آخر الأخبار

حين تُختزل الإرادة… المجلس الوطني بين حق التمثيل وهندسة القرار؟

watermarked_img_4318603557493244956 copy
وفاء بهاني

في اللحظة التي يواجه فيها الشعب الفلسطيني واحدة من أخطر مراحل وجوده، حيث تتصاعد جرائم العدوان والاستيطان ومحاولات تصفية القضية، كان يفترض أن تتجه البوصلة نحو إعادة بناء البيت الداخلي على قاعدة الشراكة والتمثيل الحقيقي.
لكن ما يجري اليوم في مسألة إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني يسير في اتجاه معاكس تماماً: نحو تقليص الإرادة لا توسيعها، ونحو هندسة التمثيل لا تحريره.
وتكمن المشكلة في التفرّد والانفراد بالقرار، كما بات واضحاً من تعدّد الأصوات الرافضة في أكثر من ساحة، ليست في مبدأ تجديد المجلس الوطني ـ فهذا مطلب وطني طال انتظاره ـ بل في الطريقة التي تُدار بها العملية، وفي الآليات التي حوّلت الاستحقاق الوطني والديمقراطي إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره.
من أوروبا إلى الخليج، مروراً ببريطانيا، يتكرر الموقف ذاته:
رفض واسع لما سُمّي “انتخابات”، والتي جرت عبر ما يُعرف بـ”المجمعات الانتخابية”، كبديل عن الاقتراع الحر المباشر. هذا البديل لم يُنظر إليه كحلّ تنظيمي، بل كأداة لاختزال إرادة آلاف الفلسطينيين في دوائر ضيقة ومحددة مسبقاً ما يشبه المعازل الانتخابية.
كيف يمكن لعملية تدّعي تمثيل شعب أكثر من نصقه موزع على قارات أن تُختزل في مجموعات محدودة تختار بدورها ممثلين؟
وأيّ شرعية يمكن أن تُبنى على آليات لا يعرف الفلسطينيون كيف تشكّلت، ولا من اختارها، ولا وفق أيّ معايير عملت؟
ما جرى لم يُفهم كخلل إجرائي، بل كنهج متكامل يعيد إنتاج أزمة أعمق:
أزمة التمثيل، وأزمة الشرعية، وأزمة احتكار القرار.
فمنذ سنوات طويلة، تتراكم مؤشرات واضحة على تحوّل النظام السياسي الفلسطيني إلى بنية مغلقة، تُدار بمنطق التفرد، حيث تُهمَّش المؤسسات، وتُفرَّغ من دورها، وتُستبدل بآليات تُفصّل وفق توازنات ضيقة. وفي هذا السياق، لا تبدو المجمعات الانتخابية استثناءً، بل امتداداً طبيعياً لهذا المسار.
الأخطر من ذلك، أنّ هذه الآليات لا تُقصي فقط القوى السياسية، بل تُقصي الكتلة الأوسع من الشعب الفلسطيني في الشتات ـ خصوصاً أولئك الذين حملوا عبء اللجوء، وحافظوا على الهوية، ودفعوا أثماناً باهظة في المخيمات. هؤلاء يُطلب منهم اليوم القبول بتمثيل لا يشاركون في صناعته، وبمؤسسات لا تعكس إرادتهم.
وهنا تكمن المفارقة القاسية:
في الوقت الذي يمتلك فيه الشعب الفلسطيني طاقات بشرية وكفاءات هائلة في الداخل والخارج، يتمّ تضييق المجال السياسي إلى حدّه الأدنى، وكأنّ المطلوب ليس توسيع المشاركة، بل إدارتها والتحكم بها.
ولعلّ ما يزيد من خطورة المشهد هو غياب المرجعية الانتخابية المستقلة، وغياب العملية الشاملة التي تضمن الحدّ الأدنى من النزاهة والشفافية. فإعادة بناء مؤسسة بحجم المجلس الوطني لا يمكن أن تتمّ عبر ترتيبات جزئية، ولا عبر آليات غير خاضعة للمساءلة، بل عبر عملية ديمقراطية حقيقية تفتح المجال أمام الجميع دون استثناء.
إنّ تحويل استحقاق وطني بهذا الحجم إلى إجراء شكلي لا يُنتج فقط أزمة ثقة، بل يهدّد بإفراغ المؤسسات من مضمونها، وتحويلها إلى هياكل بلا روح، في لحظة يحتاج فيها الشعب الفلسطيني إلى مؤسسات قوية، شرعية، وقادرة على المواجهة.
لذلك، فإنّ الدعوات المتزايدة لرفض هذه الإجراءات، ومقاطعتها، ليست تعبيراً عن خلاف سياسي عابر، بل عن إدراك عميق بأنّ التمثيل ليس تفصيلاً إدارياً، بل جوهر القضية نفسها.
فـ فلسطين ليست ملكاً لأحد، ولا يمكن اختزال شعبها في ترتيبات فوقية، ولا اختصار مستقبله في دوائر مغلقة.
وإنّ إعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها لن تكون ذات معنى، ما لم تُستعاد القاعدة الأساسية التي قامت عليها:
أنّ القرار للشعب، وأنّ التمثيل حق لا يُمنح، بل يُنتزع عبر إرادة حرة وصندوق اقتراع حقيقي ونزيه.
في معركة بهذا الحجم، لا يكفي أن نُجدّد المؤسسات شكلياً،
بل المطلوب أن نُعيد تعريفها…
كمؤسسات تعبّر عن الشعب وتمثيله الحقيقي وتعكس طموحه لا أن تدار باسمه، كما تترجم إرادة الشعب في مقاومة المحتلّ حتى تحقيق النصر والعيش في وطنه بحرية وكرامة وضمان عودة اللاجئين إلى أرضهم في ظلّ دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة