخمة له، بالتزامن مع توسعه حتى الطرف الشرقي لشارع اليرموك، فيما بدأت تتبلور ملامح التوسع الثالث خلال النصف الثاني من الستينات وبداية السبعينات في الطرف الغربي لشارع اليرموك، وباتجاه الجنوب نحو شارع الثلاثين، وشرقا نحو حي التضامن.
مع توسع دمشق، تسارع التطور العمراني في مخيم اليرموك، إذ قامت الغالبية العظمى من سكانه بتحسين منازلها المتواضعة وتحويلها إلى أبنية طابقية بين ثلاث وخمس طبقات
بعد هذا التوسع أصبح في مخيم اليرموك ثلاثة شوارع رئيسة هي: شارع اليرموك، وشارع فلسطين، وشارع الثلاثين، وبات يتوزع على ثلاثة أقسام: الأول المخيم القديم، ويمتد من مدخل المخيم الشمالي (بداية شارع اليرموك) حتى المنطقة الواقعة جنوب شارع المدارس جنوبا (منتصف المخيم)، ومن شارع اليرموك غربا، وشارع فلسطين شرقا؛ والثاني يسمى منطقة غرب اليرموك ويمتد من مدخل المخيم شمالا (منطقة الجسر) وحتى سوق السيارات جنوبا، ومن شارع اليرموك شرقا حتى شارع الثلاثين غربا. أما القسم الثالث، فأطلق عليه منطقة التقدم، ويمتد من سوق السيارات شمالا حتى مقبرة الشهداء الجديدة جنوبا، ومن منطقة دوار فلسطين شرقا حتى حدود المخيم المحاذية لمنطقة الحجر الأسود غربا.
مع توسع دمشق، تسارع التطور العمراني في مخيم اليرموك، إذ قامت الغالبية العظمى من سكانه بتحسين منازلها المتواضعة وتحويلها إلى أبنية طابقية متوسطة الارتفاع (3-5 طوابق).
كما تحسنت الخدمات بشكل ملحوظ في المخيم (شبكات المياه والصرف الصحي، وشبكات الكهرباء، والهاتف، والمواصلات)، بالتزامن مع افتتاح كثير من المراكز والمؤسسات الحكومية والأفران داخله.
بالإضافة إلى ذلك، تحول كثير من شوارع المخيم إلى أسواق تجارية ضخمة تزخر بالمئات من المحال التجارية المتنوعة، ومن أبرزها سوق شارع اليرموك، وسوق شارع لوبيا، وسوق شارع صفد، وسوق شارع فلسطين، وسوق السيارات.
مما سبق حوّل مخيم اليرموك إلى منطقة حيوية جدا، باتت تنافس أسواق وسط دمشق (الحمراء، الصالحية، الحميدية، باب توما، القطاع، الحريقة، باب سريجية، ركن الدين) ما دفع التجار في أسواق العاصمة إلى فتح فروع لمحالهم التجارية في المخيم لجني مزيد من الأرباح.
وبسبب الازدحام الكثيف الذي كانت تشهده أسواق مخيم اليرموك معظم الأيام وبخاصة خلال الفترات التي تسبق مناسبات الأعياد والتي يتوافد فيها أهالي مناطق وسط العاصمة ومحيطها إليها، لرخص أسعار السلع فيها، والإقبال الكثيف على الشراء، باتت كثير من المحال تفتح على مدار 24 ساعة، كما كان الحال في سوق شارع اليرموك، وسوق لوبيا، إلى درجة أن كثيرين باتوا يصفونه بـ”المدينة التي لا تنام”.

وهكذا لم يكن مخيم اليرموك مجرد مساحة جغرافية أو تجمع سكني للاجئين، بل كان عاصمةً غير معلنة للشتات الفلسطيني، وذاكرةً حيّة لفلسطين، ومكانًا وُلدت فيه أجيال حملت الوطن في قلوبها، وآمنت بأن حق العودة لا يسقط بالتقادم، وأن الطريق إلى فلسطين يبدأ بحفظ الذاكرة، مهما طال الزمن.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة