آخر الأخبار

الرئيس عباس في الأمم المتحدة: فلسطين لن تختفي والفلسطيني لن يرحل

4a93f460-3589-41f1-8c7d-55f8d0757e45

كتب عصام الحلبي

أكد رئيس دولة فلسطين محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بالتهجير ولن يغادر أرضه، داعيا المجتمع الدولي إلى حماية الفلسطينيين ووقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ووضع الرئيس عباس أمام المجتمع الدولي صورة المرحلة الفلسطينية بكل ما تحمله من حرب ودمار في غزة واستيطان ومصادرة للأرض في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه السلطة والمؤسسات الفلسطينية.
وفي خطاب حمل رسائل سياسية مباشرة إلى الولايات المتحدة ودولةالاحتلال إسرائيل والمجتمع الدولي، جددالرئيس عباس تمسك القيادة الفلسطينية بحل الدولتين والشرعية الدولية، مؤكدا أن الفلسطينيين اختاروا طريق القانون الدولي والعمل السياسي والدبلوماسي للوصول إلى حقوقهم، وأن السلام بالنسبة إلى الفلسطينيين لا يمكن أن يكون مجرد إدارة للصراع، بل يجب أن يقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال.
كما دعا الرئيس الفلسطيني إلى الإسراع في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشأن غزة، وإعادة توحيد القطاع مع الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية، مؤكدا ضرورة تجديد المؤسسات الفلسطينية عبر الانتخابات وتعزيز الإصلاح والشفافية وسيادة القانون.
وجاء الخطاب في وقت وصف فيه الرئيس عباس المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني بأنها من أخطر المراحل في تاريخه، محذرا من أن استمرار الحرب والاستيطان والتهجير لا يهدد فقط حل الدولتين وإنما يهدد وجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرض وطنه.
ومن هنا بدأ حديثه عن منع الوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك والحصول على تأشيرات الدخول، رافضا ما وصفه بالإجراءات العقابية ومؤكدا أن اللجوء إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية هو خيار سلمي وقانوني وليس عملا معاديا للسلام.
وكانت الرسالة واضحة بأن الفلسطيني لا يريد مواجهة المجتمع الدولي ولا يبحث عن صدام مع أحد، لكنه في الوقت نفسه لن يتخلى عن حقه في استخدام المؤسسات الدولية والقانون الدولي للدفاع عن حقوقه الوطنية.
لكن جوهر الخطاب لم يكن في قضية التأشيرات وحدها بل في فلسطين وما يجري على أرضها.
في غزة تحدث الرئيس عباس عن القتل والدمار والتجويع ومحاولات التهجير وعن مدن ومخيمات ومدارس وجامعات ومستشفيات ومساجد وكنائس دمرت أو تضررت بسبب الحرب. وفي الضفة الغربية تحدث عن الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع أوصال الضفة والاقتحامات وهدم المنازل واعتداءات المستوطنين.
ووضع الرئيس عباس هذه التطورات في سياق واحد مؤكدا أن ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ليس أحداثا منفصلة وأن الخطر لم يعد يقتصر على تقويض حل الدولتين ومنع قيام الدولة الفلسطينية بل وصل إلى تهديد وجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرض وطنه.
ومن هنا جاء تحذيره من تكرار نكبة عام 1948 ومن أي محاولة جديدة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم.
كانت الرسالة بسيطة وواضحة
الفلسطيني لن يغادر أرضه ولن يقبل بأن يقرر أحد مستقبله نيابة عنه.
وفي ملف الضفة الغربية والقدس الشرقية توقف الرئيس عباس عند الاستيطان ومخطط E1 الذي قال إنه يهدد التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني. ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها القرار 2334 المتعلق بالاستيطان.
كما دعا إلى حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي مؤكدا أن الاعتداء على الوضع التاريخي والقانوني لهذه الأماكن المقدسة لا يمكن أن يستمر وأن العبث بها قد يفتح الباب أمام صراع ديني أوسع في المنطقة.
وفي قضية اللاجئين جدد الرئيس عباس التأكيد على أهمية استمرار وكالة الأونروا في القيام بدورها معتبرا أنه لا بديل عنها ما دامت قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تجد طريقها إلى الحل.
وهذه قضية يعرف الفلسطينيون في لبنان أهميتها جيدا لأن الأونروا بالنسبة إلى آلاف العائلات الفلسطينية ليست مجرد مؤسسة دولية بل ترتبط بحياتهم اليومية في التعليم والصحة والإغاثة والخدمات.
أما في الجانب السياسي فقد حاول الرئيس عباس أن يضع أمام المجتمع الدولي صورة واضحة للمشروع الفلسطيني الذي يريد الحفاظ عليه. غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية ضمن إطار سياسي واحد ودولة واحدة وحكومة واحدة وقانون واحد ومؤسسات فلسطينية شرعية واحدة.
وهنا تحدث عن الإصلاحات التي قال إن السلطة الفلسطينية أنجزتها وعن تعزيز الشفافية والمساءلة وسيادة القانون ومكافحة الفساد وتطوير المؤسسات ونظام الحماية الاجتماعية وإصلاح التعليم وتمكين المرأة والشباب وتجديد المؤسسات الفلسطينية من خلال الانتخابات.
وأشار إلى الانتخابات المحلية وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين والاستعداد للانتخابات التشريعية ثم استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني وصولا إلى الانتخابات الرئاسية.
وهذه النقطة ليست تفصيلا في الخطاب لأن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني لا يتعلق فقط بما يجري في مواجهة الاحتلال وإنما يتعلق أيضا بقدرة المؤسسات الفلسطينية على التجدد واستعادة ثقة الشعب وتوحيد القرار والمؤسسات.
وفي الجانب الاقتصادي طالب الرئيس بالإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة وتحويلها بصورة منتظمة وكاملة ورفع القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني لأن المؤسسات الفلسطينية لا تستطيع أن تقوم بدورها من دون موارد مالية تمكنها من الاستمرار وتقديم الخدمات للناس.
وفي حديثه عن السلام عاد الرئيس محمود عباس إلى الموقف الفلسطيني المعروف منذ سنوات وهو حل الدولتين على أساس الشرعية الدولية. دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية إلى جانب دولة إسرائيل مع التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحق اللاجئين وفقا للقرار 194.
لكن اللافت أن الرئيس عباس لم يتحدث عن السلام باعتباره مجرد جولة جديدة من المفاوضات أو عملية أخرى لإدارة الصراع.
هو تحدث عن سلام ينهي الاحتلال ويمنح الفلسطينيين حريتهم واستقلالهم ويمنح الإسرائيليين ودول المنطقة الأمن والسلام.
وهذا التفريق مهم لأن الفلسطينيين عاشوا سنوات طويلة من المفاوضات والانتظار بينما كانت الأرض تتغير والاستيطان يتوسع والوقائع الجديدة تفرض نفسها يوما بعد يوم.
وفي خطابه رحب الرئيس عباس بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذات النقاط العشرين وبقرار مجلس الأمن 2803 وخارطة الطريق لتنفيذ المرحلة الثانية لكنه طالب بالإسراع في التنفيذ وعدم تحويل المرحلة الانتقالية إلى واقع دائم بلا نهاية سياسية واضحة.
كما أكد أن إعادة إعمار غزة يجب أن تترافق مع إعادة توحيد القطاع والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية.
وفي هذه النقطة تحديدا حاول الرئيس عباس أن يربط بين وقف الحرب وبين اليوم التالي في غزة لأن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي إذا بقي الانقسام الجغرافي والسياسي قائما كما أن أي مرحلة انتقالية لا يمكن أن تتحول إلى وضع دائم بلا أفق سياسي.
وفي نهاية الخطاب عاد الرئيس عباس إلى الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وكانت رسالته الأهم أن الفلسطيني باق في أرضه.
وهذه ربما كانت الخلاصة الأوضح للخطاب كله.
فبين غزة التي تنزف والضفة التي تواجه الاستيطان والقدس التي تواجه محاولات تغيير واقعها وبين أزمة المال والمؤسسات واللاجئين بقيت هناك حقيقة واحدة يريد الفلسطيني أن يسمعها العالم
فلسطين ليست أرضا بلا شعب وشعبها لن يختفي.
الرئيس عباس وضع أمام العالم معادلة فلسطينية واضحة تقوم على حماية الأرض وحماية الشعب وتجديد المؤسسات والتمسك بالقانون الدولي ورفض التهجير والتمسك بحل الدولتين.
وقد يختلف الفلسطينيون في تقييم أداء القيادة وفي طريقة إدارة المرحلة السياسية وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية لكن الخطر الذي تحدث عنه الخطاب هو أن يتحول الصراع مع الوقت إلى أمر واقع جديد يفرض نفسه على الأرض بينما يبقى العالم منشغلا بإدارة الأزمة بدل إنهائها.
ومن هنا جاءت الرسالة الفلسطينية من الأمم المتحدة
لا نريد عملية جديدة لإدارة الصراع ولا نريد أن تبقى القضية الفلسطينية ملفا مفتوحا إلى ما لا نهاية.
نريد نهاية للاحتلال وحرية للشعب الفلسطيني ودولة فلسطينية مستقلة وعودة للاجئين وفقا للقرار 194 وسلاما حقيقيا يعيش فيه الفلسطيني والإسرائيلي بأمن وكرامة.
وفي النهاية قال الرئيي محمود عباس ما يريد الفلسطينيون أن يسمعوه في هذه المرحلة قبل أي شيء آخر
لن نغادر وطننا ولن نقبل بالتهجير ولن نسمح لأحد أن يقرر مستقبلنا نيابة عنا.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة