آخر الأخبار

تحت ذريعة «رفض التوطين»… تصاعد سياسة إقصاء الفلسطينيين

26a7136c-ef09-4fee-95bc-592ddf961f29

معين الرفاعي

تُوثِّق الوقائع التاريخية والسياسية أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة أخلفت وعودها لناحية إقرار الحقوق الفلسطينية مرات عديدة؛ فلطالما بُذلت وعود في أوقات الأزمات الأمنية أو السياسية، مثل ما بعد حرب نهر البارد أو أثناء مفاوضات تعديل قانون العمل عام 2019، لتُطوى هذه الوعود فور زوال الحاجة الأمنية، وتُستبدل بقرارات إدارية وتشريعية تُعيد تكريس الإقصاء، ما يُثبِت أن التضييق ليس مجرد «هفوة» عابرة، بل هو سياسة منهجية متجذّرة تتغذّى على توظيف الملف الفلسطيني كورقة مساومة رخيصة.

يُفكِّك المتابع للشأن الفلسطيني في المخيمات، كيف تضافرت قرارات متفرقة لتشكّل جداراً عازلاً أمام طموح الجيل الشاب، بدءاً من قرار الاتحاد اللبناني لكرة القدم الذي صنّف اللاعب الفلسطيني المولود في لبنان ضمن حصة اللاعبين الأجانب، مروراً بمراسيم وزارة الصحة التي حصرت إذن مزاولة مهنة التمريض بسنة واحدة وشروط تعجيزية، وصولاً إلى المادة 63 من قانون الإعلام الجديد التي تشترط الجنسية اللبنانية لمدير الموقع الإلكتروني، ناهيك عن التفسير الإداري المتشدّد للقانون 296/2001 الذي يمنع التملّك العقاري، ومنع تملّك اللوحات العمومية (النمرة الحمراء) التي كانت تُشكّل مورد رزق استثمارياً، ما يعكس سياسة مُمنهجة تستهدف تجفيف منابع العيش الكريم.

تُبرِز المراجعة الدقيقة لأداء «لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني» منذ تسلّم السفير رامز دمشقية لرئاستها، حالة من الإقصاء المُمنهج للفصائل والقوى الوطنية غير المنضوية في إطار منظمة التحرير، حيث اقتصرت لقاءات اللجنة على ممثّلي المنظمة ووكالة «الأونروا» وسفارة فلسطين لدى بيروت، ما أدّى إلى إقصاء قسم كبير من التمثيل الفلسطيني الفاعل على الأرض، وهو ما يُفسِّر جزئياً ذلك الصمت أو التحرك الخجول الذي يُنسب إلى الفصائل، في وقت تُغلِق فيه اللجنة أبوابها أمام شركاء أساسيين في صناعة القرار الداخلي للمخيمات.

ينبغي مُساءلة السلطة الفلسطينية حول الضمانات الحقيقية التي قدّمتها بخصوص تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خاصة بعد التفاهمات الأمنيّة الأخيرة

كما تُسقِط المعطيات القانونية والسياسية الحجّة التي تتذرّع بها الحكومة؛ إذ كيف يُمكن للدولة اللبنانية أن تبرّر استمرار منع الفلسطيني الذي يحمل جواز السلطة الفلسطينية من التملّك استناداً إلى القانون 296/2001 بدعوى أنه يحمل «جنسية دولة غير مُعترف بها»، في الوقت الذي اعترف فيه لبنان رسمياً بدولة فلسطين؟ هذا الاعتراف يعني قانوناً وسياسياً سقوط حجة «عدم الاعتراف بالدولة»، ما يكشف أن منع التملّك لا يستند إلى مستند قانوني، بل إلى عنصرية مُبطنة ترفض الفلسطيني لمجرد كونه فلسطينياً.

في سياق متصل، تفضح الممارسات الإدارية اللبنانية تمييزاً سافراً بحق الفلسطينيين الذين يحملون جنسيات أجنبية أخرى، حيث تُلاحِقهم الدولة وتمنعهم من التملّك أو مزاولة بعض المهن، في إهانة واضحة للدول التي منحتهم جنسياتها وتناقض مع الاتفاقيات الدولية، ما يطرح تساؤلاً منطقياً: هل تُطبّق هذه الآلية ذاتها على الإسرائيلي الذي يحمل جنسية بلد مماثل؟ هذا مع العلم أن الدستور اللبناني وحتى تاريخه لا يزال يعتبر إسرائيل عدواً، ما يُثبِت أن التشدّد اللبناني لا علاقة له بـحماية السيادة أو مكافحة العدو، بل استهداف مُباشر للاجئ الفلسطيني.

وهنا ينبغي مُساءلة السلطة الفلسطينية حول الضمانات الحقيقية التي قدّمتها بخصوص تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، خاصة بعد التفاهمات الأمنيّة الأخيرة. كما لا يمكن قبول تبرير الانشغال بالقضايا الكبرى، أو الخشية من الاتهام بـ«التوطين»، لإعفاء الفصائل الفلسطينية من القيام بواجبها الوطني والأخلاقي في متابعة الملفات الإنسانية والقانونية والاجتماعية؛ فالحفاظ على حق العودة لا يتعارض مع المُطالبة بكرامة الإنسان، والتخلي عن حقوق اللاجئين المعيشية، بحجة حماية الثوابت مقابل التفريط في الحد الأدنى من مقوّمات الصمود.

يُشير التحليل العميق للخلفيات السياسية لهذه القرارات، إلى التقاطع الخطير بين الشعبوية التي تبحث عن كبش فداء للأزمة الاقتصادية، والذهنية الأمنية البحتة التي تقرأ أي حق مدني فلسطيني عبر عدسة «التوطين»، ما يُفسِّر عجز «لجنة الحوار» عن كبح هذا المد التقييدي، لتبقى أسيرة تفاهمات أمنية تتغاضى عن الحقوق الإنسانية، بينما تتذرّع الإدارات الحكومية والنقابات بحماية اليد العاملة الوطنية كغطاء قانوني لإقصاء مُمنهج يتجاهل أن الفلسطيني في لبنان ليس سائحاً عابراً بل لاجئ قسري يُعاني من حرمان مُزمن.

يدحض المنطق الحقوقي والسياسي السليم المقولة اللبنانية السائدة التي تخلط بشكل متعمّد بين منح الحقوق المدنية و«التوطين». فحرمان الإنسان من حق العمل، أو التملّك، أو مزاولة المهنة، أو حتى ممارسة الرياضة والإعلام، لا يخدم قضية «رفض التوطين» الدستورية، بل يُنتِج «توطيناً بائساً» يُبقي اللاجئين في حالة فقر مُدقع وتهميش قسري، بما أن العمل والعيش بكرامة ضمن الأطر القانونية لا يُلغيان حق العودة ولا يمحوان الهوية الوطنية، بل على العكس، فإن تجفيف منابع الحياة هو ما يُهدِّد بخلق بيئة خصبة لليأس والهجرة غير الشرعية، ما يستدعي وقفة فلسطينية موحّدة تُفكِّك هذا الربط المغلوط، وتُثبِت للعالم أن المطالبة بالعدالة الإنسانية هي جوهر الصمود، وأن رفض التوطين يجب ألّا يتحوّل يوماً إلى مُبرِّر لسلخ الفلسطيني من إنسانيته.

* سياسي وباحث فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة