أكد مسؤول المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، أحمد مراد، أن اللقاءات والاتصالات التي شهدتها القاهرة خلال الساعات الأخيرة، وما رافقها من تحرك أميركي وإقليمي، تأتي في سياق المحاولات الجارية لبلورة ترتيبات سياسية وأمنية تتصل بمستقبل قطاع غزة، في ظل استمرار حرب الإبادة والعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني.
وشدد مراد، في مقابلة صحفية، على أن جوهر الأزمة لا يكمن في الموقف الفلسطيني، وإنما في إصرار حكومة نتنياهو على مواصلة عدوانها والتنصل من الاتفاقات والاستحقاقات، مستفيدة من دعم أميركي سياسي وعسكري ودبلوماسي متواصل، وفّر لها الغطاء اللازم لمواصلة الحرب والتهرب من الالتزامات المترتبة عليها.
وأوضح أن الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية، أبدت طوال فترة العدوان أقصى درجات المرونة والتعامل الإيجابي مع مختلف المبادرات والأفكار المطروحة لوقف العدوان وحماية الشعب الفلسطيني، إلا أن حكومة الاحتلال دأبت في كل محطة على المراوغة ورفع سقف شروطها وإعادة صياغتها، وصولاً إلى تعطيل الاتفاقات والتنصل من تنفيذها.
وأضاف أن التجربة أثبتت أن حكومة نتنياهو، كلما واجهت استحقاقاً سياسياً، لجأت إلى التسويف والتصعيد، مستندة إلى الغطاء الأميركي الذي لم يقتصر على الدعم العسكري، بل شمل أيضاً الحماية السياسية والدبلوماسية. ومن هنا، فإن محاولة تحميل المقاومة مسؤولية استمرار الحرب، أو جعل نزع سلاحها شرطاً مسبقاً لأي مسار سياسي، تمثل قلباً لمعادلة الصراع وتحميلاً للضحية مسؤولية جرائم المعتدي.
وفي هذا السياق، شدد مراد على أن طرح نزع سلاح المقاومة قبل وقف العدوان والانسحاب من قطاع غزة وتوفير ضمانات حقيقية وملزمة، لا يمكن أن يشكل مدخلاً سليماً لأي حل سياسي، مؤكداً أنه لا يمكن مطالبة الشعب الفلسطيني بالتخلي عن وسائل دفاعه، فيما يبقى الاحتلال محتفظاً بتفوقه العسكري ويواصل القتل والتهجير والاستيطان والعدوان.
وأكد أن أي ترتيبات سياسية أو إدارية تتعلق بمستقبل قطاع غزة يجب أن تكون جزءاً من قرار وطني فلسطيني جامع، وأن ترتبط بوقف العدوان وإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، محذراً من أي محاولات لفرض ترتيبات خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية أو تحويل غزة إلى ساحة لإعادة إنتاج الوصاية السياسية والأمنية.
وحول البيان الصادر عن الدول العربية والإسلامية الثماني عقب اجتماع القاهرة، اعتبر مراد أن البيان يمثل موقفاً سياسياً مهماً، لا سيما في إدانته رفض حكومة الاحتلال لخطة وقف الحرب وتحميلها مسؤولية عرقلة الجهود السياسية. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المرحلة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالبيانات والمواقف اللفظية، وإنما تتطلب الانتقال إلى إجراءات عملية وفاعلة.
ودعا إلى ضرورة توظيف مختلف أدوات الضغط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية لعزل الاحتلال ومحاصرته وإلزامه بوقف حرب الإبادة وتنفيذ تعهداته، إلى جانب وقف عدوانه المتواصل على شعوب المنطقة، مؤكداً أن فعالية هذه المواقف تبقى مرتبطة بتوافر إرادة سياسية قادرة على مواجهة الغطاء الأميركي الذي مكّن الاحتلال من مواصلة جرائمه والتهرب من الاستحقاقات.
وفي الإطار ذاته، أوضح مراد أن مسؤولية وقف العدوان لا تقع على الوسطاء وحدهم، بل تشمل الضامنين والمجتمع الدولي برمته، الذي بات مطالباً بتحمل مسؤولياته تجاه الاحتلال الذي يضرب بالقانون الدولي والقرارات والمعاهدات الدولية عرض الحائط. وأضاف أن الجرائم المرتكبة بحق النساء والأطفال والشيوخ لم يعد مقبولاً التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف سياسي أو تفاوضي، بل باعتبارها جرائم تستوجب المساءلة والمحاسبة واتخاذ إجراءات رادعة بحق مرتكبيها، وكل من يواصل توفير الغطاء والحماية لهم.
وأكد أن الأولوية اليوم يجب أن تكون للضغط على حكومة الاحتلال وإلزامها بوقف حرب الإبادة، وفتح المعابر وإدخال المساعدات، والانسحاب من قطاع غزة، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار، وفتح مسار سياسي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره والحرية والاستقلال وحق العودة، بدلاً من ممارسة المزيد من الضغوط على الشعب الفلسطيني وفصائله لتقديم تنازلات جديدة.
وربط مراد بين استمرار المراوغة الإسرائيلية والدعم الأميركي، مؤكداً أن تنصل حكومة نتنياهو من الاتفاقات والاستحقاقات لا يمكن فصله عن منظومة الدعم والحماية التي تتيح لها مواصلة هذا النهج. وقال إن أي حديث جدي عن إلزام الأطراف بتنفيذ الاتفاقات يجب أن يبدأ بالضغط على الاحتلال وعلى من يوفر له الغطاء والدعم، لا بفرض المزيد من الشروط على الشعب الفلسطيني وفصائله.
وشدد على أن أي مسار سياسي جدي لن يُكتب له النجاح ما لم يُلزم الاحتلال بوقف عدوانه والانسحاب من الأراضي المحتلة، واحترام القانون الدولي وتنفيذ الاتفاقات والتعهدات التي يوافق عليها، بعيداً عن أي حماية أو غطاء يسمح له بالإفلات من مسؤولياته.
وختم مراد بالتأكيد أن الشعب الفلسطيني، بكل قواه وفصائله، سيبقى متمسكاً بحقوقه الوطنية الثابتة وبوحدته الوطنية، ورافضاً مشاريع التصفية والاقتلاع والتهجير، مشدداً على أن ما يحتاجه اليوم هو حماية دولية حقيقية وضغط دولي فعّال على الاحتلال، والانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، بما يضع حداً لحرب الإبادة والعدوان ويفتح الطريق أمام مسار سياسي عادل يحفظ للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
وقال مراد إن المعادلة التي ينبغي أن تكون واضحة أمام الجميع هي: «لا يجوز مطالبة الضحية بمزيد من التنازلات فيما يُكافأ المعتدي بالحماية والدعم»، مؤكداً أن المطلوب هو وقف العدوان، وإلزام الاحتلال بتنفيذ الاتفاقات، ورفع الغطاء عن جرائمه ومحاسبته على انتهاكاته، بما يفتح الطريق أمام حل سياسي عادل ينهي الاحتلال والاستيطان والعدوان ويضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.